دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني

محقق

الدكتور محمد رواس قلعه جي، عبد البر عباس

الناشر

دار النفائس

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

مكان النشر

بيروت

مناطق
إيران
•
دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الثِّقَةُ الْحَافِظُ سَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي مَنْزِلِهِ بِدَارِ الْخِلَافَةِ عَمَّرَهَا اللَّهُ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُطَرَّزُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِأَصْبَهَانَ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: أَنَا الْإِمَامُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ

1 / 29

: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُولِي النِّعَمَ الْجِسَامَ، وَمُسْدِي الْآلَاءِ الْعِظَامِ، الَّذِي تَرَادَفَتْ أَيَادِيهِ السَّابِغَةُ، وَثَبَتَتْ حُجَجُهُ الْبَالِغَةُ بِالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَةِ، وَالْعَلَامَاتِ اللَّائِحَةِ، مُخْتَرِعِ الْمَلَكُوتِ مِنَ الْأَرْضِينَ وَالسَّمَوَاتِ، وَمُبْدِعِ الصَّنَائِعِ الْمُتْقَنَةِ الْوَاقِعَةِ لِخَلْقِهِ بِالْحَرَكَاتِ مِنْهُمْ وَالسَّكَنَاتِ، وَالْمُنْشِئِ لِبَرِيَّتِهِ قَوَامَهُمْ وَأَقْوَاتَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ وَأَلْوَانِ الثَّمَرَاتِ، الظَّاهِرِ آيَاتِهِ لِلْمُؤَيِّدِينَ بِالْعَقْلِ الرَّصِينِ، وَالْمُمَدِّينَ بِالنَّظَرِ الْمَكِينِ، الْمُوَفَّقِينَ لِلتَّفَكُّرِ فِيمَا أَشْهَدَهُمْ مِنْ لَطَائِفِ التَّرْكِيبِ وَأَعَانَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تَوَالِي التَّرْتِيبِ، وَتَحْوِيلِ الْأَعْيَانِ الْمُنْتَقِلَةِ مِنْ طَبَقَةٍ إِلَى طَبَقَةٍ، وَصَنْعَةٍ إِلَى صَنْعَةٍ، الدَّالُّ كُلُّهُ عَلَى تَدْبِيرِ الْعَالِمِ الْحَكِيمِ وَالْقَادِرِ الرَّحِيمِ، الْقَامِعِ لِسُلْطَانِ الْمُبْطِلِينَ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، الْقَاطِعِ لِطُغْيَانِ الْمُنْكِرِينَ بِالْأَدِلَّةِ الزَّاهِرَةِ، الَّذِي أَزَاحَ عِلَلَ الْمُكَلَّفِينَ بِالرُّسُلِ، الْمُؤَيَّدِينَ بِالْآيَاتِ بِمَا أُعْطُوا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة: الحديد، آية رقم: ٢٥] وَقَالَ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة: النساء، آية رقم: ١٦٥] فَأَلْزَمَ الْخَلِيقَةَ بِهِمُ الْحُجَّةَ، وَأَوْضَحَ لَهَمْ بِمَا بَلَّغُوا عَنْهُ الْمَحَجَّةَ، فَحَيَّ مَنْ حَيَّ بِمَا بَعَثَهُمْ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَهَلَكَ بِمُفَارَقَتِهِمْ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى

1 / 31

خَيْرِ مَبْعُوثٍ خَتَمَ بِهِ الرِّسَالَةَ، وَغَنَمَ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ النَّبَالَةَ وَالْجَلَالَةَ، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ، وَرَفَعَ فِكْرَهُ لِذِكْرِهِ، مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، مَا عَبَدَ عَابِدٌ وَسَجَدَ سَاجِدٌ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ سَأَلْتُمْ - عَمَّرَ اللَّهُ بِالْبَصَائِرِ طُوِيَّاتِكُمْ، وَنَوَّرَ فِي الْمَسِيرِ إِلَى وِفَاقِهِ أَوْعِيَتَكُمْ وَنِيَّاتِكُمْ - جَمْعَ الْمُنْتَشِرِ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي النُّبُوَّةِ، وَالدَّلَائِلِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَالْحَقَائِقِ، وَخَصَائِصِ الْمَبْعُوثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالسَّنَاءِ السَّاطِعِ، وَالشِّفَاءِ النَّافِعِ، الَّذِي اسْتَضَاءَ بِهِ السُّعَدَاءِ، وَاشْتَفَى بِهِ الشُّهَدَاءِ، وَاسْتَوْصَلَ دُونَهُ الْبُعَدَاءُ، فَاسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ وَاسْتَوْفَقْتُهُ، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزِ، وَاعْلَمُوا - وَفَّقَكُمُ اللَّهُ - أَنَّ الْخَالِقَ الْحَكِيمَ أَنْشَأَ الْخَلْقَ مُخْتَلِفِي الصُّوَرِ وَالْجَوَاهِرِ، مُتَفَاوِتِي الْأَمْزِجَةِ وَالْبَصَائِرِ، أَجْزَاؤُهُمْ فِي الطَّبِيعَةِ وَالْقُوَّةِ مُتَفَاضِلَةٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ فِي النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَمِنْ مُعْتَدِلٍ فِي امْتِزَاجِهِ، مُسْتَغْنٍ بِصِحَّتِهِ عَنِ الْأَطِبَّاءِ وَالْعَقَاقِيرِ، وَمُتَوَسِّطٌ فِي الِاعْتِدَالِ يُطَيِّبُهُ الْقَلِيلُ مِنَ الْأَبَارِيزِ، وَسَاقِطٍ رَذِيلٍ لَا يُقِيمُهُ الْعَزِيزُ مِنَ الْعَنَاصِرِ، كَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ مِنْهُمْ صَافٍ ذَكِيٌّ، بِالْحِكْمَةِ مَشْغُوفٌ، وَإِلَى التَّعَرُّفِ وَالتَّبَصُّرِ مَلْهُوفٌ، حَرِيصٌ عَلَى مَا اسْتَبَقَ إِلَيْهِ السُّعَدَاءُ، وَمِنْهَا رَوْحٌ أَكْدَرُ بَطِيْءٌ، عَنِ الْمَعَارِفِ وَالْبَصَائِرِ مَعْصُوفٌ، وَعَنِ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ مَصْرُوفٌ، خَمِيصٌ إِلَى مَا اسْتَلَدَّهُ الْبُعَدَاءُ، وَمِنْهَا رُوحٌ مُتَوَسِّطٌ، حَطَّ بِهِ عَنْ كَمَالِ الصَّفَاءِ وَالذَّكَاءِ، وَنَحَّى بِهِ مِنْ تِلَالِ الْكَدَرِ وَالْعَمَى، فَلِتَفَاوُتِ الْأَشْبَاحِ وَالْأَرْوَاحِ اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ وَالْأَحْوَالُ، فَالْمَحْنُوُّ بِصَافِي

1 / 32

الْأَرْوَاحِ يَحِنُّ جَوْهَرُهُ دَائِمًا إِلَى صَفْوَةِ الرَّوْحَانِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْعُلَى فِي السَّمَوَاتِ، وَالْمَحْنُوُّ بِكَدَرِ الْأَرْوَاحِ يَمِيلُ جَوْهَرُهُ دَائِمًا إِلَى مُمَاثَلَةِ الْمُسَخَّرَةِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالْأَنْعَامِ، الْمُرَكَّبَةُ مِنَ الْكَدَرِ وَالظُّلُمَاتِ، فَإِذَا اخْتْلَفَتِ الْأَبْنِيَةُ وَالْأَمْزِجَةُ فَالْمَخْلُوقُ عَلَى أَعْدَلِ التَّرْتِيبِ وَأَصْفَى التَّرْكِيبِ مِنْ لُبَابِ الْبَشَرِ وَصِبَابِ النَّشْرِ مَنِ ارْتَاحَ لِلتَّأَلُّهِ وَالصَّلَاحِ وَاهْتَنَّ لِلتَّشْمِيرِ، وَالصَّلَاحُ مَخْصُوصٌ بِالْبِشَارَةِ وَالنَّذَارَةِ، مَقْصُودٌ بِالنَّفْثِ وَالْإِيمَاءِ مِنَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، مُمَدٌّ بِالْمَوْهِبَةِ الْإِلَاهِيَةِ، والْأَثَرَةِ الْعُلْوِيَّةِ، وَيَسْعَدُ بِالْقَبُولِ مِنْهُ الْمُتَوَسِّطُ مِنَ الْمُقْبِلِينَ، وَيُحْجَبُ بِالنُّفُورِ عَنْهُ وَالتَّكَبُّرِ عَنْهُ الْعُمَاةُ مِنَ الْمُدْبِرِينَ، فَأُولَئِكَ الْمَقْصُودُونَ هُمُ الدُّعَاةُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَالسَّادَةُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فَالنُّبُوَّةُ: سِفَارَةُ الْعَبْدِ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْأَلْبَابِ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَلِهَذَا تُوصَفُ أَبَدًا بِالرِّسَالَةِ وَالْبِعْثَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ النُّبُوَّةَ إِزَاحَةُ عِلَلِ ذَوْيِ الْأَلْبَابِ فِيمَا تَقْصُرُ عُقُولُهُمْ عَنْهُ مِنْ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَلِهَذَا يُوصَفُ دَائِمًا بِالْحُجَّةِ وَالْهِدَايَةِ لِيَزِيحَ بِهَا عِلَلَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْهِدَايَةِ وَالتَّثْقِيفِ، وَمَعْنَى النَّبِيِّ: هُوَ ذُو النَّبَأِ وَالْخَبَرِ، أَيْ يِكُونُ مُخْبِرًا عَنِ اللَّهِ ﷿ بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ «النَّبْوَةِ» الَّتِي هِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ، وَهُوَ أَنْ يُخَصَّ بِضَرْبٍ مِنَ الرِّفْعَةِ، فَجُعِلَ سَفِيرًا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ وَصْفَهُ بِالشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، وَمَنْ جَعَلَ النُّبُوَّةَ مِنَِ الْإِنْبَاءِ الَّتِي هِيَ الْإِخْبَارُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَمَعْنَى الرَّسُولِ: فَهُوَ الْمُرْسَلُ، فَعُولٌ عَلَى لَفْظِ مَفْعَلٍ، وَإِرْسَالُهُ: أَمْرُهُ إِيَّاهُ بِإِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ

1 / 33

، وَمَعْنَى الْوَحْيِ: مِنَ الْوَحَا وَهُوَ الْعَجَلَةُ، فَلَمَّا كَانَ الرَّسُولُ مُتَعَجِّلًا لِمَا يَفْهَمُ، قِيلَ لِذَلِكَ التَّفَهُّمِ «وَحْيٌ»، وَلَهُ مَرَاتِبٌ وَوُجُوهٌ فِي الْقُرْآنِ وَحْيٌ إِلَى الرَّسُولِ: وَهُوَ أَنْ يُخَاطِبَهُ الْمَلَكُ شِفَاهًا، أَوْ يَلْقِيَ فِي رَوْعِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة: الشورى، آية رقم: ٥١] يُرِيدُ بِذَلِكَ خِطَابًا يُلْقِي فَهْمَهُ فِي قَلْبِهِ حَتَّى يَعِيَهُ وَيَحْفَظَهُ. وَمَا عَدَاهُ مِنْ غَيْرِ خِطَابٍ إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ إِعْلَامٍ وَإِلْهَامٍ، وَتَوْقِيفٌ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَلَا خِطَابٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة: النحل، آية رقم: ٦٨]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [سورة: القصص، آية رقم: ٧] وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ النُّبُوَّةَ الَّتِي هِيَ السِّفَارَةُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِخَصَائِصَ أَرْبَعَةٍ يَهَبُهَا اللَّهُ ﷿ لَهُمْ، كَمَا أَنَّ إِزَالَةَ عِلَلِ الْعُقُولِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالسَّلَامَةِ مِنْ آفَاتٍ أَرْبَعَةٍ يُعْصَمُ مِنْهَا، فَالسَّفِيرُ السَّعِيدُ بِالْمَوَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ سَلِيمٌ عَنِ الْآفَاتِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْعَاقِلُ السَّلِيمُ مِنَ الْآفَاتِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَ بِسَعِيدٍ بِالْمَوَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، فَالْمَوَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ: أَوَّلُهَا: الْفَضِيلَةُ النَّوْعِيَّةُ. وَثَانِيهَا: الْفَضِيلَةُ الْإِكْرَامِيَّةُ. وَثَالِثُهَا: الْإِمْدَادُ بِالْهِدَايَةِ. وَرَابِعُهَا: التَّثْقِيفُ عِنْدَ الزَّلَّةِ، وَالْآفَاتُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يُعْصَمُ مِنْهَا السَّلِيمُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ. أَوَّلُهَا: الْكُفْرُ بِاللَّهِ ﷿، وَثاَنِيهَا: التَّقَوُّلُ عَلَى اللَّهِ، وَثَالِثُهَا: الْفِسْقُ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ، وَرَابِعُهَا: الْجَهْلُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ، فَمَعْنَى الْفَضِيلَةِ النَّوْعِيَّةِ: أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي سِيَرِ الْمُلُوكِ وَالْأَحْمَدَ فِي حُكْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُرْسِلُونَ مُبَلِّغًا عَنْهُمْ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَالْمُسْتَقِلُّ بِأَثْقَالِ الرِّسَالِةِ قَدْ ثَقَّفَتْهُ خِدْمَتُهُ، وَخَرَّجَتْهُ أَيَّامُهُ، وَالْعُقُولُ تَشْهَدُ أَنَّ مِثْلَهُ مُقَيَّضًا مُرْتَادًا عِنْدَ الْمُرْسِلِ لِمِثْلِهِ فِي الْإِبْلَاغِ وَالتَّأْدِيَةِ عَنْهُ، فَاللَّهُ الْحَكِيمُ الْقَدِيرُ لَا يَخْتَارُ لِلرِّسَالَةِ

1 / 34

إِلَّا الْمُتَقَدِّمَ عَلَى الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ، الَمُزَيَّنَ بِكُلِّ الْمَنَاقِبِ، وَلِهَذَا لِمْ يُوجَدْ نَبِيٌّ قَطُّ بِهِ عَاهَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوِ اخْتِلَاطٌ فِي عَقْلِهِ، أَوْ دَنَاءَةٌ فِي نَسَبِهِ، أَوْ رَدَاءَةٌ فِي خُلُقِهِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ قَوْلُهُ ﷿ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة: الأنعام، آية رقم: ١٢٤] . وَمَعْنَى الْفَضِيلَةِ الْإِكْرَامِيَّةِ: أَنَّ الْمُلُوكَ مَتَى أَرْسَلُوا رَسُولًا اخَتْارُوهُ لِلْوِفَادَةِ، أَيَّدُوهُ فِي حَالِ الْإِرْسَالِ بِلَطَائِفَ وَكَرَامَاتٍ وَزَوَائِدَ وَمُعَاوَنَاتٍ يُيَسِّرُ الْخَطْبَ عَلَيْهِ فَوْقَ مَا كَانَ مَكَّنَهُ مِنْهُ، وَخَوَّلَهُ فِي مَاضِي خِدْمَتِهِ، فَاللَّهُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ إِذَا أَمَرَهُ لِلْإِبْلَاغِ عَنْهُ أَمَدَّهُ بِزَوَائِدَ تُقَوِّي قَلْبَهُ، وَتَشْحَذُ قَرِيحَتَهُ، وَتُمَكِّنُهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْعَزَائِمِ الْقَوِيَّةِ، وَالْحُكْمِ الْمَدِيدِ، كَمَا أَيَّدَ مُوسَى ﵇ بِحَلِّ الْعُقْدَةِ مِنْ لِسَانِهِ، وَإِشْرَاكِهِ هَارُونَ فِي الْإِرْسَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [سورة: القصص، آية رقم: ٣٤] فَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ ﷿ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [سورة: طه، آية رقم: ٣٦]، وَمَعْنَى الْإِمْدَادِ بِالْهِدَايَةِ: فَإِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا اخْتَارُوا لِلْإِبْلَاغِ عَنْهُمْ مَنْ عَلِمُوا مِنْهُ الْكَفَاءَةَ وَالِاسْتِغْلَالَ بِمَا وَلُّوهُ فَلَا يُخْلُونَهُ مِنْ كَتْبٍ مِنْهُمْ إِلَيْهِ تَتَضَمَّنُ الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ، عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى صَنِيعَةِ الْآدَمِيِّينَ. فَاللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ مَتَى قَلَّدَ عَبْدًا قَلَائِدَ الرِّسَالَةِ فَحِكْمَتُهُ تَقْضِي أَنْ لَا يُخْلِيَهُ مِنْ مَوَادِّ الْإِرْشَادِ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْعُلُومَ الْمُكْتَسَبَةَ لَا تَنَالُ إِلَّا تَعْرِيفًا، وَلَا تُصَابُ الْمَصَالِحُ الْكُلِّيَّةُ إِلَّا تَوْفِيقًا، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ ﷿ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِتَّ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [سورة: الفرقان، آية رقم: ٣٢]، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ﴾ [سورة: الإسراء، آية رقم: ٧٤]، وَمَعْنَى التَّثْقِيفَ عِنْدَ الزَّلَّةِ: فَمَا بَعَثَ مَلِكٌ وَاحِدًا يُحَبِّبُ بِهِ الرَّعِيَّةَ إِلَى طَاعَةٍ فَيَرَى طَبْعَهُ مَائِلًا فِي حَالَ الْإِبْلَاغِ إِلَّا زَجَرَهُ عِنْدَ أَدْنَى هَفْوَةٍ بِأَبْلَغِ

1 / 35

مَزْجَرَةٍ، يُثَقِّفُهُ بِهَا صِيَانَةً لِمَحِلِّهِ وَحِفْظًا لِحِرَاسَتِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ، عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّ مَنْ يَنْتَهِ عَنْ فَلَتَاتِهِ أَوْشَكَ أَنْ يَأْلَفَهُ وَيَعْتَادَهُ، فَاللَّهُ اللَّطِيفُ بِعِبَادِهِ، الْوَافِي لِأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، لَا يَعْدِمُ وَافِدَهُ وَصَفِيَّهُ الْمُرَشَّحَ لِحَمْلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ التَّنْبِيهَ وَالتَّثْقِيفَ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِنُوحٍ ﵇ ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة: هود، آية رقم: ٤٦] وَقَوْلُهُ ﷿ لِدَاوُدَ ﵇ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [سورة: ص، آية رقم: ٢٢] وَقَوْلُهُ ﷿ لِسُلَيْمَانَ ﵇ ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [سورة: ص، آية رقم: ٣٤] وَقَوْلُهُ ﷿ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة: هود، آية رقم: ١١٢]، ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [سورة: الأنفال، آية رقم: ٦٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [سورة: الأنعام، آية رقم: ٣٥]، فَهَذِهِ الْخَصَائِصُ الْأَرْبَعَةُ لَا تُنَالُ بِالِاكْتِسَابِ وَالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهَا مَوْهِبَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَأَثَرَةٌ عُلْوِيَّةٌ، حِكَمُهَا مُعَلَّقَةٌ بِتَدْبِيرٍ مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَلَا يُظْهِرُهَا إِلَّا فِي أَخَصِّ الْأَزْمِنَةِ، وَأَحَقِّ الْأَمْكِنَةِ، عِنْدَ إِحْسَاسِ الْحَاجَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِطْبَاقِ الدَّهْمَاءِ عَلَى الضُّلَّالِ مِنَ الْبَرِيَّةِ، وَكُلُّهَا أَعْلَى مِنْ أَنْ تَفُوزَ بِهِ الْعُقُولُ الْجُزْئِيَّةُ، أَوْ تُحَصِّلُهَا الْمَسَاعِي الْمُكْتَسَبَةُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة: آل عمران، آية رقم: ١٧٩] وَقَوْلُهُ ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة: إبراهيم، آية رقم: ١١] وَقَوْلُهُ ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾

1 / 36

[سورة: الجن، آية رقم: ٢٧]، وَاعْلَمُوا أَنَّ مُعْجِزَاتِ الْمُصْطَفَى ﷺ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَحْصُرَهَا عَدَدٌ، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَنْصُرَهَا سَنَدٌ، فَأَعْظَمُ مُعْجِزَاتِهِ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أُمُّ الْمُعْجِزَاتِ الَّذِي لَا يَدْفَعُهُ الْإِنْكَارُ وَلَا الْجَحْدُ، وَقَدْ حَرَّرَ الْكَلَامَ فِيهِ وَفِي مَسَائِلِه وَإِبْطَالِ طَعْنِ الَمَلَاحِدَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَأَصْحَابِ الطَّبَائِعِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَبَيَّنُوا فَسَادَ مَقَالَاتِهِمْ، وَبُطْلَانَ مُعَارَضَاتِهِمْ بِمَا يُعَارِضُ بِهِ أَمْثَالُهُمْ مِنَ الْجَائِرِينَ عَنْ مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ وَمَنَارِ الشَّرِيعَةِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَأَنَّ بَعْثَةَ الْمُرْسَلَينَ مِمَّا لَا يَسْتَحِيلُ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُمْكِنِ وَالْمَقْدُورِ، وَأَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ ﷿، بَلْ هُوَ مِنَ الْجَائِزِ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، وَأَنَّ الْمُعْجِزَاتِ أَقْسَامٌ، مِنْهَا مَا يَجُوزُ دُخُولُ نَوْعٍ مِنْهَا تَحْتَ مَقْدُورِنَا عَلَى وَجْهٍ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدْخُلُ. وَذِكْرُ الْكَلَامِ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَأَنَّهُمَا مُتَّفِقَتَانِ فِي حَالَةٍ وَمُفْتَرِقَتَانِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، وَذِكْرُ أَنْوَاعِ مَا يَقَعُ بِه التَّحَدِّي فَسُمِّيَ مُعْجِزًا، وَذِكْرُ الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ مِنْ بَرْهَمِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ وَطَبَائِعِيٍّ وَغَيْرِهِمْ سَكَتْنَا عَنْ ذَلِكَ إِذِ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَالِانْفِصَالُ عَنْ مُعَارَضَتِهِمْ مُسْلَمٌ إِلَى أَرْبَابِهِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالنُّظَّارِ، وَقَصَدْنَا جَمْعَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ وَتَجْبِيَتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمُنْتَشِرِ مِنَ الْآبَارِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ مِنْ مَرْوِيِّ الْأَخْبَارِ، وَرَتَّبْنَاهُ تَرْتِيبَ مَنْ تَقَدَّمْنَا مِنْ رُوَاةِ الْآثَارِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ فُصُولًا، ذَكَرْنَاهَا لِتَسْهُلَ عَلَى الْمُتَحَفِّظِ أَنْوَاعُهُ وَأَقْسَامُهُ فَيَكُونَ أَجْمَعَ لِفَهْمِهِ، وَأَقْرَبَ مِنْ ذِهْنِهِ، وَأَبْعَدَ مِنْ تَحَمُّلِ الْكُلْفَةِ فِي طَلَبِهِ، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ فِي ذَلِكَ وَفِي كُلِّ مَا نُرِيدُهُ وَنَقْصُدُهُ.

1 / 37

الفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي ذِكْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ فَضْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِعْثَتَهُ لِلْعَالَمِينَ رَحْمَةً، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فَأَمَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنَ الْعَذَابِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ﵇، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَلَمْ يُعَذِّبْهُمْ مَعَ اسْتِعْجَالِهِمْ إِيَّاهُ تَحْقِيقًا لِمَا نَعَتَهُ بِهِ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمْ إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مَا عَذَّبَهُمْ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَأَسْرٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١]
١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدًى لِلْمُتَّقِينَ»
٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ⦗٤٠⦘، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: " إِنَّمَا بُعِثْتُ نِعْمَةً، وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا وَمِنْ فَضَائِلِهِ: إِخْبَارُ اللَّهِ ﷿ عَنْ إِجْلَالِ قَدْرِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَبْجِيلِهِ، وَتَعْظِيمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا خَاطَبَهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أَخْبَرَ عَنْهُ إِلَّا بِالْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ الَّتِي لَا أَجَلَّ مِنْهَا فَخْرًا، وَلَا أَعْظَمَ خَطَرًا، وَخَاطَبَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَوْمِهِمْ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمْ بِالْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ الْمَرْتَبَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ فِي جُمْلَتِهِمْ بِمُشَارَكَتِهِ مَعَهُمْ فِي الْخِطَابِ وَالْخَبَرِ، فَأَمَّا فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، فَمَا ذَكَرَهُمْ إِلَّا بِأَسْمَائِهِمْ، وَالْكِنَايَةُ عَنِ الِاسْمِ غَايَةُ التَّعْظِيمِ لِلْمُخَاطَبِ الْمُجَلَّلِ، وَالْمَدْعُوِّ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ بِهِ غَايَةَ التَّعْظِيمِ كُنِّيَ عَنِ اسْمِهِ، إِنْ كَانَ مَلِكًا قِيلَ لَهُ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَإِنْ كَانَ أَمِيرًا قِيلَ لَهُ: يَا أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَإِنْ كَانَ خَلِيفَةً قِيلَ: يَا أَيُّهَا الْخَلِيفَةُ، وَإِنْ كَانَ دَيَّانًا قِيلَ: يَا أَيُّهَا الْحَبْرُ، أَيُّهَا الْقِسُّ، أَيُّهَا الْعَالِمُ، أَيُّهَا الْفَقِيهُ، فَفَضَّلَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﷺ، وَبَلَغَ بِهِ غَايَةَ الرُّتْبَةِ، وَأَعَالِيَ الرِّفْعَةِ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ⦗٤١⦘، وَخَاطَبَ آدَمَ وَمَنْ دُونَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ بِأَسْمَائِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ، وَ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾ [هود: ٤٨]، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]، وَ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦]، وَ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وَ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وَقَالَ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وَ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، وَ﴿إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الصف: ٦]، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]، وَ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧]، وَ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤]، وَ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧]، وَ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، كُلُّ أُولَئِكَ خُوطِبُوا بِأَسْمَائِهِمْ؛ فَكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﵇ بِاسْمِهِ أَضَافَ إِلَيْهِ ذِكْرَ الرِّسَالَةِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وَقَالَ: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٢]، فَسَمَّاهُ لِيَعْلَمَ مَنْ جَحْدَهُ أَنَّ أَمْرَهُ وَكِتَابَهُ هُوَ الْحَقُّ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّهِ لَمْ يُعْلَمِ اسْمُهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَوْ لَمْ يُسَمُّوا فِي الْكِتَابِ مَا عُرِفَتْ أَسَامِيهُمْ كَتَسْمِيَةِ اللَّهِ لَهُ مُحَمَّدًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ زِيَادَةٌ فِي جَلَالَتِهِ، وَنَبَالَتِهِ، وَنَبَاهَتِهِ، وَشَرَفِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ لِلَّهِ كَمَا مَدَحَهُ عَمُّهُ فَقَالَ:
[البحر الطويل]
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
ثُمَّ جَمَعَ فِي الذِّكْرِ بَيْنَ اسْمِ خَلِيلِهِ وَنَبِيِّهِ، فَسَمَّى خَلِيلَهُ بِاسْمِهِ ⦗٤٢⦘ وَكَنَّى حَبِيبَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، فَكَنَّاهُ إِجْلَالًا، وَرَفَعَهُ لِفَضْلِ مَرْتَبَتِهِ، وَنَبَاهَتِهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ فِي الْبَعْثِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]

1 / 39

٣ - وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، ثنا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] قَالَ: " كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ وَمِنْ فَضَائِلِهِ أَنَّ النَّاسَ نَهَاهُمُ اللَّهُ ﷿ أَنْ يُخَاطِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَرُسُلَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وَقَوْلِهِ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢]، وَ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا﴾ [هود: ٥٣]، وَ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا﴾ [الأعراف: ٧٧]، وَقَالَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فَنَدَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى تَكْنِيَتِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ؛ تَرْفِيعًا لِمَنْزِلَتِهِ، وَتَشْرِيفًا ⦗٤٣⦘ لِمَرْتَبَتِهِ، خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ مِنْ بَيْنِ رُسُلِهِ، وَأَنْبِيَائِهِ

1 / 42