بداية المجتهد ونهاية المقتصد
محقق
فريد عبد العزيز الجندي
الناشر
دار الحديث
سنة النشر
١٤٢٥ هجري
مكان النشر
القاهرة
مناطق
•المغرب
الإمبراطوريات و العصور
المرابطون (شمال غرب أفريقيا، إسبانيا)، ٤٥٤-٥٤١ / ١٠٦٢-١١٤٧
الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْنِي لَا فِي حَدَثٍ، وَلَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الرُّعَافِ فَقَطْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَبْنِي لَا فِي الْحَدَثِ وَلَا فِي الرُّعَافِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يَبْنِي فِي الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي جَوَازِ ذَلِكَ أَثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ وَإِنَّمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَعَفَ فِي الصَّلَاةِ فَبَنَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنَ الصَّحَابِيِّ يَجْرِي مَجْرَى التَّوْقِيفِ إِذْ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا بِقِيَاسٍ أَجَازَ هَذَا الْفِعْلَ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرُّعَافَ لَيْسَ بِحَدَثٍ أَجَازَ الْبِنَاءَ فِي الرُّعَافِ فَقَطْ، وَلَمْ يُعَدِّهِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَدَثٌ أَجَازَ الْبِنَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحْدَاثِ قِيَاسًا عَلَى الرُّعَافِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﵊ إِذْ قَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ فِيهَا فِعْلًا كَثِيرًا لَمْ يُجِزِ الْبِنَاءَ لَا فِي الْحَدَثِ وَلَا فِي الرُّعَافِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ; اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَة، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ.
وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الْقَوْلِ لِلْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ»، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْتَرِضَةً كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي» وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي كَرَاهِيَةِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ إِذَا صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَلَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَمُرَّ خَلْفَ السُّتْرَةِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِ لِثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصُّفُوفِ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ
1 / 190