دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم
الناشر
دار عطاءات العلم (الرياض)
الإصدار
الخامسة
سنة النشر
١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
مكان النشر
دار ابن حزم (بيروت)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين، وأشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الحمد للَّه الذي ختم الرسل بهذا النبي الكريم، عليه من اللَّه الصلاة والتسليم، كما ختم الكتب السماوية بهذا القرآن العظيم، وهدى الناس بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام/ ١١٥]، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل، وبعضه يشهد بصدق بعض ولا ينافيه؛ لأن آياته فُصِّلت من لدن حكيم خبير، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء/ ٨٢].
أما بعد؛ فإن مُقيِّد هذه الحروف -عفا اللَّه عنه- أراد أن يُبَيِّن في هذه الرسالة ما تيسر من أوجه الجمع بين الآيات التي يُظَنُّ بها التعارض في القرآن العظيم، مُرتِّبًا لها بحسب ترتيب السور، يذكر الجمع بين الآيتين غالبًا في محل الأولى منهما، وربما يذكر الجمع عند محلِّ الأخيرة، وربما يكتفي بذكر الجمع عند الأولى، وربما يحيل عليه عند محل الأخيرة، ولا سيما إذا كانت السورة ليس فيها مما يُظَنُّ تعارضه إلا تلك الآية، فإنه لا يترك ذكرها والإحالة على الجمع المتقدم، وسمَّيْتُه: "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"
1 / 5
فنقول وباللَّه نستعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل، راجين من اللَّه الكريم أن يجعل نيتنا صالحة وعملنا كله خالصًا لوجهه الكريم، إنه قريب مجيب رحيم:
1 / 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة البقرة
قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة/ ١، ٢]. أشار اللَّه تعالى إلى القرآن في هذه الآية إشارة البعيد. وقد أشار له في آيات أخر إشارة القريب، كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء/ ٩]، وكقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل/ ٧٦]، وكقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام/ ٩٢]، وكقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف/ ٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
وللجمع بين هذه الآيات أوجه:
الوجه الأول: ما حرَّره بعض علماء البلاغة من أن وجه الإشارة إليه بإشارة الحاضر القريب أن هذا القرآن قريب حاضر في الأسماع والألسنة والقلوب، ووجه الإشارة إليه بإشارة البعيد هو بُعْدُ مكانته ومنزلته من مشابهة كلام الخلق، وعما يزعمه الكفار من أنه سحر أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين.
الوجه الثاني: هو ما اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره من أن ذلك إشارة إلى ما تضمَّنه قوله: ﴿الم (١)﴾، وأنه أشار إليه إشارة البعيد لأن الكلام المشار إليه منقضٍ، ومعناه في الحقيقةِ القريبُ؛ لِقُرْبِ انقضائه، وضرب له مثلًا بالرجل يحدث الرجل فيقول له مرَّةً: واللَّه إن ذلك لكما قلت، ومرَّةً يقول: واللَّه إن هذا لكما قلت. فإشارة
1 / 7
البعيد نظرًا إلى أن الكلام مضى وانقضى، وإشارة القريب نظرًا إلى قُرْبِ انقضائه.
الوجه الثالث: أن العرب ربما أشارت إلى القريب إشارة البعيد، فتكون الآية على أسلوب من أساليب اللغة العربية. ونظيره قول خفاف بن ندبة السلمي، لما قتل مالك بن حرملة الفزاري:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدًا على عيني تيممت مالِكا
أقول له والرمح يأطِرُ مَتْنَه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذلكا
يعني أنا هذا.
وهذا القول الأخير حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة. قاله ابن كثير.
وعلى كل حال فعامة المفسرين على أن ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى: هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه نكرة في سياق النفي رُكِّبَتْ مع "لا"، فبنيت على الفتح. والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص في العموم، كما تقرر في علم الأصول.
و"لا" هذه التي هي نص في العموم هي المعروفة عند النحويين: "لا" التي لنفي الجنس، أما "لا" العاملة عمل "ليس" فهي ظاهرة في العموم لا نصٌّ فيه.
وعليه فالآية نصٌّ في نفي كل فرد من أفراد الريب عن هذا القرآن
1 / 8
العظيم.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجود الريب فيه لبعض من الناس، كالكفار الشاكِّين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة/ ٢٣]، وكقوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة/ ٤٥]، وكقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾ [الدخان/ ٩].
ووجه الجمع في ذلك: أن القرآن بالغ من وضوح الأدلة وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه، وريب الكفارة فيه إنما هو لعمى بصائرهم، كما بينه بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد/ ١٩]، فصرح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه مِنْ قِبَلِ عماه. ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة ... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
وأجاب بعض العلماء بأن قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر أريد به الإنشاء. أي: لا ترتابوا فيه. وعليه فلا إشكال.
قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة/ ٢].
خصص في هذه الآية هدى هذا الكتاب بالمتقين، وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس، وهي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة/ ١٨٥].
ووجه الجمع بينهما: أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين:
1 / 9
أحدهما عام، والثاني خاص.
أما الهدى العام فمعناه: إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة، سواء سلكها المبيَّن له أم لا.
ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت/ ١٧] أي: بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أنهم لم يسلكوها، بدليل قوله ﷿: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
ومنه -أيضًا- قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان/ ٣]، أي بينا له طريق الخير والشر، بدليل قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.
وأما الهدى الخاص: فهو تفضل اللَّه بالتوفيق على العبد.
ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ٩٠]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام/ ١٢٥].
فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، وهو التفضل بالتوفيق عليهم. والهدى العام للناس هو الهدى العام، وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة.
وبهذا يرتفع الإشكال أيضًا بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص/ ٥٦] مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى/ ٥٢]؛ لأن الهدى المنفي عنه ﷺ هو الهدى الخاص، لأن التوفيق بيد اللَّه وحده، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ
1 / 10
لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة/ ٤١]، والهدى المثبت له هو الهدى العام الذي هو إبانة الطريق، وقد بينها ﷺ حتى تركها محجة بيضاء ليلها كنهارها، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس/ ٢٥].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة/ ٦].
هذه الآية تدل بظاهرها على عدم إيمان الكفار.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الكفار يؤمن باللَّه ورسوله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال/ ٣٨]، وكقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء/ ٤]، وكقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت/ ٤٧].
ووجه الجمع ظاهر، وهو أن الآية من العام المخصوص؛ لأنها في خصوص الأشقياء الذين سبقت لهم في علم اللَّه الشقاوة المشار إليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس/ ٩٦، ٩٧]، ويدل لهذا التخصيص قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة/ ٧].
وأجاب البعض بان المعنى: لا يؤمنون ما دام الطبع على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة على أبصارهم، فإن أزال اللَّه عنهم ذلك بفضله آمنوا.
1 / 11
قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة/ ٧] الآية.
هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم مجبورون؛ لأن من ختم على قلبه وجعلت الغشاوة على بصره سلبت منه القدرة على الأيمان.
وقد جاء في آيات أُخر ما يدل على أن كفرهم واقع بمشيئتهم وإرادتهم، كقوله تعالى ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت/ ١٧]، وكقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة/ ١٧٥]، وكقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف/ ٢٩]، وكقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٨٢]، وكقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة/ ٨٠].
والجواب: أن الختم والطبع والغشاوة المجعولة على أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم، كل ذلك عقاب من اللَّه لهم على مبادرتهم للكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم، فعاقبهم اللَّه بعدم التوفيق جزاء وفاقًا، كما بينه تعالى بقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء/ ١٥٥]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون/ ٣]، وبقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام/ ١١٠]، وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف/ ٥]، وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة/ ٦]، وقوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين/ ١٤]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة/ ١٧].
أفرد في هذه الآية الضمير في قوله: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾، وفي قوله: ﴿مَا
1 / 12
حَوْلَهُ﴾، وجمع الضمير في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾، مع أن مرجع كل هذه الضمائر شيء واحد وهو لفظة ﴿الَّذِي﴾ مِنْ قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي﴾.
والجواب عن هذا: أن لفظة "الذي" مفرد، ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها. وقد تقرر في علم الأصول: أن الأسماء الموصولة كلها من صيغ العموم.
فإذا حققت ذلك، فاعلم أن إفراد الضمير باعتبار لفظة "الذي" وجمعه باعتبار معناها، ولهذا المعنى جرى على ألسنة العلماء: أن "الذي" تأتي بمعنى "الذين".
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم هذه الآية الكريمة؛ فقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أي: كمثل الذين استوقدوا. بدليل قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر/ ٣٣].
وقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة/ ٢٦٤] أي: كالذين ينفقون. بدليل قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة/ ٢٦٤].
وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة/ ٦٩] بناء على الصحيح من أن "الذي" فيها موصولة لا مصدرية.
ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز:
1 / 13
ياربَّ عبسٍ لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا في من قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
وقول الشاعر -وهو أشهب بن رميلة، وأنشده سيبويه لإطلاق "الذي" وإرادة "الذين"-:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
وزعم ابن الأنباري أن لفظة "الذي" في بيت أشهب جمع "اللَّذْ" بالسكون، وأن "الذي" في الآية مفرد أريد به الجمع. وكلام سيبويه يرد عليه.
وقول عديل بن الفرخ العجلي:
وبِتُّ أساقي القوم إخوتي الذي ... غوايتهم غيِّي ورشدهم رشدي
وقال بعضهم: المستوقدُ واحدٌ لجماعةِ معه. ولا يخفى ضعفه.
قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة/ ١٨].
هذه الآية يدل ظاهرها على أن المنافقين لا يسمعون ولا يتكلمون ولا يبصرون.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة/ ٢٠]، وكقوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الآية [المنافقون/ ٤]، أي: فصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، وقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب/ ١٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
1 / 14