عناية الإسلام بصحة الإنسان
الإصدار
الأولى ١٤٤٠ هـ
سنة النشر
٢٠١٩ م
تصانيف
•علم الطب
•
الإمبراطوريات و العصور
آل سعود (نجد، الحجاز، المملكة العربية السعودية الحديثة)، ١١٤٨- / ١٧٣٥-
المقدمة
الحمد للَّه رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، .. وبعد
فإن الإسلام وهو الدين الذي بعث اللَّه به رسوله محمدًا ﷺ هو ما اشتمل عليه الوحيان، كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ، وإن لهذا الدين العظيم من الفضائل ما لا يُحصى كثرةً، فهو الدين الشامل لعموم مناحي الحياة، ومن ذلك الطب وصحة الإنسان، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال في وصف رسوله ﷺ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قال أبو ذر ﵁: لقد تركنا رسول اللَّه ﷺ وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكر لنا منه علمًا (^١).
وعن سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ
(^١) مسند الإمام أحمد (٣٥/ ٣٤٦) برقم ٢١٤٣٩، وقال محققوه: حديث حسن.
1 / 5
كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم (^١).
أما الطب وصحة الإنسان، فقد أولاهما الإسلام عناية فائقة كما سنذكره في ثنايا هذه الرسالة، وما ذلك إلا أن صحة الإنسان وسيلة إلى صحة عقله، وبالتالي سلامة دينه واكتماله.
ولذلك قال بعض أهل العلم: إن العناية بصحة الإنسان هي المرتبة الثانية بعد سلامة الدين، وضربوا لذلك مثلًا بأن الروح في البدن كالناس في السكن، فما دام أن السكن صالح، فإن أهله فيه، فإذا دخله الخراب وبدأ يتهدم خرج أهله منه، فكذلك الروح في البدن، وقد قال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» (^٢).
ولأن من شرائع الإسلام العظيمة ما لا يمكن القيام به إلا بصحة البدن، كالخلافة، والإمارة، والصلاة (^٣)، والحج، والجهاد ... وغيرها.
وإن مما يجدر التنبيه عليه، أن تلف البدن والإخلال بصحته سبب للأمراض والعاهات التي ترد عليه، وإن كان ذلك مما قدر
(^١) صحيح مسلم برقم ٢٦٢.
(^٢) جزء من حديث في صحيح مسلم برقم ٢٦٦٤.
(^٣) لأن القيام للصلاة أحد أركانها للمستطيع.
1 / 6
اللَّه على العبد، فإنه من حيث السبب ينقسم إلى قسمين؛ الأول: ما لا سبب للعبد فيه، وهذا إن رضي العبد به، وآمن بقضاء ربه، نال الأجر كاملًا، وسلم من الإثم، الثاني: ما كان سببه من العبد نفسه، وذلك بتركه الأسباب المشروعة فعلًا أو تركًا، فيخشى على من هذه حاله أن يكون آثمًا مستحقًّا للعقوبة.
فالمتهور أثناء قيادة السيارة إذا حدث له حادث مات به خُشيَ عليه أن يكون قاتلًا لنفسه، والمسرف في الطعام إذا أُصيب بالأمراض يُخشى عليه من الإثم لإضراره ببدنه، ولما يترتب على ذلك من تقصير في الواجبات، ولربما يتعدى الضرر والتقصير إلى من حوله.
وإننا في هذه الرسالة نأمل أن نوفق في جمع ما تيسر في هذا الباب مما له علاقة مباشرة وقوية من النصوص الشرعية على سبيل الاختصار، وذلك ببيان شيء من محاسن الدين الإسلامي التي لا تحصى محاسنه وفضائله مع إعلامنا كل من يطلع على هذه الرسالة، أنها ليست رسالة في الطب بما يقتضيه معنى هذه الكلمة، وإنما المقصود ما ذكرناه سالفًا وهو واضح من عنوانها هذا، وقد تم تقسيمها إلى مقدمة وبابين وخاتمة.
الباب الأول: الأدوية الإلهية وهي الأدعية والرقى والأذكار والصدقات وغيرها من الأعمال الصالحة، ويشتمل على فصلين:
1 / 7
الفصل الأول: ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه.
الفصل الثاني: مايحفظ به الصحة ويدفع به الداء بعد وقوعه.
الباب الثاني: الأدوية المادية ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه.
الفصل الثاني: ما يدفع به الداء بعد وقوعه.
أما الخاتمة ففيها أهم ما تشتمل عليه هذه الرسالة.
... المؤلفان
أمين بن عبد الله الشقاوي
وعبد الرحيم بن حسين المالكي
1 / 8
الباب الأول
الأدوية الإلهية
وهي الأدعية والأذكار والرقى والصدقات وغيرها من الأعمال الصالحة.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى عن عبده أيوب وقد أصيب من البلاء ما لا يعلم عظمه إلا اللَّه، ومكث فيه ثماني عشرة سنة (^١)، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق، إن
(^١) راجع كتاب الدرر المنتقاة للمؤلف أمين الشقاوي (١/ ٥٢٩).
1 / 9
في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء (^١)، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب اللَّه أجرًا، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول اللَّه! أخذ على كتاب اللَّه أجرًا، فقال رسول اللَّه ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (^٢).
(^١) شاء جمع شاه، والمقصود جمع من الغنم أجرة له.
(^٢) برقم ٥٧٣٧
1 / 10
الفصل الأول
ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه
روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ» (^١).
قال ابن القيم ﵀: «فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر، فإن اللَّه تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه» (^٢).
وروى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ،
(^١) جزء من حديث برقم ٣٢٧٨، وقال الشيخ الألباني ﵀ كما في تعليقه على صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٤٥٨): قلت: مع إرساله حسن الإسناد، وما أشار إليه من الروايات عن الجماعة لا تخلو من ضعف بعضه شديد، وقد خرجت طائفة منها في الضعيفة (٢٥٧٥، و٣٤٩٢، و٦١٦٢) وهي على اختلاف ألفاظها قد اتفقت على جملة المداواة هذه ولذلك حسنتها. والله أعلم.
(^٢) الوابل الصيب من الكلم الطيب ص ٥٧.
1 / 11
وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ» (^١).
وقيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أنفع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، قال ابن القيم ﵀: «والصلاة منهاة عن الإثم ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم وقامعة لأخلاط الشهوات وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة» (^٢)، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (^٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ،
(^١) برقم ٣٥٤٩، وحسنه الألباني ﵀ كما في إرواء الغليل وقال: الحديث حسن دون الزيادة: ومطردة للداء عن الجسد (٢/ ٢٠٢).
(^٢) زاد المعاد (٤/ ٢٩٩) بتصرف.
(^٣) صحيح البخاري برقم ١١٤٢، وصحيح مسلم برقم ٧٧٦.
1 / 12
لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ» (^١).
وفي لفظ لأبي داود: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ، حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ»، وَقَالَ: فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا.
وروى مسلم في صحيحه من حديث خولة السلمية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرُّهُ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» (^٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرُّكَ» (^٣)
وروى مالك في الموطأ أن كعب الأحبار قال: لولا كلمات
(^١) (١/ ٤٩٨) برقم ٤٤٥، وقال محققوه: إسناده حسن.
(^٢) برقم ٢٧٠٨.
(^٣) برقم ٢٧٠٩.
1 / 13
أقولهن لجعلتني يهود حمارًا، فقيل له: وما هن؟ فقال: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ (^١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، قَالَ مُعَاوِيَةُ (^٢): بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «قوله: ولا تستطيعها البطلة، يعني السحرة، فهي تدفع عن الإنسان السحر؛ لأن السحرة لا يستطيعونها، إذ أن السحرة من الشياطين، وقد قال اللَّه في سورة البقرة عن السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فلهذا من قرأ البقرة بإخلاص وإيمان، فإنه لا يقدر عليه السحرة، وظاهر عموم الحديث أنه يشمل من قرأها حفظًا، أو عن نظر في المصحف كما يعم من قرأها في مجلس واحد أو مجالس متفرقة» (^٤).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي
(^١) برقم ٢٩٥٥. وقال محققه: صحيح مقطوع.
(^٢) هو ابن سلّام، أحد رواة الحديث.
(^٣) جزء من حديث برقم ٨٠٤.
(^٤) التعليق على صحيح مسلم (٤/ ٣٣٤).
1 / 14