بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

محقق

محمد مظهر بقا

الناشر

دار المدني

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

مكان النشر

السعودية

[مقدمة الكتاب] [مقدمة الشارح]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ أَعِنْ بِلُطْفِكَ يَا كَرِيمُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ (الَّذِي أَظْهَرَ) بَدَائِعَ مَصْنُوعَاتِهِ عَلَى أَحْسَنِ النِّظَامِ، وَخَصَّصَ مِنْ بَيْنِهَا نَوْعَ الْإِنْسَانِ (بِمَزِيدِ) الطَّوْلِ وَالْإِنْعَامِ، وَهَدَى أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَرْشَدَهُمْ (طَرِيقَ) مَعْرِفَةِ اسْتِنْبَاطِ قَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ، لِيُبَاشِرُوا الْحَلَالَ مِنْهَا [وَيُجَانِبُوا (الْحَرَامَ)] .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا (عَبْدُهُ) وَرَسُولُهُ الَّذِي فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ (الْكِرَامِ) - مَا مَطَرَ غَمَامٌ، وَعَطِرَ كِمَامٌ.

1 / 3

أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ تَطَابَقَ قَاضِي الْعَقْلِ، وَهُوَ لَا يُبْذَلُ وَلَا يُعْزَلُ، وَشَاهِدُ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمُزَكِّي الْمُعَدِّلُ، عَلَى أَنَّ أَرْجَحَ الْمَطَالِبِ وَأَرْبَحَ الْمَكَاسِبِ، وَأَعْظَمَ الْمَوَاهِبِ، وَأَكْرَمَ الرَّغَائِبِ هُوَ الْعِلْمُ ; لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَسَعْيُ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ.
وَنَاهِيكَ كَمَالًا وَمَرْتَبَةً، وَجَلَالًا وَمَنْقَبَةً بِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . فَإِنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، وَثَلَّثَ بِأُولِي الْعِلْمِ.
وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَكْمَلُهَا، وَأَنْفَعُ الْمَعَارِفِ وَأَجَلُّهَا: هُوَ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ، إِذْ بِهَا يَكْمُلُ انْتِظَامُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا، وَيَحْصُلُ اغْتِنَامُ الِارْتِيَاشِ فِي الْعُقْبَى.
وَكَانَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ جُمْلَتِهَا فِي الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى، وَالدَّرَجَةِ الْعُلْيَا ; إِذْ جُمِعَ فِيهِ الرَّأْيُ وَالشَّرْعُ، وَاصْطُحِبَ فِيهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ.
وَمِمَّا صُنِّفَ فِيهِ مِنَ الْكُتُبِ الشَّرِيفَةِ وَالزُّبُرِ اللَّطِيفَةِ: (مُخْتَصَرُ [مُنْتَهَى الْوُصُولِ] وَالْأَمَلِ فِي عِلْمَيِ الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ) .
مِنْ مُصَنَّفَاتِ

1 / 4

الْإِمَامِ الْفَاضِلِ الْمُحَقِّقِ الْعَلَّامَةِ: جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَالِكِيِّ، الْمَعْرُوفِ بِـ " ابْنِ الْحَاجِبِ " (تَغَمَّدَهُ) اللَّهُ - تَعَالَى - بِغُفْرَانِهِ، وَكَسَاهُ حُلَلَ رِضْوَانِهِ، كِتَابٌ صَغِيرُ الْحَجْمِ، وَجِيزُ النَّظْمِ، (غَزِيرُ الْعِلْمِ)، كَبِيرُ الِاسْمِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى مَحْضِ الْمُهِمِّ.
فَتَصَدَّيْتُ لِأَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يُبَيِّنُ حَقَائِقَهُ، وَيُوَضِّحُ دَقَائِقَهُ، وَيُذَلِّلُ مِنَ اللَّفْظِ صِعَابَهُ، وَيَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ الْمَعَانِي نِقَابَهُ، مُقْتَصِدًا، غَيْرَ مُخْتَصِرٍ اخْتِصَارًا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَالِ، وَلَا مُطْنِبًا إِطْنَابًا يُفْضِي إِلَى الْإِمْلَالِ،

1 / 5

سَاعِيًا فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، وَفَتْحِ مُعْضِلَاتِهِ، وَتَقْرِيرِ مَعَاقِدِهِ، وَتَحْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَدَفْعِ الشُّبَهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَقَاصِدِهِ.
وَ(أَسْمَيْتُهُ) بَيَانَ الْمُخْتَصَرِ ".
وَالْمَأْمُولُ مِنْ حُسْنِ أَخْلَاقِ مَنْ هُوَ مُنْصِفٌ، وَعَنْ مَشْرَبِ الْحَقِّ مُغْتَرِفٌ، أَنَّهُ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى خَطَأٍ وَسَهْوٍ، أَنْ يُصَحِّحَهُ مُصْلِحًا لَا مُفْسِدًا، وَمُعَاوِنًا لَا مُعَانِدًا، وَمُعَاضِدًا لَا مُحَاسِدًا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا سَبِيلَ الرَّشَادِ، (وَطَرِيقَ) السَّدَادِ. وَهَا أَنَا أَشْرَعُ فِي الْمَقْصُودِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ.

1 / 7

[مقدمة الماتن]
[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ قُصُورَ الْهِمَمِ عَنِ الْإِكْثَارِ، وَمَيْلَهَا إِلَى الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ - صَنَّفْتُ مُخْتَصَرًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ اخْتَصَرْتُهُ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ، وَسَبِيلٍ مَنِيعٍ، لَا يَصُدُّ اللَّبِيبَ عَنْ تَعَلُّمِهِ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّ الْأَرِيبَ عَنْ تَفَهُّمِهِ رَادٌّ.
وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
[المبادئ]
[المبادئ الأصولية]
[ص - وَيَنْحَصِرُ] .
ص - فِي الْمَبَادِئِ وَالْأَدِلَّةِ (السَّمْعِيَّةِ) وَالِاجْتِهَادِ (وَالتَّرْجِيحِ) .
ص - فَالْمَبَادِئُ: حَدُّهُ، وَفَائِدَتُهُ، وَاسْتِمْدَادُهُ.
ــ
[الشرح]
ش - قَوْلُهُ: " وَيَنْحَصِرُ " أَيِ الْمُخْتَصَرُ لَا الْأُصُولُ

1 / 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
(لِأَنَّ) هَذِهِ الْقِسْمَةَ قِسْمَةُ الْكُلِّ إِلَى أَجْزَائِهِ.
وَالْمَبَادِئُ عَلَى (الْوَجْهِ) الَّذِي أَخَذَهُ لَا تَكُونُ بِأَقْسَامِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأُصُولِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ.
ش - (قِيلَ فِي بَيَانِ انْحِصَارِهِ) فِيهَا: إِنَّ لِكُلِّ عِلْمٍ مَبَادِئَ وَمَسَائِلَ وَمَوْضُوعَاتٍ. فَالْمَبَادِئُ فِي قَوْلِهِ - (هِيَ مَبَادِئُ) أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَالِاجْتِهَادُ وَالتَّرْجِيحُ - مَوْضُوعُهُ ; لِأَنَّ الْأُصُولِيَّ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِهَا الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ، (وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِهَا عَنْهَا) عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ.

1 / 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَسَائِلَهُ تِلْكَ الْأَحْوَالُ الْمَبْحُوثُ فِيهِ عَنْهَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُفِيدُ، (إِلَّا أَنَّ) الْمَذْكُورَ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الْمَبَادِئِ وَالْمَوْضُوعِ وَالْمَسَائِلِ.
وَالْغَرَضُ لَيْسَ هَذَا، (بَلِ) الْحَصْرُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، عَلَى مَا لَا يَخْفَى.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ، بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ: الْعَمَلُ (بِالْأَحْكَامِ) وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهَا. وَلَهَا طُرُقٌ، وَلِلطُّرُقِ أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ جِهَةِ إِفْضَائِهَا إِلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ فَإِذًا لَا يَكُونُ الْمَذْكُورُ إِلَّا أَمْرًا لَهُ مُدْخَلٌ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَرَّفَ نَفْسَهُ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الْمُعَرَّفُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْمَبَادِئُ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِهِ تَحْصُلُ غَلَبَةُ طَرِيقٍ عَلَى آخَرَ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَوْ لَا.

1 / 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الِاجْتِهَادُ ; إِذْ لَيْسَ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثَّلَاثَةِ إِذَا بَذَلَ الْمُكَلَّفُ جُهْدَهُ وَعَرَفَهَا، حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ [إِلَى] الصَّوَابِ، لَكِنْ فِيهِ خَلَلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاجْتِهَادِ إِمَّا مَعْرِفَتُهُ، أَوْ نَفْسُهُ.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ لَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُخْتَصَرِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ، أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ ; لِأَنَّ الْفِقْهَ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ: هُوَ: [مَعْرِفَةُ] كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. فَمَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَمْرٌ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَعْرِفَةِ.
فَالْمَذْكُورُ فِيهِ إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الْبَحْثُ وَالشُّرُوعُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْمَبَادِئُ. وَالثَّانِي: إِمَّا الْأَدِلَّةَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ عِنْدَنَا.

1 / 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْجِيحَ الدَّلَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، عِنْدَ التَّعَارُضِ - لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةً يَقَعُ فِيهَا التَّعَارُضُ - أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الِاجْتِهَادُ ; إِذْ لَيْسَ بِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ تَعَلُّقٌ بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ بِالضَّرُورَةِ.
وَالْبَيَانُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنَاقَشَ فِيهِ، لَكِنِ انْدَفَعَ بِهِ النَّقْضُ الْوَارِدُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.
ش - الْمَبَادِئُ - بِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ - هِيَ: مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ، لِتَوَقُّفِ ذَاتِ الْمَقْصُودِ عَلَيْهِ فَقَطْ.
وَهِيَ إِمَّا تَصَوُّرَاتٍ، وَهِيَ: تَصَوُّرُ الْمَوْضُوعِ، وَأَجْزَائِهِ، وَجُزْئِيَّاتِهِ، وَأَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَتُسَمَّى: الْحُدُودَ.
وَإِمَّا تَصْدِيقَاتٍ. وَهِيَ: الْمُقَدِّمَاتُ الَّتِي تُؤَلَّفُ مِنْهَا قِيَاسَاتُ الْعِلْمِ. وَتُسَمَّى: الْقَضَايَا الْمُتَعَارَفَةُ، إِنْ كَانَتْ بَيِّنَةً. وَهِيَ الْمَبَادِئُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

1 / 12

ص - أَمَّا حَدُّهُ لَقَبًا
ص - فَالْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ.
ص - وَأَمَّا حَدُّهُ مُضَافًا:
ــ
[الشرح]
وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ تَسْلِيمُهَا مَعَ مُسَامَحَةٍ وَحُسْنِ ظَنٍّ بِالْمُعَلِّمِ، تُسَمَّى: أُصُولًا مَوْضُوعَةً. وَإِنْ كَانَتْ مَعَ اسْتِنْكَارٍ وَتَشَكُّكٍ، سُمِّيَتْ: مُصَادَرَاتٍ. وَالْمَبَادِئُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ تُطْلَقُ (عَلَى) مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ: مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ؛ لِتَوَقُّفِ ذَاتِهِ عَلَيْهِ، أَوْ تَصَوُّرِهِ، أَوِ الشُّرُوعِ فِيهِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ (بِتَمَامِهَا) ; ضَرُورَةً دُخُولُ الْحَدِّ، وَتَصَوُّرُ الْغَايَةِ، وَبَيَانُ الِاسْتِمْدَادِ فِيهَا، مَعَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَالْمَبَادِئُ ": هُوَ الثَّانِي، لَا الْأَوَّلُ. لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ، وَتَصَوُّرَ غَايَتِهِ، وَبَيَانَ أَنَّهُ يُسْتَمَدُّ مِنْ أَيِّ الْعُلُومِ، لَا يَكُونُ [مَبَادِئَ] بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ [مَبَادِئَ] بِالْمَعْنَى الثَّانِي; لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَتَصَوَّرَهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُخْتَصَرِ.
[حد أصول الفقه لقبا]
ش - أَيْ حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَاللَّقَبُ عِلْمٌ يَتَضَمَّنُ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا. وَ" أُصُولُ الْفِقْهِ " لَقَبٌ مَنْقُولٌ عَنِ الْمُرَكَّبِ الْإِضَافِيِّ، مَفْهُومُهُ الْإِضَافِيُّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَى مَفْهُومِهِ اللَّقَبِيِّ. أَمَّا أَنَّهُ لَقَبٌ ; فَلِأَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ وَسِيلَةٌ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بِهَا نِظَامُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا وَاغْتِنَامُ الِارْتِيَاشِ فِي الْعُقْبَى. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَدَائِحِ.
وَأَمَّا أَنَّ مَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَى مَفْهُومِهِ اللَّقَبِيِّ ; فَلِأَنَّ مَفْهُومَهُ اللَّقَبِيَّ هُوَ: الْعِلْمُ. وَمَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ: مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ. فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ.
ش - لَا يُمْكِنُ حَدُّ نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا بِذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِ ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الْعِلْمِ إِلَى مُتَعَلِّقِهِ إِمَّا دَاخِلَةً فِيهِ أَوْ عَارِضَةً لَازِمَةً لَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَلِذَلِكَ قُيِّدَ الْعِلْمُ بِـ " الْقَوَاعِدِ ".
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هَهُنَا: الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ الثَّابِتُ لِمُوجِبٍ قَطْعِيٍّ. وَالْقَوَاعِدُ: هِيَ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ الْمُنْطَبِقَةُ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ لِيُتَعَرَّفَ أَحْكَامُهَا مِنْهَا. وَهِيَ عَامٌّ ; لِأَنَّهَا جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ.

1 / 13