بشارة المحبوب بتكفير الذنوب
محقق
مجدي السيد إبراهيم
الناشر
مكتبة القرآن
مكان النشر
القاهرة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله
الحمد لله غافر الذنوب، وكاشف الكروب، وساتر العيوب، وقابل التوب، أحمده وأشكره وأستغفره، وإليه من كل حوب أتوب، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علام الغيوب، وأشهد أن سيدنا محمد ﷺ عبده ورسوله، السيد الكامل الفاتح الخاتم في الخلاق، أو اشتدت الأهوال والخطوب، وصلى الله عليه وعلى آله وأزد ذريته وصحبه الصابرين الصادقين، القانتين الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى الجنوب، صلاة دائمة عدد ما خلق الله، وعدد ما هو خالقه، تنجي قالها من كل مرهوب، وتنيله بها كل محبوب، ومرغوب، وسلم تسليما وكرم وزاده شرفا، وتعظيما أبدا دائما سرمدا.
أما بعد: فإن الله تعالى وعد عباده المؤمنين مغفرته في كتابه المبين، وعلى لسان رسوله الصادق الأمين فقال ﷾ (قُل يا عبادي الَّذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لاتَقنطوا مِن رَحمَةِ اللَهَ إِنّ الله يَغفِرُ الذُنوبَ جَميعًا إِنّهُ هُوَ الغَفورُ الرَحيم) وقال تعالى (وَمَن يَعمَل سُوءًا أَو يَظلِم نَفسَهُ ثُمَّ يَستَغفِرِ اللَهَ يَجِدِ اللَهَ غَفورًا رَحيما) .
والآيات في ذلك كثيرة.
وبشر النبي ﷺ أمته بالمغفرة في أحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه عزوجل: (يا ابنَ آَدم إِنّكَ ما دَعوتَني وَرَجوتَني، غَفَرَتُ لَكً عَلى ما كانَ مِنكَ وَلا أُبالي، يا ابنَ آَدمَ وَلَو بَلَغَت ذُنوبُكَ عَنانَ السماءِ ثُمَّ استَغفَرتَني غَفَرتُ لَك) . رواه الترمذي.
1 / 11
وروى مسلم (يا ابنَ آَدَم كُلُكُم مُذنِب إِلاّ مَن عافيتُ فاستَغفِروني أَغفِرُ لَكُم) .
وقال ﷺ: قال إبليس: (وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله ﷿ وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) .
رواه الحاكم، وقال: صحيح في الإسناد.
وقد روى عن سيد الأولين والآخرين ﷺ أحاديث في الحث على أقوال، وأفعال، وأحوال رتب المغفرة على قولها، أو فعلها.
وورد عنه ﷺ أحاديث في الحث على أقوال وأفعال وعد الجنة على أقوال، وأفعال، وأحوال رتب المغفرة على قولها، أو فعلها.
وورد عنه ﷺ أحاديث في الحث على أقوال، وفعال، وعد النجاة من النار، أو العتق منها، أو البعد عنها على فعلها وقولها، أجارني الله وجميع إخواني المسلمين منها. ولما كثرت ذنوبي وعظمت، وأرهقتني، ولم يبق لي عمل غير رجائي لربي ﷿، فتعلقت بوعده، فإنه كريم رحيم غفور حليم، لا يخلف الميعاد، فعزمت على جمع ما تصل إليه قدرتي من الأحاديث الصحيحة، والحسنة، والضعيفة في ذلك، ورتبته على ثلاثة أبواب:
الباب الأول
فيما ورد من الأحاديث التي وعد النبي النجاة من النار
لمن قال ذلك أو فعله أو أعتقه الله من النار أو باعده الله منها
1 / 12
ولا يترك العمل بالحديث الضعيف في جميع ذلك لما روى الحسني ابن عرفة بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من بلغه عن الله ﷿ شيء فيه فضيلة فأخذوه) . وفي رواية (فأخذ به إيمانا به، ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن كذلك) .
وورد نحوه من غير هذا الطريق أنه: (من بلغه عن الله ﷿ شيء فيه فضيلة فلم يصدقها لم ينلها) .
وما وجدته من تصحيح وتحسين وتضعيف فقوله في ذلك للإمام زين الدين المنذري، والشيخ نور الدين الهيثمي، والشيخ زين الدين العراقي، وما كان غير ذلك عزوته إلى مخرجه فإن كان فيه تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف ذكرته، وإن أطلقت وعزوته مثلا إلى الطبراني، أو غيره ففيه مقال، ويجوز العمل به في الترغيب والترهيب، وفي فضائل الأعمال، كما نص عليه العلماء ﵃، وعلى العبد أن يفعل، ويقول ما أمره به سيده، والله ﵎ أكرم من أن يخيب سعيه، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي وإستنادي، وأسأله النفع به لي ولإخواني المسلمين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
1 / 13
في الأفعال والأقوال المحصلة للمغفرة
1 / 15
إن شاء الله تعالى
إسباغ الوضوء من أسباب المغفرة
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب) .
ورواه أيضا من حديث عثمان ﵁ (من توضأ فأحسن الوضوء خرج خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره) .
وفي رواية عثمان ﵁ أنه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئى هذا، ثم قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) . رواه مسلم.
وزاد النسائي (ما من امرىء يتوضأ فيحسن وضوءه، إلا غفر له ما بين الصلاة والصلاة الأخرى حتى يصليها) . وسنده على شرط الشيخين.
1 / 17
ولفظ للنسائي (من أتم الوضوء كما أمر الله تعالى فالصلوات الخمس كفارة لما بينهم) ز ورواه البخاري أيضا من حديث عثمان، أنه توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: (من توضأ مثل وضوئي هذا، ثم أتى المسجد فركع ركعتين، ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه) .
قال وقال رسول الله ﷺ: (لا تغتروا) .
ورواه البزار من حديث عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر) وإسناده حسن.
وقد ورد تكفير الذنوب وغفرانها بالوضوء في أحاديث كثيرة هذا حاصلها.
لكن رواه مسلم من حديث عمرو بن عبسة الطويل (فإن هو قام فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو أهله، وفرغ قلبه لله، إلا
1 / 18
خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه) .
ورواه أصحاب السنن الأربعة، وعبد بن حميد في مسنده، ورواه الإمام أحمد، وزاد: (لم يحدث نفسه بشىء) .
(والوضوء يكفر ما قبله ثم تصيير الصلاة نافلة) .
وفي رواية: (إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه، وبصره، ويديه، ورجليه، فإن قعد قعد مغفورا له) ز وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وإنتظار الصلاة بعد الصلاة، يغسل الخطايا غسلا) ز رواه أبو يعلى والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وزاد مسلم (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) وزاد ابن ماجه وابن حبان (ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا، ويزيد به في الحسنات) فذكره.
وزاد أحمد من حديث أبي الدرداء: (إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، أو أربعا يحسن فيهن الركوع، والخشوع، ثم استغفر الله غفر
1 / 19
له) . وإسناده حسن. ورواه أبو يعلى.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (أتاني الليلة آت من ربي عزوجل، قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الموجبات، والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير، ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه) . رواه الترمذي وقال حسن، السبرات: شدة البرد.
فضل العلم والعلماء
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم ميز العلماء فيقول يا معشر العلماء، إني لم أضع علمي لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم) .
وفي رواية: (إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم، ولا أبالي) رواه الطبراني في الكبير وفيه موسى بن عبيدة ضعيف.
المؤذن أهلٌ لمغفرة الله
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (يغفر للمؤذن منتهى أذانه، ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه) رواه أحمد بسند
1 / 20
صحيح.
زاد البزار (ويجيبه بدل ويستغفر) .
في رواية لأحمد (يغفر له مد صوته ويصدقه كل رطب ويابس) .
وزاده النسائي (وله أجر مثل أجر من صلى معه) .
ولابن حبان (يغفر له مد صوته ويشهد له كل رطب ويابس) .
وقال: قال رسول الله ﷺ: (اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين) رواه أبو داود وغيره.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ (من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد
1 / 21
رسولا غفرت له ذنوبه) رواه مسلم والترمذي واللفظ له، ورواه ابو عوانة في مستخرجه على مسلم ولفظه عن النبي ﷺ: (من قال حين يسمع المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله، رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) . وفي رواية (وبمحمد رسولا) فيجمع بينهماز
السعي إلى المساجد من أسباب المغفرة
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقبه خمسا وعشرين درجة، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صلى عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاته ما انتظر الصلاة) .
وفي رواية: (اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، وما لم يحدث فيه) رواه البخاري ومسلم.
ولمسلم من حديث ابن مسعود ﵁: (إلا كتب له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفع بها درجة، ويحط عنه بها سيئة) .
وفي لفظ ابن حبان قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: (من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجد، فرجل تكتب حسنة، ورجل تحط سيئة حتى يرجع) ز ولأحمد (ذاهبا وراجعا) .
ولابن خزيمة من حديث عثمان ﵁: (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة قضاها مع الإمام غفر له ذنبه)
1 / 22