العدل والتوحيد
كتاب العدل والتوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما أسبغ علينا من نعمه، ومن علينا من إحسانه وكرمه، وبين لنا من الهدى، وأنقذنا من الضلالة والردى، بإقامة حججه، وتواتر رسله، صلوات الله عليهم، ومحكم آياته، وتفصيل بيناته، رحمة لعباده، ودعاء لهم إلى ثوابه، وإخراجا لهم من عقابه: { لئلا يكون للناس على الله حجة } [النساء:165]. و{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم } [الأنفال: 42].
صفحة ٢٣٩
[عقائد يجب الإيمان بها]
أما بعد:فإن الذي يجب على العبد أن يكون عاملا بطاعة الله، التي لا يقبل الله عز وجل غيرها من طاعته إلا بأدائها، ولا يكون مؤمنا حتى يفعلها.
أن يؤمن بالله وحده لا شريك له، ولا يتخذ معه إلها، ولا من دونه ربا ولا وليا، وأن يؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، وبالحساب والجنة والنار، وبالجزاء بالأعمال، وأن الآخرة هي دار القرار، لا ينقطع ثوابها، ولا يبيد عقابها، ولا يموت فيها أهلها، وهم في جزائهم خالدون. ويؤمن بوعد الله جل ثناؤه ووعيده، وأخباره، وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مما أمر به ونهى عنه صلوات الله عليه من العمل بالمفروض بطاعة الله، والإجتناب لمعاصي الله، والولاية لأوليائه، والمعاداة لأعدائه، والرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله. فإذا فعل ذلك كان مؤمنا، مسلما محسنا، من المتقين الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.
صفحة ٢٤٠
[التوحيد]
ولا يكون العبد مؤمنا حتى يعلم أنه مخلوق مرزوق، وأنه ذليل مقهور، وأن له خالقا قديما، عزيزا حكيما، ليس كمثله شيء في وجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني، وأن ما سواه من الأشياء كلها من عرشه، وملائكته، ورسله، وسمواته، وأرضه، وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، مما أخرجه الله جل ثناؤه، من تمكين العباد وأفعالهم، لم يجعل لأحد عليه قدرة ولا استطاعة، ولا عند أحد منهم معرفة في شيء من بدو ذلك وإنشائه، ومن أعمل منهم فكره ليبلغ معرفة شيء من ذلك بقي حسيرا، منقطعا مبهورا ، ولا جعل إلى أحد في شيء منه سبيلا، ولا جعل لأحد فيه محمدة ولا ذما، لأنه جل ثناؤه لم يستعن على إنشاء ما أنشأ بأحد، ولم يشاركه في ملكه أحد، ولم يؤآمر في تدبيره أحدا، فهو الواحد الأحد، الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان.
فهو الدائم بلا أمد، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } [الحديد:3].
وجميع ما أدركته ببصرك ووهمك، ووقع عليه شيء من حوآسك، أو كيفته بتقديرك، أو حددته بتمثيلك، أو شبهته بتشبيهك، أو وقت له وقتا، أو حددت له حدا، أو عرفت له أولا، أو وصفت له آخرا، فهو محدث مخلوق، والله تبارك وتعالى خالق الأشياء، لا من شيء خلقها، ولا على مثال صورها، بل أنشأها وابتدأها، فدبرها بأ حكم تدبير، وقدرها بأحسن تقدير.
صفحة ٢٤١
فهو جل ثناؤه، لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق، لأنه الخلاق الذي: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى:11]. لم يخص بذلك شيئا دون شيء، بل عم الأشياء كلها، ما كان منها وما يكون، فلا شبيه له ولا عديل، لا الضياء ولا الأنوار، ولا الظلمات ولا النار. وذلك أن النور والظلمة مخلوقان محدثان، يوجدان ويعدمان، ويقبلان ويدبران، ويذهبان ويجيئان، ويوصفان ويحدان. والخالق جل ثناؤه ليس كذلك، لأن الخالق جل وعز قديم لم يزل، والمخلوق لم يكن، فآثار الصنعة في المخلوق بينة، وأعلام التدبير قائمة، والعجز فيه ظاهر، والحاجة له لازمة، والآفات به نازلة، فأنت تراه مرة ماثلا، ومرة آفلا زائلا.
صفحة ٢٤٢
فلما كانت هذه صفة كل مخلوق، ولم يجز أن تضاف صفة المخلوق إلى الخالق عز وجهه، لأن الخالق لا يكون في صفة المخلوق، تبارك وتعالى الخالق أن يكون له شبه البشر، هو الحامد نفسه قبل أن يحمده أحد من خلقه. فقال تبارك وتعالى: { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [الأنعام:1]. يقول جل ثناؤه إن الكفار عبدوا إلها غير الله، فقالوا هو ضياء ونور، ومن جنسه النار والنور، وجعلوا معه إلها آخر، فقالوا: هو ظلمة ومن جنسه كل ظلمة. فعدلوا بالله جل ثناؤه حين شبهوه بالأنوار، وجعلوا معه آلهة من الظلمات، فأكذبهم الله جل ثناؤه إذ قال: { وجعل الظلمات والنور }. تكذيبا لهم إذ شبهوه وعدلوا به، وأكذب جل ثناؤه الذين شبهوه بالإنس من اليهود وغيرهم من المشركين، جهلا به وجرأة عليه، فقال جل ثناؤه مع ما بين لهم في عقولهم من وحدانيته، ونفى شبه الخلق عندما يرون من أدلته وأعلامه، التي تدعوهم إلى معرفته وتوحيده، من خلق السماوات والأرض، وما فيهما وما بينهما، ومن أنفسهم لو أحسنوا النظر، وأعملوا في ذلك الفكر، فقال جل ثناؤه: { قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد } [الإخلاص:1 - 4]. وقال: { ليس كمثله شيء } [الشورى:11]. وقال: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا } [المجادلة:7].
كذلك الله عز وجل شاهد كل نجوى، عالم السر وأخفى، قريب لا بمجاورة، بعيد لا بمفارقة، شاهد كل غائب، آخذ بناصية كل دآبة، وعليه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، أقرب إلينا من حبل الوريد، وحائل بيننا وبين قلوبنا لا بتحديد، وهو مع قربه منا مدبر السماوات العلى، وشاهد الأرضين السفلى، وعليم بما فيهن وما بينهن وما تحت الثرى، وهو على العرش استوى، وهو مع كل نجوى، وهو في ذلك لا كشيء من الأشياء.
صفحة ٢٤٣
[أسباب وعلل التشبيه]
ولقد ضل قوم ممن ينتحل الإسلام من المشبهة الملحدين، الذين شبهوا الله عز ذكره بخلقه، وزعموا أنه على صورة الإنسان، وأنه جسم محدود، وشبح مشهود، واعتلوا بآيات من الكتاب متشابهات، حرفوها بالتأويل، ونقضوا بها التنزيل، كما حرف من كان قبلهم من اليهود والنصارى كلام الله عن مواضعه، وبأحاديث افتعلها الضلال، من بغاة الإسلام، فحملها عنهم الجهال. فيها الإلحاد والكفر بالله، وأحاديث لم يعرفوا حسن تأويلها، ولم يعنوا بتصحيحها، فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
صفحة ٢٤٤
[الرؤية]
فكأنما تأولوا قول الله عز وجل: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظره } [القيامة:22]. فقالوا إن الله عز وجل يرى بالأبصار في الآخرة، وينظر إليه جهرة، خلافا لقول الله جل ثناؤه: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [الأنعام:103]. جهلا بمعاني الآية وتأويلها.
فأما أهل العلم والإيمان، ففسروها على غير ما قال أهل التشبيه المنافقون، فقالوا: { وجوه يومئذ ناضرة } يقول: مشرقة حسنة، { إلى ربها ناظره } يقول: منتظرة ثوابه وكرامته ورحمته، وما يأتيهم من خيره وفوائده. وهكذا ذلك في لغات العرب. وبلغاتها ولسانها نزل القرآن، يقولون: إذا جاء الخصب بعد الجدب: قد نظر الله جل ثناؤه إلى خلقه، ونظر لعباده. يريدون أنه أتاهم بالفرج والرخاء. ليس يعنون أنه كان لا يراهم ثم صار يراهم .
صفحة ٢٤٥
وقال الله جل ذكره وهو يذكر أهل النار: { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران:77]. تأويل ذلك: أنهم لا يرجون من الله جل ثناؤه ثوابا، ولا يفعل بهم خيرا، وأهل الجنة ينظر الله إليهم وينظرون إلى الله جل ثناؤه، ومعنى ذلك أنهم يرجون من الله خيرا، ويأتيهم منه خير ويفعله بهم، وليس معنى ذلك أنهم ينظرون إليه جهرة بالأبصار، عز ذو الجلال والإكرام، وكيف يرونه بالأبصار، وهو لا محدود ولا ذو أقطار، كذلك جل ثناؤه لا تدركه الأبصار، ومن أدركته الأبصار فقد أحاطت به الأقطار، ومن أحاطت به الأقطار، كان محتاجا إلى الأماكن، وكانت محيطة به، والمحيط أكبر من المحاط به وأقهر بالإحاطة، فكل من قال إنه ينظر إليه جل ثناؤه على غير ماوصفنا من انتظار ثوابه وكرامته، فقد زعم أنه يدرك الخالق، ومحال أن يدرك المخلوق الخالق جل ثناؤه بشيء من الحوآس، لأنه خارج من معنى كل محسوس وحآس، فكذلك نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه درك الأبصار، وإحاطة الأقطار، وحجب الأستار، فتعالى الله عن صفة المخلوقين، علوا كبيرا لا إله إلا هو رب العالمين .
صفحة ٢٤٦
[شبه المشبهة]
وتأولت أيضا المشبهة قول الله تبارك وتعالى: { خلقت بيدي } [ص:75]. وقوله: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه } [الزمر:67]. وقوله: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [الفجر:22]. وقوله: { وكلم الله موسى تكليما } [النساء:164]. وقوله: {سميع بصير } [الحج:61، لقمان:28، المجادلة:1].وقوله: { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران:28 - 30]. وقوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } [القصص:88]. ففسروا ذلك على ما توهموا من أنفسهم، وبأنه عز وجل عندهم في ذلك كله على معنى المخلوقين، وصفاتهم في هيئآتهم وأفعالهم، فكفروا بالله العظيم، وعبدوا غير الله الكريم .
وتأويل ذلك كله عند أهل الإيمان والتوحيد: أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فأما قوله تبارك وتعالى: { خلقت بيدي }. يعني: بقدرتي وعلمي. يريد أني على ذلك قادر وبه عالم، توليت ذلك بنفسي لا شريك لي في تدبيري وصنعي، لا أن قدرتي وعلمي ونفسي غيري، بل أنا الواحد الذي لاشيء مثلي. وقد بين معنى هذه الآية في آية أخرى، فقال: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران:59]. وقال جل ذكره: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [النحل:40]. يريد إذا كونا شيئا كان . وقال تبارك وتعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون } [يس:71]. يقول: مما عملت أنا بنفسي.
وقال جل ثناؤه: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [المائدة:64]، وتأويل ذلك عند أهل العلم: بل نعمتاه مبسوطتان على خلقه، نعمة الدنيا ونعمة الآخرة.
صفحة ٢٤٧
وقيل في تأويله: بل رزقاه مبسوطان على خلقه، رزق موسع، ورزق مضيق، { ينفق كيف يشاء }. أي: يفعل من ذلك ما هو أصلح لعباده. كذلك قال جل ثناؤه: { بيده الملك } [الملك:1]. يعني: له الملك. وكذلك تقول العرب: الملك بيد فلان. وقد قبض فلان الملك والأرض. وذلك في قبضته وبيمينه. يعنون: في قدرته وملكه. كذلك السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما في قبضة الله وبيمينه. يعني: في قدرته وملكوته وسلطانه، اليوم ويوم القيامة وفي كل وقت. كما قال جل ثناؤه: { والأمر يومئذ لله } [الإنفطار:19]. فالأمر يومئذ واليوم بيده. وقال تبارك وتعالى لمن عصاه وهو يساق إلى النار: { ذلك بما قدمت يداك } [الحج:10]. و{ بما كسبت يداك }. يريد: بما كسبت أنت بقولك وفعلك، ليس يعني: يده دون بدنه وجوارحه .
وقال جل ثناؤه لنبيه، صلوات الله عليه وعلى أهله: { إلا ما ملكت أيمانكم } [النساء:24]. يعني: ما ملكتم أنتم، وتقول العرب: أسلم فلان على يدي فلان. يريدون: بقوله وأمره. ويقولون:
................. بيد الله أمرنا والفناء
يريدون: بالله عمرنا والفناء. ويقولون: نواصينا بيد الله، ونحن في قبضة الله. يريدون في هذا كله: أنا في قدرته وملكه، ليس يذهبون إلى يد كيد الإنسان أو غيره من الخلق.
ومعنى قوله: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [الفجر:22]. يقولون: جاء الله جل ثناؤه بآياته العظام في مشاهد القيامة، وجاء بتلك الزلازل والأهوال، وجاء بالملائكة الكرام، فتجلت الظلم، وانكشفت عن المرتابين البهم، وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وليس قوله: { وجاء ربك }. أنه جاء من مكان، ولا أنه زائل ولا حائل، أو منتقل من مكان إلى مكان، أو جاء من مكان إلى مكان، تبارك الله وتعالى عن ذلك. بل هو شاهد كل مكان، ولا يحويه مكان، وهو عالم كل نجوى، وحاضر كل ملأ.
صفحة ٢٤٨