أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية،المدينة المنورة
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٣هـ/٢٠٠٣م
مكان النشر
المملكة العربية السعودية
المجلد الأول
مقدمة
...
أثر الإيمان في تحصين الأمّة الإسلامية ضد الأفكار الهدّامة تأليف د. عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١] .
أما بعد: فقد يسر الله لي الالتحاق بالدراسات العليا بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية وعينت معيدًا في كلية الدعوة عام ١٤٠٧هـ. وكان عليّ أن أكتب بحثًا، للحصول على الدرجة العالمية العالية الماجستير.
1 / 7
وبين ذلك اتجاهات وتصورات كثيرة لا يخلو واحد منها من جهل أو خطأ أو قصور.
ولست أدعي خلو الساحة من العلماء والدعاة المتبصرين العاملين القائمين بالحق، الداعين إليه المدافعين عنه، المشفقين على الأمة، الذين يجتهدون في نصح العباد ودعوتهم إلى طريق ولاية الله، بتصحيح المعتقد ونبذ البدع، والاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ونبذ الفرقة والاختلاف. إلا أن صوت هؤلاء مع ظهوره ووضوحه، لا يكاد يسمع في خضم الاتجاهات والتصورات والجماعات الكثيرة والمناهج المختلفة.
فهذا البحث إن شاء الله يسلط الضوء على أهم أسباب القوة والحصانة الفكرية، ونقطة البدء، ومحور العمل، وأنه تحقيق الإيمان بمفهومه الصحيح، ويعرّف بآثاره المباركة في هذا المجال.
فهو دعوة للعمل على استجلاب ولاية الله ليكون سعي المؤمنين بعد ذلك مؤيدًا منصورًا مسددًا مباركًا فيه.
وهو باعث للأمل بإذن الله للقلوب اليائسة. فالإيمان سبب قوى مؤثر في تخليص وتحصين القلوب والمجتمعات من الشرور الجاهلية الفكرية وغيرها. وتعلمه والعمل به والدعوة إليه أمر ممكن ميسور بإذن الله إذا تظافرت الجهود وخلصت النيات.
وإذا عرف المؤمن ميدان علمه ونقطة انطلاقه زاح عن كاهله هم كبير، وخرج من دوامة الحيرة إلى العمل، وانبعث في نفسه الأمل.
1 / 8
ولست أقصد أنه يُكتفى بتعلم الإيمان وأداء العبادات، وترك الأسباب المشروعة للنهوض بالمسلمين -معاذ الله-، وإنما قصدت أن المؤمنين إذا حققوا الإيمان علمًا وعملًا ﵃ وتولاهم، ووفقهم إلى الأسباب وسهلها لهم، وبارك فيها وكمّل نقصهم، وسدد سعيهم. فيدخلون ميدان العمل ومجابهة الباطل مؤيَّدين بالله. وإذا تخلف الإيمان الصحيح فإنهم يوكَلون إلى أنفسهم.
تحرير المراد بالعنوان:
الأثر: المراد اسم جنس.
وله أكثر من معنى. منها أنه يطلق على النتيجة. أو الأمر الحاصل من الشيء. والآثار: هي اللوازم المعللة بالشيء١ أو جملة الأمور التي تنتج عن الشيء المسبب لها.
وهذا المعنى هو المعتبر في العنوان.
فالمراد بأثر الإيمان: أي الأمور التي تنتج عن تحقيق الإيمان، ويكون سببًا في حصولها، والتي لها دور في تحصين الفرد والجماعات ضد الفكر الهدام خصوصًا.
١ التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، ط٩، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى١٤٠٣؟.
1 / 9
الإيمان: المراد به الإيمان الشرعي الذي جرى بيانه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكان عليه السلف الصالح - وسيأتي بيان طبيعته في التمهيد.
الأفكار: جمع فكر. ومؤنثه فكرة ويطلق ويراد به معنيان١.
- الأول: الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات.
وهذه هي عملية التفكر والنظر.
- الثاني: يطلق على المعقولات نفسها.
والمراد المعنى الثاني: أي المعقولات والمعاني التي تنتج عن تفكر البشر وتأخذ شكل عقيدة أو مبدأ يؤمن به، فتتكون منه العقائد والتصورات البشرية المصدر، وتكون باعثة ومؤثرة على السلوك.
فيدخل في ذلك عقائد ومفاهيم الأديان البشرية المصدر، أو السماوية الأصل لكن دخلها التحريف بفعل الفكر البشري، وتصورات الفلاسفة وأوهام وأساطير الوثنيين التي تأخذ شكل عقائد وقناعات وتصورات معتبرة.
ولا يدخل فيه عقائد وشرائع الدين المحفوظ لأنها ليست نتائج فكر بشري بل هي وحي إلهي.
١ المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ح٢/١٥٦، دار الكتاب اللبناني، بيروت ط: الأولى ١٩٧٩م.
1 / 10
وقد رغبت إلى الله أن يحفظ وقتي وجهدي في المدة المقررة لإعداد هذا البحث في عمل أرجوه عنده، ويعالج جانبًا يحتاج إليه المسلمون في هذا الوقت.
وبتوفيق الله اخترت موضوعًا هامًا بعنوان: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الفكر الهدام ليكون موضوع البحث.
سبب اختيار الموضوع:
لقد بدأ اهتمامي في هذا الموضوع عندما درست أساليب الغزو الفكري ووسائل مقاومتها في السنة الرابعة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية. وأشار مدرس المادة إلى أهمية العقيدة في مجابهة الغزو الفكري كما أن الذين كتبوا في ذلك أشاروا إليه إشارات مختصرة.
فتكونت عندي رغبة في تجلية الدور الهام للعقيدة السليمة في التصدي للفكر الهدام.
كما أن من أسباب اختياري له تلك الأهمية البالغة والتي تتبين فيما يلي:
١- شدة الهجوم الفكري على الأمة الإسلامية في القديم والحديث ونجاحه في اختراق صفوفها، وتفريق المسلمين وحرف كثير منهم عن الإسلام.
1 / 11
٢- ازدياد الصيحات التي تحذر من الأساليب الحديثة للغزو الفكري وتبين أنها أعظم تحد يواجه الإسلام اليوم وتدعو للتصدي له.١
٣- أن أساليب مكافحة الغزو الفكري كثيرة، يأتي على رأسها تحقيق الإيمان الصحيح بتعليمه للناس وتربية الأجيال عليه، وتطبيق تعاليمه
١ ولا أدل على ذلك من قرار (مجلس مجمع الفقه الإسلامي) رقم: ٧١/٧/٧، المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجده في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ من ذي القعدة ١٤١٢؟. الموافق: من ٩ إلى ١٤ مايو ١٩٩٢م، حيث ورد في بداية القرار: "إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي ... بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الغزو الفكري) والتي بينت بداية هذا الغزو وخطورته وأبعاده وما حققه من نتائج في بلاد العرب والمسلمين، واستعرضت صورًا مما أثار من شبه ومطاعن، ونفذ من خطط وممارسات، استهدفت زعزعة المجتمع المسلم، ووقف انتشار الدعوة الإسلامية، كما بينت هذه البحوث الدور الذي قام به الإسلام في حفظ الأمة وثباتها في وجه الغزو وكيف أحبط كثيرًا من خططه ومؤامراته.
وقد اهتمت هذه البحوث ببيان سبل مواجهة هذا الغزو وحماية الأمة من آثاره في جميع المجالات وعلى كل الأصعدة، ثم أوصى المجلس بعدة توصيات لمقاومة الغزو الفكري، ثم ختم قراره بما يلي: "كما يوصي المجلس أيضًا الأمانة العامة للمجمع باستمرار الاهتمام بطرح أهم قضايا هذا الموضوع في لقاءات المجمع وندواته القادمة نظرًا لأهمية موضوع الغزو الفكري وضرورة وضع استراتيجية متكاملة لمجابهة مظاهره ومستجداته".
نقلاُ عن: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الرابعة، العدد الخامس عشر عام ١٤١٣هـ. ص٢٠٨.
1 / 12
وشرائعه في كل المجالات. لذلك فإن هذا البحث يجلي بعض الآثار المباركة للإيمان في مجال التحصين ضد الفكر الهدام.
٤- أن أهل الإسلام قد ذهبوا مذاهب شتى في تصوراتهم لما ينبغي فعله في مقابلة هذه المخططات الماكرة. فمنهم من رأى أن مقارعة الأعداء لا تكون إلا بسلاحهم، فركّز على النواحي المادية والوسائل العصرية، والسيطرة على السلطة وامتلاك مراكز القوى والنفوذ والإعلام.. ونحوها، مع وجود تقصير في الدعوة والعمل على تحقيق الإيمان الصحيح. بل وحدث أن وُجدت دعوة إلى توحيد الجهود دون اعتبار للاختلافات الجوهرية في العقيدة، ووُجد من يضع ثقته بكل من زعم نصرة الإسلام ولو كان على واقع بعيد جدًا عن الإيمان الذي دعا إليه النبي ﷺ وجاء بيانه في نصوص الوحي.
وطائفة أخرى ظنت أن معنى أن الحياة جنة الكافر أنه لا نصيب للمؤمن فيها من العزة والتمكين، وامتلاك مصادر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فانصرفت إلى العناية بأنفسها، وتكميل إيمانها بالذكر والأعمال الصالحة، وأبعدت من برامجها ودعوتها النظر في السياسة والجهاد والعلم والمجادلة عن دين الله بالحق.
ومن المسلمين من أسلمه هول ما يرى عند الكفار من القوة المادية وأسباب التأثير والمكر ووسائل الإغواء، وما يرى من حال المسلمين وما آل إليه من الضعف والانحراف واستحكام الجهل، إلى اليأس والقنوط.
1 / 13
والوصف بالهدامة: يدل على أن المقصود هي تلك الأفكار التي تتسلط على العقائد الإيمانية بالهدم والتشكيك، وعلى التعاليم الإسلامية والأخلاق بالتعطيل والتحريف، كما يخرج بهذا الوصف الأفكار غير الهدامة فهي غير مراده.
الصعوبات:
لم أواجه - بفضل الله - صعوبة في جمع المادة العلمية ذلك أن الموضوع يتعلق بجانب من جوانب الإيمان. وكل ما يتعلق بالإيمان فقد ورد بيانه في نصوص الوحي، وأشار إليها العلماء في كتب التفسير والحديث والعقائد والفقه ونحوها.
كما أن الموضوعات المكملة للبحث قد اعتنى بها العلماء والمفكرون قديمًا وحديثًا.
إلا أن البحث لم يخل من صعوبات. كان أهمها الكيفية التي ينبغي أن يُنظَّم عليها، في تقسيمه وتوزيع المسائل على أبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه، واختيار العناوين المناسبة لكل منها.
فهذا الموضوع - حسب علمي - لم يفرد ببحث مستقل من قبل.
وإنما هو مُفَرَّق في بطون كتب التفسير والحديث والعقائد ونحوها، كما تُذكر بعض جوانبه في الكتب التي تكلمت عن آثار الإيمان عامة.
1 / 14
ومن الصعوبات صعوبة نفسية وهي إحساسي بعمق وثقل هذا البحث، وخوفي ألا أوفيه حقه، ولعلي بما تيسر أكون قد جئت ولو بأدنى مراتب الكفاية.
منهجي في البحث:
لقد استقر الأمر - بحمد الله - على أن يجري الكلام في أبواب البحث على ما يتعلق بالآثار الإيمانية المحصنة للفرد والجماعة ضد الفكر الهدام. أما القضايا التي يتطلبها البحث وليست من صلبه فقد تطرقت إليها في التمهيد.
وقسمت البحث على أساس تنوع الآثار الإيمانية من حيث تعلقها بالعبد ومواطن تجلي تلك الآثار. وهي على وجه الإجمال ثلاثة أنواع:
الأول: مظاهر ولاية الله للمؤمنين التي تحصنهم من الفكر الهدام.
الثاني: الآثار القلبية التي يحدثها الله في قلب العبد المؤمن فيحصنه بها من ضلالات الجاهلية.
الثالث: الآثار الاجتماعية. وهي آثار إقامة الشعائر الإيمانية الاجتماعية فيتحصن بها المجتمع ضد الشرور عامة والفكرية خاصة.
وأورد قدر الإمكان الأدلة التي تشير إلى كل أثر، والشعائر الإيمانية الجالبة له، مع ذكر الفكر الهدام أو أساليبه التي يتصدى لها كل أثر، مع بيان أن فقد هذا الأثر - نتيجة لتعطيل الشعيرة الإيمانية - يمثل ثغرة تسري منها الأفكار الهدامة.
1 / 15
وفي مجال التوثيق أذكر بعد الآية اسم السورة التي وردت فيها، ورقم الآية.
وقد خرجت الأحاديث من كتب السنة. فإن كان في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بالإشارة إلى موضعه ذاكرًا اسم الكتاب والباب ورقم الحديث والجزء والصفحة، وإن كان في غيرهما ذكرت بعض كتب السنة التي أخرجته، ثم أتبع ذلك ببعض أقوال أهل العلم التي تبين درجة الحديث.
وقد ترجمت للرجال الذين ورد ذكرهم في المتن باختصار، ما عدا المعاصرين.
هذا وقد جرى البحث حسب الخطة الآتية:
المقدمة: وتكلمت فيها عن سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وبينت المراد بالعنوان، وأهم الصعوبات، ولمحات في المنهج، وخطة البحث.
التمهيد، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر.
وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإيمان.
المطلب الثاني: الأسس التي يقوم عليه الإيمان.
المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة.
1 / 16