توضيح الأحكام من بلوغ المرام

الناشر

مكتَبة الأسدي

الإصدار

الخامِسَة

سنة النشر

١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م

مكان النشر

مكّة المكرّمة

توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام
تَأليف
رَاجي عَفو رَبّه
عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة
الجزء الأوّل
مكتَبة الأسدي
مكّة المكرّمة

1 / 1

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعَة الخامِسَة
مُصَحَّحَة وَمحَقّقَة وَفيهَا زيَادَات هامَّة
١٤٢٣هـ - ٢٠٠٣م
مكتبة الأسدي
مكة المكرمة - العزيزية - مدخل جامعة أم القرى
هاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس ٥٥٧٥٢٤١
ص. ب: ٢٠٨٣

1 / 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدِّمة الطبعة الخامسة
الحمد لله المبدئ المعيد، شرع أحكامه وفق مصالح العبيد، والصلاة والسلام على صاحب القول السديد، الذي بلَّغ شرع ربه بالموجَز المفيد، وعلى آله وصحبه الذين حملوا الشريعة فأدَّوها بأمانة وتسديد.
أما بعد:
فأحمد الله تعالى وأشكره على ما يسَّر وسهَّل من وضع هذا الشرح الشامل المفيد، الذي جمع من العلومِ الطارفَ والتليد، بأسلوب مبسوط ميسَّر، وترتيب مفصَّل، ليستفيد منه كل قارىء، فلا يرتفع ويصعب على المبتدىء، ولا ينزل في مستواه عن المنتهي، لذا صار له القبول -ولله الحمد- عند طبقات القرَّاء، فتناولوه بتلهُّف من حين صدوره حتى نفدت نسخ طبعاته الأولى في مدة وجيزة جدًّا.
وراح الطلب والسؤال عنها بعد ذلك بإلحاح، مما شجَّعنا على إعادة طبعه، وإسعاف طالبيه، ولكن بصورة أفضل من الأولى، وبتحقيق أوفى وأكمل، أرجو من الله تعالى أن أكون في هذه الطبعة قد سددت وقاربت أكثر من سابقتها.
ولابد للإنسان أن يعرض له في فترات لاحقة، ما يقوِّم به فرطات ندَّت منه في أيام سابقة، ما دامت له يد تصل إلى كتاب، أو فكر يهديه إلى صواب.
وقد كتب القاضي الفاضل، شيخ صناعة الكتابة في عصره: عبد الرحيم ابن علي البيساني المتوفي سنة (٥٩٦) ﵀ إلى نائبه في وزارة الكتابة، الأديب الشهير العماد الأصفهاني المتوفي سنة (٥٩٧)، كتب إليه يقول:
"إني رأيت أنَّه لا يكتب إنسانٌ كتابًا في يوم إلَّا قال في غده: لو غُيِّر هذا

1 / 3

لكان أحسن، ولو زِيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وقد كان مني في هذه الطبعة كما قال القاضي الفاضل، فاستدركت:
أولًا: ما فاتنا من أخطاء مطبعية وقعت في الطبعات الأولى.
ثانيًا: زدت فيها زيادات كثيرة هامة، وفوائد فقهية غالية، ميَّزت هذه الطبعة عن سابقتها تمييزًا بيِّنًا.
ثالثًا: زدت في تخريج أكثر الأحاديث، مع تحقيقٍ أكثَرَ في بيان درجة الحديث.
رابعًا: زدت كثيرًا في شرح المفردات من الناحية اللغوية والصرفية والنحوية والعلمية، وتحديدٍ أكثرَ للمواضع.
خامسًا: وصلتني قرارات المجمَّع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بجدَّة، وقرارات هيئة كبار العلماء، وقرارات المجمَّع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي، حتى هذا العام (١٤٢١ هـ)، منذ تأسيسه، فألحقت كل قرار بالمكان الذي يناسبه من أبواب ومسائل الكتاب.
وهي قرارات هامة جدًّا بحثها نخبة مختارة من علماء المسلمين في القضايا المعاصرة، والقضايا المتقدِّمة التي تحتاج إلى فحص وتمحيص، حيث خرج منها المجمَّع برأي واحد فيها.
سادسًا: أجريت بعض التغيير والتقديم والتأخير لعبارات وفقرات في الكتاب مما زاده حسنًا وفضلًا.
سابعًا: وضعت المتن وهو "أحاديث بلوغ المرام" بأعلى الصحائف، مكتوبة بحرف متميز بلونه وحجمه وضبطه.
وبالجملة: فإنَّ القارىء الكريم سيرى -إن شاء الله تعالى- فرقًا كبيرًا

1 / 4

واضحًا بين هذه الطبعة الخامسة، وسابقتها، عسى بذلك أن تكون ملائمة لمقام هذا الكتاب الذي هو شرح لكتاب عظيم ألا وهو كتاب "بلوغ المرام".
ونسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه المؤلف
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
شهر شعبان ١٤٢١ هـ
في منزله في عوالي مكة
شرَّفها الله تعالى وحماها من كل سوء

1 / 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الإلمام في أصول الأحكام
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ من تصدَّى لاستنباط الأحكام الشرعية من مصدرها الأول "الكتاب والسنة"، أو كان يتلقى تلك الأحكام ممن يأخذها من هذا المصدر، ويمعن نظره فيها، ويختار منها ما رأى أنَّه أقرب إلى الصواب، فإنَّ عليه أن يكون ذا إلمام بالأصول الأربعة:
١ - مصطلح الحديث.
٢ - أصول الفقه.
٣ - القواعد الفقهية.
٤ - المقاصد الشرعية.
فيعرف بالأصل الأول: الحديث الذي يصلح الاعتماد عليه والاحتجاج به. ويفهم بالأصل الثاني: أدلة الأحكام الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين.
ويجمع بالأصل الثالث: شتات المسائل بهذه القواعد التي تضبط أفرادها، وتربط فرائدها عن التشتت والانتشار.
ويعرف بالأصل الرابع: أسرار الشريعة ومقاصدها، وما تتوخَّاه من جلب المصالح ودرء المفاسد.
لذا فإني جعلت بين يدي شرحي على بلوغ المرام هذه المقدمات الأربع، لتكون أمام قارىء هذا الشرح، فتريه كيف أخذت الأحكام من أصولها، واستنبطت المسائل من مصدرها؛ فيدرك طرق الاستنباط وسبل السير

1 / 6

إلى الاجتهاد؛ فإنَّ إدراكه ذلك يزيده طمأنينة إلى صحة الحكم ويدربه على الإقدام إلى أخذ المسائل من أصولها، ولتكون هذه المقدمات بداية الطريق في سلوك باب الترجيح بين المسائل المتعارضة، والاجتهاد في إصابة الحق في الأحكام المختلفة.
والله المسؤول أن ينفع بها من جمَعَها ومن قرأها، وأن يجعل العمل فيها والاستفادة منها خالصَيْنِ لوجه الله الكريم، ومقرِّبَيْنِ لديه في جنات النعيم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
٢٥/ ٣/ ١٤١٠ هـ

1 / 7

الأصل الأول
في
مصطلح الحديث

1 / 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة، ومقدِّمة مفيدة، في أصول الحديث، أضعها أمام قارىء شرحي على بلوغ المرام، جامعة لما تَمَسُّ الحاجة إليه من مصطلح علم الحديث، توخَّيْتُ فيها تسهيلَ مبادىء هذا الأصل، فقرَّبته من طالب العلم، ليقطف أزهاره، ويجنى بواكير ثماره، بيسر وسهولة، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم.
مصطلح علم الحديث:
تعريفه: هو علم يُعْرَفُ به حالُ الراوي والمرويِّ من حيثُ القَبُولُ والرد.
فائدته: معرفة ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ من الأحاديث بتمييز الصحيح من السقيم.
استمداده: تُسْتَمَدُّ مادة هذا العلم من أحوالِ متن الحديث، وأحوالِ رواته وروايتهم، وتتبُّعِ تلك الأحوال.
تعريفات:
الحديث، والخبر: مترادفان، فهما ما نسب إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
الإسناد، والسند: مترادفان، فهما سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن.
المتن: ما ينتهي إليه السند من الكلام.
تقسيم الحديث باعتبار طرقه:
الحديث قسمان: متواتر وآحاد:
المتواتر: ما وصَلَ بطرق ليس لها عددٌ معيَّن، فهو ما رواه عدَدٌ كثيرٌ تحيل

1 / 11

العادةُ تواطؤهم على الكذب.
والآحاد: هو الحديث الذي وصل إلينا بطرق محصورة معيَّنة، فإذا ثبتت، أفادت العلم.
أقسام الآحاد:
غريب: ما انفرد بروايته راوٍ واحدٌ، ولو في طبقة واحدة من طبقات السند.
عزيز: أن لا يقل رواته في جميع طبقات السند عن اثنين.
مشهور ومستفيض: مترادفان؛ فهما ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما لم يبلغ حد التواتر.
تقسيم الحديث من حيثُ القبولُ:
ينقسم إلى أربعة أقسام:
١ - الصحيحُ لذاته: هو ما اتَّصل سنده بنقل عدلٍ تامِّ الضبط عن مثله حتى نهاية السند، وأن يخلو من الشذوذ والعلة.
٢ - الصحيحُ لغيره: هو ما اجتمع فيه شروطُ الحسن لذاته، فرواته أقلُّ ضبطًا، وينجبر ذلك بتعدد الطرق.
٣ - الحَسَنُ لذاته: هو ما اجتمع فيه شروط الصحيح لذاته لكن يكون راويه خفيف الضبط، ولا يوجد ما يجبر ذلك القصور.
٤ - الحسنُ لغيره: هو الحديث الضعيف الذي انجبر ضعفُهُ بتعدُّد الطرق حتى ترجَّح جانب قبوله.
أنواع الأحاديث المردودة:
يقابلُ الأحاديثَ المقبولة الأحاديثُ المردودة، وهي ما قَصُرَتْ عن رتبة الحسن بفقد شرطٍ فأكثَرَ من شروطه، ويتفاوت هذا الضعف من حيثُ شدتُهُ وخفته، والحديث الضعيف أقسامٌ كثيرة؛ نذكر المشهور منها:

1 / 12