491

التيسير في التفسير

محقق

ماهر أديب حبوش وآخرون

الناشر

دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٤٠ هجري

مكان النشر

أسطنبول

وقال قتادة ﵀: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (^١)؛ أي: آثَروها.
وقيل: أي: اختاروها.
وقيل: أي: استبدَلوها، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨].
ثم هذا على قول الذين قالوا: إن الآية في اليهود، يرجع إلى قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فكان هذا استبدالًا منهم الضَّلالةَ بالهدى.
وعلى قولِ مَن جعلها في حقِّ المنافقين -وهم لم يكونوا في الهدى قطُّ- فمعناه: أخذوا النِّفاق وتركوا الإخلاص أصلًا، لا أنِ استبدَلوا الضَّلالةَ بالهدى، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وفي حقِّ الكفار: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ليس هذا بطريق النقل، بل بالإبقاء على الأصل.
ثم هذا مجازٌ، وهو مُتعارَفُ أهلِ اللسان، وهو أبلغُ في البيان، وأوقَعُ في القلوب والآذان، وهو كثيرٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقال عزَّ وعلا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال هاهنا: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦].
وأصله في استبدالِ مالٍ بمالٍ، واستُعير في الهدى والضلال، والجامعُ بينهما

(^١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٢٥).

1 / 347