الفن ومذاهبه في النثر العربي

الناشر

دار المعارف

الإصدار

الثالثة عشرة

تصانيف
النثر
•
مناطق
مصر
المقدمات
مقدمة الطبعة الثالثة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثالثة:
رجعت في هذه الطبعة أنظر في فصول هذا البحث أصلح فيها، وأنقح ما يحتاج إلى إصلاح وتنقيح، ورأيت أن أعيد كتابة الفصل الثاني من الكتاب الأول الخاص بالصنعة في النثر الإسلامي، حتى أضيف إليه زيادات عن الإسلام ومعانيه الروحية، والقرآن الكريم وهديه، وما كان له من آثار بعيدة في اللغة العربية، والحديث النبوي وتدوينه وروعة تعبيره. ومضيت أفصل القول في الخطابة بفروعها الثلاثة من سياسة، وحفلية، ودينية، ولاحظت أنه أتيح للخطابة الأخيرة خطباء مفوهون، نوعوا معانيها تنويعا واسعا، وعنوا بأساليبها عناية بعيدة، وقد هدتهم فطنهم إلى نمط جديد من الصيغ الصوتية، هو نمط الإزدواج، وما يطوى فيه من ترادف موسيقي، ودار هذا النمط على ألسنتهم، ولم يلبث الكتاب -وعلى رأسهم سالم، وعبد الحميد الكاتب- أن حاكوهم في هذا النمط الرائع.
ورأيت أن أبسط الكلام في الفصل التالي الخاص بالصنعة في النثر العباسي. حتى أوضح كيف تطور المترجمون والمتكلمون -وخاصة المعتزلة- بهذا النثر، فإذا أسلوب مولد جديد ينشأ فيه، وهو أسلوب مبسط وسط بين لغة البدو الجافية، ولغة العامة المبتذلة، وفي الوقت نفسه يحتفظ بالجزالة والرصانة والرونق، مع مرونته وطواعيته لأداء معان، ومدلولات لم يكن للعربية بها عهد.
وقد نهض بهذا الأسلوب نخبة من المترجمين في مقدمتهم ابن المقفع الذي طارت شهرته في أوائل العصر العباسي، لما أظهر من مهارة في صب خير ما كانت تحمله لغته الفارسية من ثقافات مختلفة في قوالب عربية أصيلة، لا يشوبها

1 / 5

أي ضرب من ضروب الرطانة الأعجمية، فالعربية -عنده- تحتفظ بمشخصاتها وأصولها، وأوضاعها في النحو والصرف، والاشتقاق والتركيب، بينما تتمثل معاني الثقافات الأجنبية تمثلا دقيقا في ألفاظ مألوفة بينة واضحة، مع حرصه على الدقة والإيجاز، ومع بعده عن التوعر والتعقيد، ومع النسج المحكم الدقيق.
ووطد المتكلمون دعائم هذا الأسلوب العباسي المولد الجديد، بما ملكوا من أزمة العربية، وكنوز الفلسفة والثقافات الأجنبية، وقد أثاروا مباحث كثيرة في علم الكلام، وفي الطبيعة والأخلاق، ولم يكونوا يصنفون فحسب، بل كانوا أيضا يناظرون، ويجادلون الدهرية والزنادقة، والملحدين بهذا الأسلوب الجديد الذي يموج بالألفاظ الجزلة المونقة، والمعاني الغزيرة المرتبة في مقدمات منطقية دقيقة، ومقاييس عقلية سديدة. وكانوا يفحصون مواد تعبيرهم ويمنحنونها ويختبرونها، حتى يضعوا دقائق معانيهم في الألفاظ الطلية التي توائمها، ودفعهم ذلك إلى أن يسجلوا ملاحظات مختلفة، فهم على صحة مخارج الحروف وجمال الألفاظ، ووضوح المعاني ومواطن الإيجاز والإطناب، ومحاسن التعبير، وحاولوا الوقوف على ماسبقهم إليه اليونان، وغير اليونان من آراء وملاحظات في هذه الجوانب، وبذلك كانوا المؤسسين لأصول البلاغة العربية، وقد انتهى عندهم الأسلوب العباسي المولد إلى كل ما كان ينتظره من روعة، وجمال في اللفظ والمعنى.
وكل ما زدته في هذه الطبعة أو صححته، أو نقحته إنما دفعني إليه تحري الدقة، ومن رأيي دائما أن يعيد المؤلف النظر في مؤلفاته حين يعدها للطبع من جديد. وبذلك تنمو الدراسة الأدبية، ويستوفي الدارس حقوقها بقدر ما يستطيع، فتكثر الفائدة منها ويزداد النفع. والله أسأل أن يلهمني السداد في القول، والإخلاص في الفكر والعمل، وهو حسبي ونعم الوكيل.
القاهرة في ١٥ من يناير سنة ١٩٦٠م.
شوقي ضيف.

1 / 6

مقدمة الطبعة الأولى:
اتخذت في هذا الكتاب السيرة التي اتخذتها في كتاب "الفن ومذاهبه في الشعر العربي"، فقد درست هناك الشعر في عصوره المختلفة دراسة أتاحت لي أن أضع للفن فيه -أو بعبارة أخرى لصناعته- ثلاثة مذاهب، وهي: الصنعة والتصنيع والتصنع، ومذهب الصنعة هو المذهب الذي نجده في أقدم نماذج الشعر العربي، إذا كان أصحابه يخضعون لطائفة من الرسوم، والتقاليد في صنعه، وهي تقاليد ورسوم تجعل الإنسان يشعر بأن أدبنا العربي منذ أقدم العصور أدب تقليدي، إذ تتضح فيه عناصر التقليد اتضاحا تاما، غير أن هذه العناصر لا تطغى على عناصر التحول والتطور فيه، ومن أجل ذلك كنا لا نمضي في درس الشعر العربي بعد خروجه من البادية إلى المدن المتحضرة، حتى نرى مذهبًا جديدًا يخرج في صناعته، هو مذهب التصنع الذي كان يقوم على طرائف الزخرف المختلفة من بديع وغير بديع، ونتغلغل في العصر العباسي، فإذا الحضارة العربية تتعقد تعقدا شديدا، وهو تعقد لم يلبث بأن انتقل إلى الصناعة والفن في الشعر، فأهل لخروج مذهب جديد هو مذهب التصنع الذي كان يقوم على تصعيب طرق الأداء، وقد جمد الفن في الشعر العربي عند هذه المذاهب الثلاثة، ولم يتجاوزها إلى مذهب جديد.
وهذه المذاهب التي فسرت بها الفن في الشعر العربي، ومراحله المتتابعة هي نفسها التي فسرت -على ضوئها- الفن في النثر العربي ومراحله بالمتعاقبة، فقد بدأت صناعة النثر في العصر الجاهلي بصورة فنية لا تأنق فيها، ولا تعقيد تبعا لحياة العرب البسيطة التي لم تكن تعتمد على تصعيب في الأداء، ولا على تنميق. وفزعت في وصف صورة النثر حينئذ إلى نصوص الشعر الجاهلي؛ لأنها أكثر صحة مما يضاف إلى هذا العصر من خطابة، وسجع كهان، ووجدت

1 / 7

في هذه النصوص ما يصور تصويرا تاما طبيعة النثر الجاهلي، وما كان يوفر له أصحابه من تحبير وتجويد.
ويدور الزمن دورة، وإذا الإسلام يفتح صفحة مشرقة في تاريخ العرب، فقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن دائرة الشعوب القبلية إلى دوائر الأمم المتحضرة. وقد رأيت النثر يستمر في أثناء العصر الإسلامي في الصورة التي رسمها العصر الجاهلي من حيث نسجه وصوغه، وإن اختلفت موضوعاته، وتشعبت معانيه، فقد اتسعت الخطابة اتساعا شديدا، وأخذ يظهر بجانبها نوع جديد من النثر، لم يكن للعرب عهد به، وهو الكتابة الفنية، أو ما يسميه بعض الباحثين باسم النثر الفني. واستوعبت -في دقة- نشأة هذا النوع، وأثبت أنه لم ينشأ بفضل العناصر التي تحدرت من أصول أجنبية، وإنما نشأ بفضل العرب أنفسهم، وفي ظل نظمهم السياسية الجديدة. وليس معنى ذلك أني أنكرت تأثير العناصر الأجنبية في هذا النوع، بل لقد أخذت تشارك فيه مع مرور الزمن، ولكنها مشاركة اتصلت بنموه وتطوره لا بوجوده ونشأته. وما زال هذا النوع يتطور في العصر الإسلامي حتى وصل إلى عبد الحميد الكاتب، فأعطاه صورته النهائية، وهي صورة اندمجت في صورة المذهب القديم: مذهب الصنعة والصانعين. وقد ذهبت إلى أن عبد الحميد كان يتصل بالثقافة الفارسية مباشرة، أما الثقافة اليونانية فاتصل بها عن طريق أستاذه سالم الذي كان يعرفها معرفة وثيقة.
ويدور الزمن دورة أخرى، فإذا بنا نصل إلى العصر العباسي، ونلتقي بابن المقفع وسهل بن هارون والجاحظ، وأضربهم ممن كانوا يعنون بالكتابات الطويلة، أو بعبارة أخرى بالرسائل والكتب الأدبية، وقد حافظت هذه الجماعة على إطار النثر الذي تسلمته من عبد الحميد الكاتب، فلم تخرج به إلى مذهب جديد، بل عاشت في إطار مذهب الصنعة القديم، على الرغم من البون الشاسع بين ثقافتها، وثقافة أصحاب المذهب في العصور السابقة. وقد أوضحت منزلة ابن المقفع، وما استطاع أن ينهض به من الملاءمة بين العربية، وما نقل إليها

1 / 8

من كنوز الآداب الأجنبية، إذ استطاع أن يحتفظ لها بخصائصها وبأسلوبها الجزل الرصين. أما الجاحظ فعنيت ببيان فنه عناية واسعة، ودرست له "رسالة التربيع والتدوير" دراسة مفصلة، وذهبت في تعليل تكراره المسرف إلى أنه كان يملي كثيرا من كتبه، إذ أملى البيان والتبيين والحيوان والبخلاء، ورسالة التربيع والتدوير نفسها، ومن أجل ذلك اتسمت كتاباته -غالبًا- بمياسم كتب الإملاء والمحاضرة من حيث التكرار والاستطراد، وما يتصل بذلك أحيانا من خلل في البناء.
ولما تركت هذه الجماعة من أصحاب الكتابات الطويلة في العصر العباسي إلى أصحاب الكتابات الرسمية القصيرة، أو بعبارة أخرى أصحاب الدواوين والكتابة الديوانية، وجدت هذه الجماعة الثانية تسعى إلى إحداث مذهب جديد، هو مذهب التصنيع، وهو مذهب كان يعبر تعبيرا دقيقا عن الحضارة العباسية، وما يطوي فيها من تأنق وتنميق. وما زالت مقدمات هذا المذهب تتراءى -من حين إلى حين- في الدواوين العباسية حتى إذا كان مطلع القرن الرابع للهجرة، وجدت السجع يعم في دواوين المقتدر. وما لبث ابن العميد وزير البويهيين أن وصل بهذا السجع إلى ما كان ينتظر له من ترصيع بطرائف البديع المعروفة من جناس وطباق وتصوير. وعللت لاكتمال المذهب عند ابن العميد بأنه كان يتقن فن التصوير، وعلم الحيل "الميكانيكا"، فذهب يحتال في نماذجه حيلا أدته إلى أن يوفر لها كل ما يستطيع من زخارف السجع والبديع. ووقفت بعد ذلك عند أنصار هذا المذهب من مثل الصاحب بن عباد، وأبي إسحاق الصابي والخوارزمي، وبديع الزمان، ولاحظت أن بذورا مكتنة لمذهب ثالث أخذت تظهر عند الأخيرين، وقد بدت في شكل أتم وأوضح عند قابوس بن وشمكير، وما هي إلا أن يدور الزمن دورة، فإذا هذا المذهب تتم له صورته عند أبي العلاء، ونقصد مذهب التصنع الذي كان يقوم على تصعيب رق الأداء، وتعقيدها ضروبا من التعقيد، وإن الإنسان ليشعر كأن التعقيد أصبح غاية في نفسه، ولنفسه! واستطردت من أبي العلاء إلى الحريري في آثاره والحصكفي في نماذجه،

1 / 9

وفسرت ما نهضا به من تعقيد في أدوات فنهما ووسائله.
ويدور الزمن بعد ذلك في العصور الوسطى درة بل ما شاء من دورات، فلا يظهر مذهب جديد في صناعة النثر العربي وصياغته، بل يجمد الأدباء عند صورة المذهب الأخير، يمكثون في إطارها حائرين حتى العصر الحديث. وهذه هي المذاهب، أو المراحل التي مر بها الفن في النثر العربي، فقد بدأ بمرحلة الصنعة، ثم انتقل إلى مرحلة التصنيع، وما لبث أن انتهى إلى مرحلة التصنع، وتحجر في هذه المرحلة، فلم يستطع منها إفلاتا ولا خلاصا. وقد ذهبت أدرس هذا النثر في الأندلس ومصر، فتعقبت في الأقليمين نشأته، وتطوره، ومناهج، وأشهر أساتذته وأعلامه، وانهيت من هذا التعقب إلى أن الأندلس ومصر جميعا لم يستحدثا مذهبا يمكن أن نضمه إلى جملة المذاهب التي ظهرت في المشرق. وإن الباحث ليشعر كأنما كانت أصول المذاهب المشرقية، في صناعة الأدبي العربي: شعره ونثره أثبت وأصلب في تاريخ هذا الأدب من أن يصيبها أي إقليم من الأقاليم العربية بضرب واسع من ضروب التحريف والتغيير، وليس معنى ذلك أن مصر والأندلس لم تعبرا عن شخصيتها أي تعبير في أدبهما، بل لقد عبرتا ولكن في طاقة محدودة، وداخل المذاهب المشرقية الموضوعة. وسقت بعد ذلك خاتمة عرضت فيها بإيجاز لنهضة النثر المصري الحديث.
وهذه الدراسة المتشعبة النثر العربي، وما مر به من أحداث في عصوره، وأقاليمه المختلفة جعلتني أرجع إلى كل ما استطعت من كتب الأدب والتاريخ والجغرافيا عند العرب، وكذلك رجعت إلى طائفة من كتب المستشرقين. وينبغي أن أشير هنا إلى صعوبة هذا البحث، وكثرة ما صادفني فيه من مشاكل، كما ينبغي أن أشير إلى أنه كانت غايتي الأساسية -منذ الخطوات الأولى فيه- أن أضع أمام القارئ الصور الدقيقة للنثر العربي في مختلف أطواره ومراحله، وهي صور حاولت أن أحتفظ لها بخصائصها، فلم أعتمد على حكاية إحساسي، وشعوري إزاء نماذجها؛ وأيضا فإنني لم أعتمد في مسألة على الفروض والأوهام، وإنما.

1 / 10

اعتمدت على النصوص الحسية نفسها، وكل ما أرجوه أن أكون قد عرفت -بعض التعريف- بالنثر العربي في مختلف مناهجه ومذاهبه، وهو تعريف قصدت به في هذا الكتاب- كما قصدت في كتاب "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" -أن أحبب قراءة أدبنا إلى شباب العصر الحديث الذين يؤمنون بفكرة المذاهب، والمناهج وتطبيقها في الدراسات المختلفة، والله ولي التوفيق والتيسير.
شوقي ضيف.
القاهرة في ١ من أبريل سنة ١٩٤٦م.

1 / 11

الكتاب الأول: مذهب الصنعة
الفصل الأول: الصنعة في النثر الجاهلي
النثر الجاهلي:
النثر، هو الكلام الذي لم ينظم في أوزان وقواف، وهو على ضربين: أما الضرب الأول فهو االنثر العادي يقال في لغة التخاطب، وليست لهذا الضرب الضرب قيمة أدبية، إلا ما يجرى فيه أحيانا من أمثال وحكم، وأما الضرب الثاني، فهو النثر الذي يرتفع فيه أصحابه إلى لغة فيها فن ومهارة وبلاغة، وهذا الضرب هو الذي يعنى النقاد في اللغات المختلفة ببحثه ودرسه، وبيان ما مر به من أحداث وأطوار، وما يمتاز به في كل طور من صفات وخصائص، وهو يتفرع إلى جدولين كبيرين، هما الخطابة والكتابة الفنية -ويسميها بعض الباحثين باسم النثر الفني- وهي تشمل القصص المكتوب، كما تشمل الرسائل الأدبية المحبرة، وقد تتسع فتشمل الكتابة التاريخية المنمقة.
ومن يرجع إلى العصر الجاهلي، وأخباره يجد هذا الضرب الأخير من النثر يلعب دورا مهما في حياة العرب حينئذ، إذ كان عرب الجاهلية مشغوفين بالتاريخ والقصص عن فرسانهم ووقائعهم وملوكهم، يقطعون بذلك أوقات سمرهم في الليل وحول خيامهم، وقد دارت بينهم أطراف من أخبار الأمم المجاورة لهم ممتزجة بالخرافات والأساطير، ففي السيرة النبوية أن النضر بن الحارث المكي، كان يقص على قريش أحاديث عن أبطال الفرس أمثال رستم وإسفنديار١، وأكثر ما كان يستهويهم من القصص أحاديث قصاصهم عن

١ السيرة النبوية لابن هشام "طبع الحلبي" ١/ ٦٩.

1 / 15

أيامهم وحروبهم في الجاهلية، مما يصوره لنا كتاب شرح النقائض لأبي عبيدة، وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وقد تلاهما اللغويون والأدباء يعنون بتلك الأيام والحروب عناية واسعة١ على نحو ما هو معروف عن ابن عبد ربه في "العقد الفريد" وابن الأثير في الجزء الأول من كتابه "الكامل"، والميداني في الفصل التاسع والعشرين من كتابه "مجمع الأمثال".
وينبغي أن لا نعلق أهمية تاريخية، أو أدبية على هذا القصص، فإن الرواة حرفوا فيه كثيرا قبل أن يأخذ شكله النهائي عند أبي عبيدة، وغيره من مؤلفي العصر العباسي، وتوضح ذلك توضيحا تاما قصة الزباء ملكة تدمر ببادية الشام في القرن الثالث الميلادي، وهي تلك القصة التي رويت في الكتب العربية عن هشام بن محمد الكلبي٢، والتي تزعم أنها بنت عمرو بن الظرب العمليقي، وأن حروبا نشبت بينه وبين جذيمة الأبرش ملك الحيرة، وتنوخ انتهت بقتل عمرو، فاحتالت بنته الزباء على جذيمة، حتى قدم عليها فقتلته، وخلفه ابن أخته عمرو بن عدي، فاحتال بمساعدة أحد أتباعه -ويسمى قصيرًا- حتى انتقم منها في مدينتها التي بنتها على الفرات، بأن حمل إلى حصنها رجالا في جواليق أو صناديق، وفتحت له الحصن، وهي تظنه يحمل بعض عروض التجارة، وخرج الرجال من الجواليق، فقتلوها واستولوا على المدينة. وهي أسطورة لا تتفق في شيء ووثائق التاريخ الروماني الصحيحة عن الزباء، أو كما يسمونها زنبوبيا Zenobia زوج أذينة الذي قتل غدرا، وقد نشرت سلطانها على العراق والشام ومصر وآسيا الصغرى، وصارعت الرومان صراعا عنيفا، حتى تصدى لها "أورليان" وانتصر على جيوشها، وحاصر حاضرتها تدمر، وطال الحصار ويئست من النصر، فحاولت الفرار ولكن جنوده تعقبوها وأسرارها، وأخذها معه أسيرة إلى روما حيث قضيت بقية أيامها٣.

١ انظر الفن الأولى من المقالة الثالثة في الفهرست لابن النديم.
٢ راجع الأغاني ١٦/ ٧٠ وابن الأثير "طبعة ليدن" ١/ ٢٤٧ وابن خلدون طبعة فاس ٢٢/ ٤٥.
٣ انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي "طبع بغداد - ١٩٥٣" ٣/ ٩٩ وما بعدها.

1 / 16

وكأن لا علاقة بين شخصية زنوبيا التاريخية، وشخصية الزباء في القصة العربية، فقد غيرت في القصة جميع المعالم التاريخية، حتى مدينتها تدمر وضع القصاص مكانها مدينتين بنتهما على الفرات، وحتى اسمها وهو "زنوبيا" حرف إلى الزباء، وقد جلبوا جذيمة من الحيرة ليحل محل زوجها أذينه الذي قتل غدرًا.
وإذا كنا لا نستطيع أن نعتمد على هذا القصص في حوادث التاريخ، فأولى لنا أن لا نعتمد عليه في وصف صورة النثر الجاهلي، وبيان خصائصه الفنية؛ لأنه لم يكتب في العصر الجاهلي، ولا في عصر قريب منه، وإنما كتب في العصر العباسي، ومن أجل ذلك كنا لا نستطيع أن نعتد -من الوجهة الأدبية- بما يروى عن هذا العصر من عناصر القصص والتاريخ؛ لأن الرواة حرفوا لفظه، بل لقد حرفوا معناه على نحو ما حرفوا قصة زنوبيا، أو بنت زباي وأخبارها، ولو أن العرب كتبوا تاريخهم، وقصصهم في العصر الجاهلي لاعتددنا بهذا اللون من نثرهم، ولكنهم لم يكتبوا منه شيئا. أما ما يروى عن هشام بن محمد الكلبي من أنه رأى في بيع الحيرة بعض مدونات استخراج منها أخبار العرب١، فإننا لا نستطيع الاعتماد على روايته؛ لأنه متهم في كثير مما يرويه٢، وحتى لو صحت روايته، فأغلب الظن أن ما شاهده من تلك المدونات لم يكن مكتوبا بالعربية، إنما كان مكتوبا بالسريانية التي كانت شائعة في الحيرة قبل الإسلام٣.
والحق أنه لا يوجد تحت أيدينا دليل مادي على أن العرب تركوا في العصر الجاهلي مدونات تاريخينة أو أدبية، وليس معنى ذلك أن الخط العربي لم يكن قد نشأ، فالنقوش المكتشفة حديثا تؤكد أنه تم تكونه في الحجار منذ القرن السادس الميلادي، ومنها انتشر في بعض البيئات الصحراوية، وقد جاء الإسلام

١ انظر الطبري "طبع ليدن": القسم الأول ص٧٧٠.
٢ أغاني "طبع دار الكتب المصرية" ١٠/ ٤٠.
٣ أصل الخط العربي الخليل نامي ص٤.

1 / 17