بداية المجتهد ونهاية المقتصد
محقق
فريد عبد العزيز الجندي
الناشر
دار الحديث
سنة النشر
١٤٢٥ هجري
مكان النشر
القاهرة
مناطق
•المغرب
الإمبراطوريات و العصور
المرابطون (شمال غرب أفريقيا، إسبانيا)، ٤٥٤-٥٤١ / ١٠٦٢-١١٤٧
حَنِيفَةَ، وَبِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ قَالَ الثَّوْرِيُّ إِلَّا أَنَّهُ يُرَاعِي الْأَحْوَطَ لِلْمَسَاكِينِ فِي الضَّمِّ - أَعْنِي: الْقِيمَةَ أَوِ الصَّرْفَ الْمَحْدُودَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُضَمُّ الْأَقَلُّ إِلَى الْأَكْثَرِ، وَلَا يُضَمُّ الْأَكْثَرُ إِلَى الْأَقَلِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: تُضَمُّ الدَّنَانِير بِقِيمَتِهَا أَبَدًا كَانَتِ الدَّنَانِيرُ أَقَلَّ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا تُضَمُّ الدَّرَاهِمُ إِلَى الدَّنَانِيرِ، لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ أَصْلٌ وَالدَّنَانِير فَرْعٌ، إِذْ كَانَ لَمْ يَثْبُتْ فِي الدَّنَانِيرِ حَدِيثٌ وَلَا إِجْمَاعٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ أَحَدِهِمَا ضَمَّ إِلَيْهِ قَلِيلَ الْآخَرِ وَكَثِيرَهُ، وَلَمْ يَرَ الضَّمَّ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ بَلْ فِي مَجْمُوعِهِمَا.
وَسَبَبُ هَذَا الِارْتِبَاكِ مَا رَامُوهُ مِنْ أَنْ يَجْعَلُوا مِنْ شَيْئَيْنِ نِصَابُهُمَا مُخْتَلَفٌ فِي الْوَزْنِ نِصَابًا وَاحِدًا، وَهَذَا كُلُّهُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَعَلَّ مَنْ رَامَ ضَمَّ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ فَقَدْ أَحْدَثَ حُكْمًا فِي الشَّرْعِ حَيْثُ لَا حُكْمَ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بِنِصَابٍ لَيْسَ هُوَ بِنِصَابِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَيَسْتَحِيلُ فِي عَادَةِ التَّكْلِيفِ وَالْأَمْرِ بِالْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُحْتَمَلَةِ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ، فَيَسْكُتُ عَنْهُ الشَّارِعُ حَتَّى يَكُونَ سُكُوتُهُ سَبَبًا لِأَنْ يَعْرِضَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا مِقْدَارُهُ هَذَا الْمِقْدَارُ، وَالشَّارِعُ إِنَّمَا بُعِثَ ﷺ لِرَفْعِ الِاخْتِلَافِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَإِنَّ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ لَيْسَ يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا زَكَاةٌ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَالَ الْمُشْتَرَكَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَالِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: الْإِجْمَاعُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» . فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أنه يَخُصُّهُ هَذَا الْحُكْمُ كَانَ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَالِكٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَفْهُومُ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ إِنَّمَا هُوَ الرِّفْقُ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَالشَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ شَبَّهَ الشَّرِكَةَ بِالْخُلْطَةِ، وَلَكِنَّ تَأْثِيرَ الْخُلْطَةِ فِي الزَّكَاةِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ - وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي الْمَعْدِنِ وَقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ -: فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ رَاعَيَا النِّصَابَ فِي الْمَعْدِنِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَوْلَ، وَاشْتَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا سَنَقُولُ بَعْدُ فِي الْجُمْلَةِ الرَّابِعَةِ.
2 / 19