التصغير في ألقاب الأسر
تصانيف
•علم الأنساب
•
الإمبراطوريات و العصور
آل سعود (نجد، الحجاز، المملكة العربية السعودية الحديثة)، ١١٤٨- / ١٧٣٥-
التصغير في ألقاب الأُسَر
النشرة الثانية - مزيدة ومصححة ـ
(٢٥/ ٧/ ١٤٣٨ هـ)
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آل وأصحابه ومن اهتدى بهداه، واتبع سبيله إلى يوم الدين،
أما بعد
فهذه ورقات يسيرة في مسألة لطيفة: «التصغير في ألقَابِ الأُسَر» باعثُها:
ما طُرح في مجالس متعددة (١) من مجالس اثنينية معالي الشيخ: محمد بن ناصر العبودي ــ حفظه الله وبارك في علمه، ومتَّعَهُ بالعافية ـ، حيث تحدث عن تصغير ألقاب أسر بلدة: «ضارج القصيم= الشقة» ... ... وفي بعض المجالس سأل د. عبدالله بن صالح الوشمي (٢) معالي الشيخ قائلًا: لماذا يكثر تصغير الأسماء والحاجيَّات عندنا في «نجد»؟ !
(١) منها بتاريخ: (٢٦/ ٦/ ١٤٣٤ هـ)، وتاريخ (١٥/ ٧/ ١٤٣٦ هـ)، وتاريخ: (٢١/ ٣/ ١٤٣٨ هـ)، وتواريخ أخر.
(٢) أمين مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية، وهو أستاذ جامعي، وأديب معروف - وفقه الله ـ.
1 / 4
مثل: شغِيله، قِهِيوَه، حليبه، عِشي، دريهمات، مصيخِين ...
قال الشيخ - رعاه الله ـ: للتصغير أغراض: التمليح أو التحقير، وغالبًا ما يراد منه عندنا التمليح
وذكر قول الحريري:
وَإِن تُرِدْ تصغيرَ الاسمِ المُحتَقَرْ ... إِمَّا لتِهْوانٍ (١) وَإِمَّا لصِغَرْ
فضُمَّ مبدَاهُ لهذي الحَادِثَهْ ... وزِدهُ يَاءً تبْتديها (٢) ثَالِثَهْ
تقولُ فِي فَلْسٍ فُلَيْسٌ يَا فتَى ... وَهَكَذَا كلُّ ثُلاثيٍّ أَتَى (٣)
ثم قال الشيخ: العجيب ما يقصد الناس بقولهم للشايب: شويِّب! !
وتعجب الشيخ من ذلك! ! أهو تمليح أو تصغير أو تحقير.
فقال الأستاذ الشاعر: أبو قُصي إبراهيم التركي - على سبيل الطرفة ـ: عندنا صغِير، وصغيِّر، وصغنطوط! !
(١) كذا في متن الملحة، وفي «شرح الملحة» للحريري الناظم - تحقيق: فائز فارس - (ص ١٦٦)، و«اللمحة في شرح الملحة» لابن الصائغ (٢/ ٦٥٣): لإهْوانٍ.
(٢) في «اللمحة في شرح الملحة» لابن الصائغ: تبتدي.
(٣) «ملحة الإعراب» (ص ٣٠)، «اللمحة في شرح الملحة» لابن الصائغ (ت ٧٢٠ هـ) - ط. الجامعة الإسلامية - (٢/ ٦٥٣).
1 / 5
قال معالي الشيخ: ديرة «الشقة» معروف أُسَرُها بالتصغير: المديهش، والشويهي، والقصَيِّر، والسديس ... انتهى
وقد أبديت رأيي للشيخ مرارًا بأن تصغير ألقاب الأسر ليس خاصًا ... - أو ميزة - بأسر ضارج =الشقة، بل هي صفة غالبة في «نجد» - كما سيأتي ـ.
ولأني لم أجد من تحدث عن هذه المسألة (١)، عزمت على الكتابة فيها ... لنفسي أولًا، ولمن يمتعه الحديث حول مواضيع الملح التي يتخفف ويستروح المرءُ بها وفيها من ثِقَل العلم والعمل.
(١) لم أقف على من تكلم في هذا الموضوع إلا الأستاذ د. أبو أوس الشمسان - وفقه الله - في كتابه الجميل: «أسماء الناس» - سيأتي النقل منه ـ.
وللأستاذ: محمد الرشيد - وفقه الله - كتاب مطبوع في مجلد بعنوان «ألقاب الأُسَر» فيه فوائد عزيزة منوعة، ولم أجد فيه هذه المسألة.
وللأستاذ: إبراهيم الخالدي - وفقه الله - كتاب «الجامع المختصر للألقاب والعزاوي عند البدو والحضر» غلاف طبع في الكويت ١٤٢٣ هـ، وهو كتاب جميل، استبعد فيه الألقاب المصغَّرة، والألقاب التي تحمل رائحة المعايير كما ذكر في المقدمة (ص ١٦)، ومن المعلوم أن العزاوي مبنية على التفخيم لا التصغير.
1 / 6
تمهيد في بيان أغراض التصغير عند أئمة اللغة:
ذكر اللغويون أن للتصغير أغراضًا: التحقير، والتقليل، والتقريب، واللطافة، والرحمة، والإشفاق، والمحبة والعطف ...
وذكروا أن الكوفيين أضافوا معنى آخر، وهو: التعظيم .... واستدلوا بأدلة، منها:
قول عمر عن ابن مسعود ﵄ كُنيِّف مُلئ عِلمًا. (١)
وقول الأنصاري في البَيْعة: (... أَنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ...). (٢)
وغير ذلك من الأمثلة التي أوردوها ...
من ذلك ما ورد في «أمالي» ابن الشجري: (وقد جاء التحقير فى كلامهم للتعظيم كقوله:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفرّ منها الأنامل
أراد بالدُّويهية الموت، ولا داهية أعظم منها،
(١) كما في «الموطأ» لمالك - رواية محمد بن الحسن - رقم (٦٠٧)، و«مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ١٣) رقم (١٨١٨٧).
(٢) كما في «صحيح البخاري» رقم (٦٨٣٠).
1 / 7
وكقول أوس بن حجر:
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكلَّ وتعملا
أي: لم تكن لتبلغ رأسه.
فتحقير اللُّتيّا هاهنا إنما هو تعظيم، ويبعد أن يكون أراد باللُّتيَّا الفعلة الهيِّنَة لقوله: «وكفيت جانيها اللّتيّا»، والفعلة الهيِّنة لا يكاد فاعلها يُسمَّى جانيًا). (١)
قال أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ): (. . . دُوهِيَةٌ تصفَرُّ منها الأناملُ.
فاصفرارُ الأنامل يكون من أكبر الدواهي؛ لأنه يحدث عند الموت، وهذا يدل على أنَّ التحقيرَ قد يُعنى به تعظيم الأمر). (٢)
ذكر أبو حيان (ت ٧٤٥ هـ) أنه يقال: باب التصغير، وباب التحقير. (٣)
(١) «أمالي ابن الشجري» (١/ ٣٦).
(٢) «كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب» للفارسي (٢/ ٣٩١).
(٣) «ارتشاب الضرَب» (١/ ٣٥١).
1 / 8
قال ابن يعيش (ت ٦٤٣ هـ): (اعلم أنَّ التصغير والتحقير واحدٌ، وهو خلافُ التكبير والتعظيم.
وتصغيرُ الاسم دليلٌ على صِغَر مسمَّاه، فهو حِلْيَةٌ وصفةٌ للاسم؛ لأنك تريد بقولك: «رُجَيْلٌ» رجلًا صغيرًَا، وإنّما اختصرتَ بحذف الصفة، وجعلتَ تغييرَ الاسم والزيادةَ عليه عَلَمًَا على ذلك المعنى ...). (١)
وذكر أبو حيَّان أن التصغير يأتي لتحقير شأن الشئ، نحو: زُييد ورُجيل، تضع من شأنه.
ولتقليل ذاته، نحو: كُليب. أو كمِّيتِه، نحو: دريهمات.
أو لتقريب زمانه، نحو: قُبيل وبُعيد. أو مسافته، نحو: فويق وتُحيت. أو منزلته: كأُخيَّ وصُدَيِّقِيَّ.
وزاد الكوفيون لتعظيم الشئ، نحو: دُويْهيِيَة، للمنِيَّة، وزعموا أنَّ من ذلك أُخَيَّ، وصُدَيِّقِيَّ. (٢)
(١) «شرح المفصل» (٣/ ٣٩٤).
(٢) «ارتشاف الضرَب» (١/ ٣٨٩)، وانظر: «شرح الشافية» للرضى (١/ ٢٨٣)، «شرح المفصل» (٣/ ٣٩٦).
1 / 9
ذكر ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): أن التصغير من خواصِّ الأسماء .... ثم أورد أغراضه فقال:
والنّحاة يسمُّونه «باب التصغير»، وباب «التحقير»؛ تسمية للشئ ببعضه، فإنَّه يقع في الكلام على أضرب:
الضرب الأول: التصغير، ويختصُّ بالجثث؛ لأنه ضد الكبير، نحو: جمل وجميل، وجبل وجبيل.
الضرب الثانى: التحقير، ويختصُّ بما يظنُّ عظيمًا؛ لأنه ضد التعظيم، نحو: ملك ومليك، ورجل ورجيل إذا أريد الشجاعة.
الضرب الثالث: التقريب، ويختصُّ بما يظنُّ بعيدًا، نحو: فويق السطح، ودوين السقف، وقبيل الشهر.
الضرب الرابع: التقليل، ويختصُّ بالمقادير، نحو: مويل، ودريهمات، وحنيطة، وأجيمال.
الضرب الخامس: التعظيم وفيه خلاف، كقول النّبيِّ ﷺ لابن مسعود: «كنيف ملئ علمًا»، وكقوله ﵇ لعائشة: «يا حميراء». وكقولهم: «هو دويهية» إذا وصفوه بالدّهاء العظيم، قال الشاعر:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل.
ومنه قولهم: يا أخيَّ، ويا بُنىَّ، ويا صُدَيِّقىَّ إذا أرادوا به المبالغة.
1 / 10
وقد يصغَّر الشئ لدنوه من الشئ وليس مثله، كقولك: هو أصيغر منك ودُوين هذا، وفُويق ذاك، يريد تقليل الذى بينهما، وتقول: هو أسيِّد أي قد قارب السَّواد، فأما قولهم: هو مُثيل ذاك، وأميثال ذاك، فإنَّما يريدون أن يخبروا أن المشبَّه به حقيرٌ). ا. هـ (١)
وقال ابن منظور: (والتصغير يجيء بمعان شتى:
منها: ما يجيء على التعظيم لها، وهو معنى قوله: فأصابتها سُنَيَّةٌ حمراء، وكذلك قول الأنصاري: أنا جُذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ومنه الحديث: أتتكم الدهيماء، يعني الفتنة المظلمة فصغرها تهويلا لها.
ومنها: أن يصغر الشيء في ذاته كقولهم: دويرة وجحيرة.
ومنها: ما يجيء للتحقير في غير المخاطب، وليس له نقص في ذاته، كقولهم: هلك القوم إلا أهل بييت، وذهبت الدراهم إلا دريهما.
ومنها: ما يجيء للذم كقولهم: يا فويسق.
ومنها: ما يجيء للعطف والشفقة نحو: يا بني ويا أخي؛ ومنه قول عمر: أخاف على هذا السبب. وهو صُدَيّقِيُّ، أي: أخص أصدقائي.
ومنها: ما يجيء بمعنى التقريب كقولهم: دوين الحائط وقبيل الصبح.
(١) «البديع» لابن الأثير (٢/ ١٥٦ - ١٥٨).
1 / 11
ومنها: ما يجيء للمدح، من ذلك قول عمر لعبد الله: كنيف ملئ علمًا). (١)
قال خالد الأزهري (ت ٩٠٥ هـ): (أما فوائده فسِتٌّ:
١. تقليلُ ذات الشيء، نحو: كُليب.
٢. وتحقير شأنه، نحو: رُجَيل.
٣. وتقليل كمِّيتِه، نحو: دُريهمات.
٤. وتقريب زمانه، نحو: قُبَيل العصر، وبُعَيد المغرب.
٥. وتقريب مسافته، نحو: فُوَيْق المرحلة، وتُحَيْت البريد.
٦. وتقريب منزلته، نحو: صُدَيِّقِي.
وزاد الكوفيون معنى آخر، وهو:
٧. التعظيم، نحو: دُوَيْهِيَة.
وخرَّجها البصريون على التقليل؛ لأن الداهية إذا عَظُمَت؛ قلَّتْ مُدَّتُها.
وزاد بعضهم معنى آخر، وهو:
(١) «لسان العرب» (٤/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
1 / 12