تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، وصلى الله على محمد وآله.

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ودعانا إلى دار السلام، ومن علينا بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم، وأنعم علينا بضروب الإنعام، وأنزل القرآن، وصانه عن التحريف والزيادة والنقصان، ونسخ به سائر الأديان، ثم الصلاة على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد وعلى آله أجمعين.

أما بعد: فإن أولى ما يشتغل به المرء طلب العلوم الدينية التي فيها فوزه ونجاته، ثم عبادة وبه الذي إليه محياه ومماته، ومن أجل العلوم معرفة كتاب الله تعالى، وتفهم معانيه وأحكامه، فإن عليه مدار الدين، وهو حبل الله المتين، وقد اجتهد العلماء في ذلك، وبينوا وصنفوا، وللأولين فضل السبق، وتأسيس الأمر، وللآخرين حسن الترتيب، وجودة التهذيب، وزيادة الفو ائد، ولئن قال بعضهم: ما ترك الأول للآخر، فقد قال آخرون: كم ترك الأول للآخر.

وقد جمعت في كتابي هذا جما وجوامع في علم القرآن من غير تطويل ممل، أو إيجاز مخل، أرجو أن يكون تبصرة للمبتدئ، وتذكرة للمنتهي، ومن الله أستمد التوفيق، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم المعين.

صفحة ١٩١

وعلوم القرآن كثيرة، مدارها على ثمانية:

أولها: القراءة ووجوهها وعللها.

إنما تجوز القراءة بالمستفيض المتواتر دون الشاذ والنادر، وكما لا يجوز إثبات القرآن إلا بنقل مستفيض، كذلك القراءات، وما تواتر نقله فلا يجوز رد شيء منها؛ لأنها كلها منزلة ثابتة.

وثانيها: اللغة، والقرآن كله بلغة العرب، هكذا قال الله تعالى: (بلسان عربي مبين)

وما روي عن بعض السلف من قولهم في بعض الألفاظ: إنها رومية، أو فارسية ك (القسطاس)، و(السجل) ونحوهما - فمحمول على موافقة اللغتين، أو على أن العرب أخذته فعربته. وكذا ليس فيه لفظ مستنكر، أو خطأ أو تناقض.

واختص بنوع من اللغة والفصاحة بان بها عن غيره فصار معجزا.

وثالثها: الإعراب، فليس فيه لحن ولا خطأ، خلاف ما يهذي به الملحدة.

ورابعها: النظم، فإن القرآن على ما هو عليه من السور والآيات اتصل بعضها ببعض، كذلك أنزل، وفي كل ذلك غرض وفائدة .

صفحة ١٩٣

وخامسها: المعنى، وليس فيه شيء لا يعرف معناه؛ إذ المقصود من الكلام إفهام المعنى، وكل كلمة لا تخلو إما أن يكون لها معنى واحد فلا بد أن تحمل عليه، وإن احتمل معاني - والكل جائز - حمل على الكل على وجه يصح من جمع أو تخيير، فإن دل دليل - على أن بعضه مراد وبعضه ليس بمراد عمل بمقتضى الدليل، فإن كان له معنى في اللغة ومعنى في الشرع حمل على المعنى الشرعي؛ لأنه ناقل، ثم فيه حقيقة ومجاز، فالحقيقة أولى إلا أن يدل الدليل على أن حمله على المجاز أولى، فيحمل عليه.

وسادسها: النزول، فإن منه ما نزل بسبب، ثم قد يقتصر على سببه، وقد يتعدى إلى غيره، والواجب اعتبار اللفظ دون السبب.

وسابعها: الأدلة، والأحكام، فإنه كلام صادق، وهو حجة، ثم منه ما ورد مؤكدا، كأدلة التوحيد، ومنه ما ورد مبينا، كأدلة الشرائع، ومنه ما يعرف المراد بظاهره، كالمحكم والمبين، ومنه ما يرجع في معرفة المراد به إلى غيره كالمجمل والمتشابه، ومنه ناسخ يجب العمل به، ومنسوخ لا يجب؛ ولذلك يجب معرفة تاريخ النزول، وما نزل منها بمكة، وما نزل منها بالمدينة، ومنه العموم والخصوص، ويدخل فيه الأمثال، والحكم، والمواعظ، والزواجر، والأوامر، والنواهي، والوعد، والوعيد.

وثامنها: الأخبار والقصص.

صفحة ١٩٤

(أسامي القرآن)

وللقرآن أسام فمنها: القرآن، ومعناه الجمع، يقال: قرأت قراءة، وقرآنا، ومنه قيل للحوض: مقراة، لاجتماع الماء فيه.

ومنها: الفرقان، قيل: معناه أنه النجاة والمخرج، ومنه: (يجعل لكم فرقانا)

وقيل: هو الفرق بين الحق والباطل عند ابن العباس.

ومنها: الذكر، قال الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر) قيل: إنه ذكر من الله تعالى لعباده بالفرائض والأحكام، وقيل: إنه شرف لمن تمسك به، ومنه: (وإنه لذكر لك ولقومك)

ومنها: الكتاب، لأنه مكتوب، فسمي المكتوب كتابا، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، ومكان الإنجيل السبع المثاني، ومكان الزبور المئين، وفضلت بالمفصل فالطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة، وقيل: آخر سورة يوسف، والمثاني: ما زاد على مائة آية، لأنه تثنى فيها الأحكام، وقيل: الفاتحة، والمئون: ما كان مائة أو زاد قليلا أو نقص قليلا، والمفصل: السور القصار، لكثرة الفصول بين السور.

صفحة ١٩٥

وفي القرآن آيات وسور، فالسور جمع سورة كغرفة وغرف، وهو بغير همز: المنزل المرتفع، ومنه سور المدينة، ومنهم من يهمزه، ويريد به القطعة من القرآن، وسؤر كل شيء: بقيته بعد الأخذ منه.

فأما الآية فقيل: معناها العلامة، سميت بذلك لدلالتها على أول الكلام وآخره، وقيل: الآية: الجماعة من الحروف، يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم، وقال سيبويه: موضع العين من الآية واو؛ لأن ما كان موضع العين منه واوا، واللام ياء أكثر مما كان موضع العين واللام منه ياء، مثل: (شويت)

أكثر من (حييت) وقيل: وزنه فعلة، وقيل: فاعلة.

التفسير: أما التفسير، فالتفسير: كشف المغطى، قال أبو العباس: التفسير والتأويل والمعنى: واحد، وقال غيره: التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر، والتفسير: البيان، وقيل: التأويل: انتهاء الشيء ومصيره، وما يؤول إليه أمره، ومنه: (هل ينظرون إلا تأويله)

وقيل: التفسير تأويل؛ لأن مقصود الكلام يؤول إليه. والمعنى مأخوذ من قولهم: عنيت فلانا، أي قصدته، فكأن قصده بالكلام كذا، وقيل: إنه من الإظهار، كأنه أظهر مراده باللفظ، وقيل: هو من قولهم: عنيت بهذا الأمر، أي تكلفته.

صفحة ١٩٦

(التعوذ)

أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم.

(القراءة)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ابن كثير، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم نافع وابن عامر والكسائي، نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم حمزة، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أبو حاتم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم عاصم وأبو عمرو، وروي مرفوعا.

* * *

(اللغة)

التعوذ من العياذ، وهو الملجأ.

والشيطان: من شطت الدار، أي بعدت، ووزنه - فيعال.

والرجم: الرمي بالحجارة، ومنه المرجوم، والرجيم بمعنى المرجوم، فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: كف خضيب، أي مخضوب.

* * *

(المعنى)

لما أمر الله تعالى بقراءة القرآن - ولا يخلو الإنسان من وسوسة الشيطان - أمر بالاستعاذة منه، فقال تعالى : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} ومعنى (أعوذ)

صفحة ١٩٧

أي: ألجأ إلى الله - تعالى - من شر الشيطان الرجيم، قيل: المبعد من رحمة الله تعالى، وقيل المبعد من كل خير، وقيل: المرمي بالشهب، وقيل: رجم باللعنة، إن الله هو السميع لجميع المسموعات، العليم بجميع المعلومات.

* * *

(الأحكام)

التعوذ عند القراءة سنة بالإجماع، ثم اختلفوا فقيل: قبل القراءة؛ لأنه يراد للقراءة عن أكثر الفقهاء، وقيل: بعد القراءة عن أصحاب الظاهر، واختلفوا في قراءته في الصلاة، فقيل: يقرأ في الركعة الأولى، وقيل: في كل ركعة، واختلفوا، فالأكثر على أنه لا يجهر به، وعن بعضهم الجهر، وأجمع العلماء على أن التعوذ بعد التكبير إلا ما روي عن الهادي (عليه السلام) أنه قبل التكبير، ويدل التعوذ على أن السحر والمعاصي ليست بخلق الله، [*] إذ لو كان كذلك لم يكن للاستعاذة من الشيطان معنى.

صفحة ١٩٨

(سورة الفاتحة)

* * *

(النزول)

قيل: إنها مكية، عن ابن عباس وقتادة.

وقيل: مدنية، عن مجاهد.

وقيل: إنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة تشريفا، ولذلك سميت مثاني.

ولها أسماء: فاتحة الكتاب؛ لأنها أول ما يفتتح من الكتاب، وأول كل شيء فاتحته، وقيل: إن الحمد فاتحة كل كتاب، كما هي فاتحة القرآن، وأم الكتاب؛ لأن الأم الأصل، ومنه أم القرى؛ لأن الأرض دحيت من تحت مكة، ومنه: (وعنده أم الكتاب)

يعني أصله، فأصل القرآن الفاتحة، لأنه - تعالى - أودعها مجموع ما في السور، وقيل: لأن فيها آيات الربوبية والعبودية، وهذا هو المقصود بالقرآن، وقيل: لأنها مقدمة على القرآن، ويتلوها السور. والسبع المثاني، قيل: لأنها

صفحة ١٩٩

سبع آيات، وتثنى قراءتها في كل صلاة، وقيل: لأن فيها الثناء على الله تعالى، وقيل:

لأنها نزلت مرتين.

وعن أبى بن كعب، قال: قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتحة الكتاب، فقال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بين الله وبين عبده، ولعبده ما سأل.

قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم (1)

* * *

(اللغة )

اسم: قيل: مشتق من السمو، وهو الارتفاع، وقيل: من السمة، والأول أصح؛ لأنهم جمعوه على أسماء، وقالوا في تصغيره سمي، ولأنه لا يعرف فيما حذفت فاؤه شيء دخله ألف الوصل، إنما تدخله هاء التأنيث، كالزنة والعدة.

ويقال: ما أصل الاسم؟

قلنا: العلو، ومنه السماء، وقيل: السمة، وقيل: سما، أي علا وظهر حتى صار علما للدلالة على ما تحته من المعنى.

ويقال: ما وزنه؟

صفحة ٢٠٠

قلنا: يجوز فعل، وفعل بضم الفاء وكسرها، ولا يجوز فعل بفتح الفاء؛ لأن جمع فعل أفعل في القياس لا أفعال.

فأما الله، فقيل: أصله إله، حذفت الهمزة، وجعلت الألف واللام عوضا لازما، وصار الاسم بذلك كالعلم، هذا مذهب سيبويه، وقيل: أصله لاه، ألحقت بها الألف واللام فصار الله.

ويقال: مم اشتق؟

قلنا: قيل: إنه اسم موضوع غير مشتق، وليس يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا؛ إذ لو وجب ذلك لتسلسل، هذا مذهب الخليل وأبي علي. وقيل: إنه مشتق، ثم اختلفوا في اشتقاقه، فقيل: من التأله وهو التعبد، وقرأ ابن عباس: وإلهتك، أي عبادتك، قال الشاعر: سبحن واسترجعن من تأله أي من تعبد وتنسك، هذا قول جماعة منهم: النضر بن شميل، وقيل: هو مشتق من قولهم: ألهت إلى فلان، أي فزعت إليه، وقيل: هو مشتق من الوله، وهو التحير، يقال: أله يأله، إذا تحير عن أبي عمرو، وقيل: هو مشتق من قولهم: ألهت إليه، أي سكنت إليه عن المبرد، وقيل: اشتق من لاه، أي احتجبا.

والرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة، وأصل الرحمة: النعمة، وهما للمبالغة، إلا أن فعلان أشد مبالغة من فعيل؛ لأنه أشد عدولا، والرحمة هي الإنعام على المحتاج.

* * *

(الإعراب)

صفحة ٢٠١