ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: «فما أسأت الاتّباع» محالا، لأنه على كل حال لم يتّبعه في اللفظ. ثم إنّ الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى. وذلك أنّ هاهنا معنيين:
أحدهما: أصل، وهو: علم الطّير بأن الممدوح إذا غزا عدوّا كان الظفر له، وكان هو الغالب.
والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتّسع عليها المطاعم من لحوم القتلى.
وقد عمد النابغة إلى «الأصل»، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب، فذكره صريحا، وكشف عن وجهه، واعتمد في «الفرع» الذي هو طمعها في لحوم القتلى، وأنها لذلك تحلّق فوقه على دلالة الفحوى.
وعكس أبو نواس القصّة، فذكر «الفرع» الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، فقال كما ترى:
ثقة بالشّبع من جزره «١» وعوّل في «الأصل»، الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح، على الفحوى.
ودلالة الفحوى على علمها أنّ الظفر يكون للممدوح، هي في أن قال: «من جزره»، وهي لا تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح، حتى تعلم أنّ الظفر يكون له.
أفيكون شيء أظهر من هذا في النّقل عن صورة إلى صورة؟
أرجع إلى النّسق- ومن ذلك قول أبي العتاهية: [من الخفيف]
شيم فتّحت من المدح ما قد ... كان مستغلقا على المدّاح «٢»
مع قول أبي تمام: [من الكامل]
نظمت له خرز المديح مواهب ... ينفثن في عقد اللّسان المفحم «٣»
(١) عجز بيت لأبي نوّاس صدره:
يتأيى الطير غدوته والبيت سبق تخريجه.
(٢) الديوان (٥١٥).
(٣) البيت في ديوانه (ص ٢٩٥) من قصيدة يمدح فيها أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شبانة مطلعها:
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض شجو المغرم
والنفث: البصاق اليسير. والمفحم: العييّ عن قول الشعر. وجاء البيت في نسخة «المقحم» بالقاف ومعناها: الضعيف.
1 / 324
مقدمة المحقق
[المدخل في دلائل الإعجاز- وهو مقدمة الكتاب لمؤلفه]
فاتحة المؤلف فى بيان مكانة العلم
فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه
فصل في تحقيق القول على «البلاغة» و«الفصاحة»، و«البيان» و«البراعة»،
فصل ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: «حروف منظومة»، و«كلم منظومة».
فصل منه في أن النظم متوقف على التركيب النحوي
فصل: منه في شبهة الذين حصروا الفصاحة في صفة اللفظ
فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره.
[فصل: في ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة]
[فصل: في تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل]
فصل «في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم».
فصل «في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع»
فصل «القول في التقديم والتأخير»
فصل وإذ قد عرفت هذه المسائل في «الاستفهام»، فهذه مسائل في «النفي».
[فصل: الاستفهام له التقديم والصدارة وتقديم ما يقارنه من اسم وفعل]
فصل «هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل، أو قدم الفعل عليها»
فصل [في تحليل مثال آخر للحذف]
فصل القول على فروق في الخبر
[فصل: في نكتة عطف الجملة على ما قبل التي تليها]
[فصل منه في أن امتياز العبارة بالتأثير]
[فصل منه في أن معارضة الكلام في البلاغة بحسب معناه لا لفظه]
[فصل: لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير]
فصل هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام
فصل: الكلام ضربان
فصل [من دلالة المعنى على المعنى]
فصل
فصل: منه في اشتراط الذوق والأريحية في هذا الباب
فصل هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم
فصل
[فصل: في الكناية والتعريض]
فصل [من التوكيد]
فصل في مسائل «إنما»
فصل هذا بيان آخر في «إنما»
فصل في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه «بما» و«إلا»
فصل [من إنما]
فصل [في الحكاية والنظم والترتيب]
فصل [في النظم والترتيب]
فصل [في ربط اللفظ بالمعنى]
[فصل: غلط الناس في معنى الحقيقة والمجاز.]
فصل [في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني]
فصل [في علاقة الفكر بمعاني النحو]
فصل [في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدهما فصيح والآخر غير فصيح]