الطبقات السنية في تراجم الحنفية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأيده بأصحاب كالنجوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وبهم أصحاب الضلالة يهتدون، وأتبعهم بعلماء كأنبياء بني إسرائيل يُعلمون الناس من شريعة نبيهم ما يجهلون، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، عدد ما كان، وما يكون صلاة وسلامًا دائمين مُتلازمين إلى يوم يُبعثون.
وبعد؛ فإن من أراد النجاة في الدارين، والسعادة في الحالين، والاتباع بالإحسان، والإحسان باتباع الأعيان، فعليه بسلوك طريقة من سلف من الأئمة المهتدين، والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين الفاضلين، ممن لم يُرد بالعلم مُماراة ولا مباهاة، ولا مُجادلة ولا مُضاهاة، بل قصر ليله على العبادة، ونهاره على الإفادة يقول الحق ويعمل به، ويفعل الخير ويُرشد إليه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عن الحق رهبة ظالم.
ولا سبيل إلى هذا السبيل إلا بعد مَعرفتهم، والوقوف على جليتهم، والإحاطة بأوصاف أخيارهم، والاطلاع على جُملة أخبارهم.
ولما كان هذا أمرًا يتعذر، وعملاُ يتعسر، بل لا يدخل تحت مقدور البشرية، ولا يُمكن إدراكه بالكلية، وقد قيل: مالا يُدرك كله لا يُترك كله، وواجب علينا أن نبدأ بالأهم، والأولى فالأولى.
وكان من أهم المهمات أن يعرف الشخص أولًا من جعله وسيلة الهداية بينه وبين الله، وقلده فيما يراه، وتبعه فيما يتحراه، اقتضى الحال على أن نقتصر على ذكر أئمتنا الذين نهتدي، وبأقوالهم وأفعالهم نقتدي.
وهم إمام الأئمة، وسراج الأمة " وأمين الله تعالى على حفظ شريعته في أرضه، والمُميز لعباده بين واجبه وفرضه "، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وأصحابه الذين أخذوا عنه، واقتدوا به، واتبعوه بإحسان، إلى زمننا هذا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإن فيهم كفاية، لمن أراد الهداية، ونهاية، لمن أراد الدراية، وليس في أصحاب المذاهب أجل منهم، ولا أحد عاصرهم أو جاء بعدهم يستغنى عنهم، فالناس خصوصًا في الفقه عيال عليهم، وفي الرحلة أجل من تضرب أكباد الإبل إليهم، ما تركوا علمًا يُمكن تعلمه إلا حصلوه، ولا فعلًا محمودًا إلا فعلوه.
وقد صنف في مناقبهم وفضائلهم وطبقاتهم، كتب كثيرة، ومجلدات كبيرة، غير أن تقادم الزمان أخلق جِدَّتها، وأنقض عُلتها؛ فإن غالبها كان بالعراقين مقره، وبدار السلام مثواه ومُستقره، وكان منها أيضًا بما وراء النهر، مالا يدخل تحت الحصر، مِما حال بيننا وبينه بُعدُ المراحل، وانقطاع القوافل، وتداول الفِتَّن، وتناوب صُروف الزمن، وضاعت الكتب، بعضها بالإغراق، وبعضها بالإحراق، واندرست الآثار، ونُسيت الأخبار وأصيب الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فخطر في خلدي أن أجمع كتابًا مُفردًا، جامعًا لتراجم السادة الحنفية، مُستوفيًا لأخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلفاتهم ومُصنفاتهم، ومحاسن أشعارهم، ونوادر أخبارهم، وغير ذلك، بحسب الطاقة، ونهاية القدرة، وإلا فهم مِمن لا يُمكن حَصره، ولا يطمع في الإحاطة به، ولا في الوصول إليه.
فانتخبت ذلك من الكتب المعتبرة، التي يرجع في النقل إليها، ويعول في الرواية عليها؛ من ذلك: " تاريخ الخطيب البغدادي ".
" تاريخ ابن خلكان ".
" تاريخ ابن كثير ".
" الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة "، للحافظ ابن حجر.
" انباء الغُمر بأنباء العمر " له أيضًا.
" رفع الإصر عن قضاة مصر " له أيضًا.
ذيله، المسمى ب " بُغية العُلماء والرواة " لتلديذه الشيخ شمس الدين السخاوي.
" طبقات الغويين والنحاة "، للحافظ جلال الدين السيوطي.
" طبقات المفسرين "، له أيضًا.
" نُظم العقيان في أعيان الأعيان "، وله أيضًا.
" الروض البسام في من ولى قضاء الشام "، لأحمد بن اللبودي.
" الجواهر المُضية في طبقات الحنفية "، للشيخ عبد القادر القُرشي، وهي أكبر طبقات وقفت عليها لأئمتنا السادة الحنفية، مع أنها مختصرة بالنسبة إلى شأن من صُنفت في حقهم.
" طبقات الحنفية "، للشهاب المقريزي.
" طبقات الحنفية "، للشيخ قاسم قطلوبغا الحنفي.
1 / 1
" طبقات الفهاء "، لأبي إسحاق الشيرازي، وهي شاملة لسائر الفقهاء الكبار، والمجتهدين الأخيار، من أصحاب المذاهب المتبعة، وغير المتبعة، من الصحابة والتابعين وغيرهم، إلى الزمن الذي كان فيه، رحمه الله تعالى.
" يتيمة الدهر " للثعالبي.
" تتمة اليتيمة "، له أيضًا.
" دُمية القصر "، للباخرزي.
" الخريدة " للعماد الكاتب.
" تاريخ قزوين " لأبي القاسم الرافعي.
" تاريخ جُرجان "، للحافظ السهمي.
" تاريخ آل رسول " بغير ألف ولام، للخزرجي.
" معجم البلدان " لياقوت الحموي.
" طبقات المحدثين "، للحافظ الذهبي.
" تاريخ الإسلام " له أيضًا.
" العِبر " له أيضًا.
" ذيل العبر " للحافظ زين الدين العراقي.
" طبقات النحاة "، لأبن قاضي شهبة.
" الوافي بالوفيات "، للصلاح الصفدي.
" أعيان العصر وأعوان النصر " له أيضًا.
" الشقائق "، لابن طاش كبرى.
" تهذيب الأسماء واللغات "، للإمام النووي.
" تاريخ الصعيد " للأذفوي.
" تاريخ اليافعي ".
" أسماء شيوخ ابن حجر ".
" أسماء شيوخ السيوطي ".
" مرآة الزمان "، لسبط ابن الجوزي.
" الذيل على مرآة الزمان "، لليونيني.
" المنتظم " لابن الجوزي.
وغير ذلك من التواريخ، والطبقات والتراجم، وأسماء الرجال ودواوين الشعراء، ومجاميع الأدباء، ومن أفواه الثقات، وأعيان الرواة، ولا أنقل شيئًا إلا بعد أن يشهد له العقل والنقْل، وغلبة الظن بالصحة.
وقد صدرت هذا الكتاب بمقدمة، تشتمل على بيان من ألفته باسمه، وعملته برسمه، وعلى فوائد مُهمة، تتعلق بفن التاريخ، لا يسع المؤرخ جهلها، وعلى بيان ما اصطلحت عليه في هذا الكتاب، وهي مقدمة تحتوي على أبواب وفصول، جعلها الله تعالى منتجة لكل خير، مُوصلة لكل مأمول، بمنه وكرمه.
وسميته " الطبقات السنية في تراجم الحنفية ".
نفع الله تعالى به، وأثاب عليه، بمنه وكرمه؛ إنه على كل ما يشاءُ قدير، وبالإجابة قَمِنٌ وجدير.
باب
في بيان من ألَّفته باسمه، وعلمته برسْمِه
وهو صاحب القران السعيد، وسلطان الأوان المديد، وإسكندر الزمان، وفخر آل عثمان، متى تفتخر الملوك بتقبيل أعتابه، وتتباهى السلاطين بخدمة أبوابه، ومن أنان الأنام في ظل عدله، وأحيى موات العدم بوافر إحسانه وفضله، ونصر الدين المحمدي وأقام مناره، وخفض كلمة الباطل وأذهب شعاره، وشمل الكُفر بعزته كل خزي ونكال، وتسلط على ذويه كل قهر وبال.
فلم يبق غُراب إلا غربت شمسه، ولا مقاتل إلا وسالت على الصوارم نفسه، ولا ذهب إلا ذهب خزائنه المعمورة، ولا حريم لهم إلا وقد هُتكت حُرمته المستورة، ولا قلعة إلا قُلعت من أصولها، ولا قافلة إلا قطعت عن قفولها.
وأطلق سيوفه الباترة، في أعناق طغاة الروافض الفاجرة، فما أبقى لهم شملًا إلا بدده، ولا جمعًا إلا أفرده ولا قوة إلا أضعفها، ولا مهجة إلا أتلفها.
وَأصبحَ الرّفضُ وَناصرُهُ ... في ذلةٍ وإمامُ الحَقِّ قاهرُهُ
وشَوكة السُّنة الغَرَّاءِ قد قّوِيَتْ ... فكلُّ قُطْرٍ بها تُزهى مَنابرُهُ
وهو السلطان الأعظم، والخاقان الأكرم؛ سيفُ الله القاطع، وشِهابه اللامع، والمُحامي عن دينه والمدافع، والذاب عن حرمه والممانع، السلطان مُراد خان، أدام الله دولته إلى آخر الزمان، ابن السلطان سليم خان، ابن السلطان سُليمان خان، ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان، ابن السلطان محمد خان - فاتح قُسطَنطينية، حماها الله عن كل آفة وبلية - ابن السلطان مُراد خان، ابن السلطان محمد خان، ابن السلطان بايزيد خان، ابن السلطان مُراد خان الغازي، ابن السلطان أورخان، ابن السلطان عثمان الغازي، الذي تُنسب إليه هذه السلاطين. أدام الله أيام دولتهم، وخلد أوقات سعادتهم، ورحم أولهم، ونصر آخرهم، ولا ردَّ لهم راية عن غاية، ولا حُسامًا عن نهاية.
ولا زالت أيام هذا السلطان في سعادة وإقبال، وعظمةٍ وإجلال؛ فإنه ما زال يُقرب أهل العلم من ساحة إحسانه، ويأويهم إلى كنف جوده وامتنانه، ويقابل محسنهم بالإحسان، ومسيئهم بالغفران، وفاضلهم بالإفضال، وكبيرهم بالإكرام والإجلال.
1 / 2
فرغب في تحصيل العلوم من لم تكن له رغبة، وتأهب للاشتغال من لم يكن عنده الهبة، وصار كل منهم يظهر بالتأليف مقدوره، ويبذل في التصنيف ميسوره، ويُشرف ما ألفه وصنفه، بخدمة سُدته السنية، وأبوابه العلية، ويبلغ به من إحسانه أقصى المرام والأمنية.
فأحببت أن أدخل نفسي في عدادهم وإن لم أكن لذلك أهلًا، وأضرب معهم في الخدمة بسهمٍ وإن لم أكن ممن يعرف الضرب أصلًا.
فالكريم يغض عن الزلة، والحليم يعفو عن الذنب؛ والخيار يستر العوار، والكلام يُشرف فيمن قيل فيه.
وقد شرفت نظمي بمديحه، وقلت فيه قصيدة، أحببت أن أجعلها في هذه المقدمة مُقدمة، وفي هذه الترجمة مُفخمة.
وهي هذه:
دَانتْ لهَيْبَتِك الأيَّامُ والأُمَمُ ... وقد أطَاعَكَ فيها السَيفُ والقلمُ
وليسَ يخرُجُ عن أمرٍ أمَرْتَ به ... إلا شقيٌّ بهِ قدْ زَلتِ القدَمُ
وَأصْبحَ الجَوْرُ لا يُجارُ ولا ... يُلْفي له في جميع الأرض مُعْتَصَمُ
والعدلُ في كفِّه مَاضٍ أشَمُّ به ... من عُصْبَةِ الظلمِ والعدوان ينتقمُ
لا يظلمُ الذئبُ شاةَ البَرِّ ليس لها ... رَاعٍ سواهُ وقد أوْدَى به النَّهَمُ
هذا الذي قِيل في أمْثالِ مَن سَلفوا ... مِن كَثْرِة الأمْنِ يمشي الذئبُ والغنمُ
يُحْصَى الحَصَا قبلَ أن تُحْصَى مَآثرُه ... والغيْثُ يفْنَى ولا تفنىَ لهُ نِعَمُ
يُكاثِر الرَّملَ في الهَيْجَاء عَسْكرُهُ ... وَكلُّ مَن شئتَ منهُم وَحْدَهُ أممُ
هو المرادُ الذي رَبُّ العبَادِ قَضَى ... في عَالم الذَّرِّ أن يَحْيَى به العَدَمُ
وَأن تَعُدَ به الدنيا كما بُدِئتْ ... عِلْمًا وعَدْلًا وجُودًا دُونَه الدِّيَمُ
أما ترى العلمَ ينمُو كُلَّ آونةٍ ... والجَهْل يَزدَادُ نقصًا ليس يَنكتمُ
أمَا ترى عَلَمَ الإسْلامِ مُرْتفعًا ... والكفرُّ أصبَحَ لاَ بَنْدٌ ولا عَلَمُ
والمالُ فاضَ وفاض البَاذِلُونَ له ... وكلُّ أرْضٍ على مَن حَلَّهَا حَرَمُ
يَا آلَ عُثمانَ يا مَن لا نظيرَ لهُمْ ... بين الملُوك وهل يُرجَى نظيرُهُمُ
يا مَن بأعْتابهمْ مِن حين مَا نُصِبَتْ ... شِفاهُ كلِّ مُلُوكِ الأرْض تستلمُ
لم تصْفُ للناس أيَّامٌ ولا سَلمتْ ... من التكدُّرِ إلا في زَمَانِكمُ
فاللهُ يُبْقِي لأهْلِ الأرض دَوْلَتَكم ... فإنِّها دَوْلةٌ يحيى بهَا النَّسَمُ
واللهُ يُعْطيكُمُ مَالا يُحيطُ بِهِ ... وَصْفٌ وَلا عَن مَدَاهُ تُفْصِحُ الكَلِمُ
ولا تزال الوَرَى في ظلِّ دَوْلتكمْ ... بخَفْضِ عَيشٍ وَثغْرُ الدَّهْر يَبْتسمُ
باب
يشتمل على فوائد مهمة، تتعلق بفن التاريخ،
لا يسع المؤرخ جهلها وهو باب يشتمل على فصول:
الفصل الأول
كانت العرب تؤرخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤي، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما مائة وعشرين سنة.
قال أبو الفرج الأصبهاني، صاحب " الأغاني ": إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو ابن مخزوم، أرخت قريش بوفاته مُدة؛ لإعظامها إياه، حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا. هكذا ذكره ابن دأب.
وأما الزبير بن بكار فذكر أنها كانت تؤرخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين، إلى أن كانت السنة التي بنو فيها الكعبة، فأرخوا بها. انتهى.
وأرخ بنو إسماعيل ﵊ من نار إبراهيم ﵊ إلى بنائه البيت، ومن بنائه البيت إلى تفرق معد ومن تفرق مَعَدِّ إلى موت كعب بن لؤي؛ ومن عادة الناس أن يؤرخوا بالواقع المشهور، والأمر العظيم، فأرخ بعض العرب بأيام الخُنان لشُهرتها.
قال النابغة الجعدي:
فَمَنْ يَكُ سائلًا عني فإني ... مِن الفِتيْان أيامَ الخُنَان
مَضَتْ مائةٌ وُلدتُ فيه ... وعامٌ بعد ذاك وحجتان
1 / 3
وَقد أبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهر مني ... كما أبقتْ من السَّيْفِ اليَمَاني
قال الشريف المرتضى، في كتابه " غُرر الفوائد، ودُرر القلائد ": إن أيام الخُنان أيام كانت للعرب قديمة، هاج بهم مرض في انوفهم وحلوقهم.
قلت: وهو بضم الخاء وفتح النون، وقد يشتبه بالخِتان، بكسر الخاء والتاء المثناة من فوق.
وكانت العرب تؤرخ بالنجوم، وهو أصل قولك: نَجَّمتُ على فلان كذا حتى يُؤديه في نجوم. وأول من أرخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، في شهر ربيع الأول، سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك، أن أبا موسى الأشعري ﵁، كتب إلى عمر ﵁: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها نعمل، قد قرأنا صكًا منها محلة شعبان فما ندري أي الشعبانين، الماضي أو الآتي. فعل عمر رضي الله تعالى عنه على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوله رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله من المُحرم، وهو آخرها، فصيره أولًا لتجتمع في سنة واحدة.
وكان قد هاجر ﷺ يوم الخميس، لأيام من المحرم، فمكث مُهاجرًا بين سير ومقام مُدة شهرين وثمانية أيام.
فصل
تقول العرب: أرخت وورخت، فيقلبون الهمزة واوًا، لأن الهمزة نظير الواو في المخرج، فالهمزة من أقصى الحلق، والواو من آخر الفم، فهي تحاذيها، ولذلك قالوا في وعد: أعد، وفي وجوه: أجُوه، وفي أثؤب: أثوب، وفي أحد: وحد. فعلى ذلك يكون المصدر تاريخاوتوريخا بمعنى.
وقاعدة التاريخ عند أهل العربية أن يؤرخوا بالليالي دون الأيام؛ لأن الهلال إنما يُرى ليلًا، ثم إنهم يُؤنثون المذكر ويذكرون المؤنث، على قاعدة العدد؛ لأنك تقول: ثلاثة غلمان، وأربع جواري.
إذا عرفت ذلك، فإنك تقول في الليالي ما بين الثلاث إلى العشر: ثلاث ليالي، وأربع ليالي، إلى بابه.
وتقول في الأيام ما بين الثلاثة إلى العشرة: ثلاثة أيام، وأربعة أيام، إلى بابه.
وأما واحد واثنان، فلم يُضيفوها إلى مميز، فأما ما جاء من قول الشاعر:
كأنَّ خُصْيَيْه مِن التَّدَلدُلِ ... ظَرف عجُوزٍ فيه ثِنتا حَنظَلِ
فبابهُ الشعر، وضرورة الشعر لا تكون قاعدة، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لأنه يكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ فإنك إذا قلت: اثنا يومين، أو واحد رجل، فاليومان هما الاثنان، والواحد هو الرجل، وإذا قلت: يومٌ ورجلان. فقد دللن على الكمية والجنس، وليس كذلك في أيام ورجال، فيما فوق الثلاثة؛ لأن ذلك يصح على القليل والكثير، فيُضاف العدد إليه لتعلم الكمية.
وأضافوا العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جموع القِلة، فقالوا: ثلاثة أيام، وأربعة أحمال، وخمسة أشهر، وستة أرغفة، ولا يورد هاهنا قوله تعالى: (ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ)، لأنه ميز الثلاثة بجمع الكثرة؛ لأن المعنى كل واحد من المطلقات تتربص للعدة ثلاثة أقراء، فلما كان مجموع الأقراء من المطلقات كثيرًا ميز الثلاثة، بجمع الكثرة، ولا يُضاف عدد أقل من ستة إلى مُميزين؛ ذكرٍ وأنثى؛ لأن كل واحدٍ من المميزين جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
وقالوا في العدد المركب من بعد العشرة إلى العشرين، وهو أحد عشر وبابه: إحدى عشرة ليلة، وما بعده إلى العشرين، بإثبات التأنيث في الجُزءين من إحدى عشرة، واثنتي عشرة، وحذف التأنيث من الجزء الأول في الباقي للمؤنث. وأحد عشر يومًا، واثنا عشر يوما، وثلاثة عشر يوما، وما بعده إلى العشرين، بخلو الجزءين الأولين من التأنيث وإثباته في الجزء الأول لما بعده في المذكر، والحجازيون يسكنون الشين في عشرة، وبنو تميم يكسرونها.
وميزوا ما بعد العشرة إلى العشرين وما بعدها من العُقود إلى التسعين، بمنصوب فقالوا: أحد عشر كوكبًا وأربعين ليلة، وأتوا بواو العطف بعد العشرين، ومنعوها بعد العشرة إلى العشرين، فقالوا: أحد وعشرون، وأحد عشرة، وقالوا: مائة يوم، ومائتا يوم؛ فجعلوا المميز من المائة إلى الألف وما بعده مُضافًا، ولم يُجروه مُجرى ما بعد العشرة إلى التسعين.
وقالوا: ثلاثمائة وأربعمائة. وبابه، فميزوه بالمفرد، ولم يميزوا بالجمع، وقالوا: ألف ليلة. فأجروا ذلك في التمييز مُجرى المائة.
فائدة
1 / 4
لفظ " ألف " مُذكر، والدليل عليه قوله تعالى: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ)، وقد تقرر أن المعدود المذكر يؤنث، والمؤنث يذكر.
ولا يورد قولهم: " هذه ألف درهم "؛ فإن الإشارة إنما هي إلى الدراهم، لا إلى الألف، وتقديره: هذه الدّراهم ألف.
فائدة أخرى
إذا أردت تعريف العدد المُضاف، أدخلت الأداة على الاسم الثاني، فتعرف به، نحو " ثلاثة الرجال "، " ومائة الدراهم " كقولك: " غُلام الرجُل ". قال ذو الرمة:
وهل يَرْجعُ التسليمَ أو يكشِف العَمَى ... ثلاثُ الأثافي والرِّسُومُ البَلاقِعُ
ولا يجوز " الخمسة دراهم "؛ لأن الإضافة للتخصيص، وتخصيص الأول باللام يُغنيه عن ذلك، فأما ما لم يُضف، فأداة التعريف في الأول نحو " الخمسة عشر درهمًا "؛ إذ لا تخصيص بغير اللام، وقد جاء شيء على خلاف ذلك.
تنبيه
الفصيح أن تقول: " عندي ثماني نسوة " و" ثماني عشرة جارية " و" وثماني مائة درهم "؛ أن الياء هُنا ياء المنقوص، وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب، كياء قاضي وأما قول الأعشى:
وَلقد شربتُ ثمانيًا وَثمانيًا ... وَثَمانِ عشرَةَ واثْنتَين وأربَعَا
فبابه ضرورة الشعر، كما قال الآخر:
وطرْتُ بمُنْصُلِى في يَعْمَلاتٍ ... دَوَامِى الأيدِ يَخْبِطْنَ السرِيحَا
يريد " الأيدي " على أنه قد قُرِئ: (وَلَهُ الْجَوارُ المُنْشَآتُ) . بضمِّ الرَاء.
فصل في كيفية كتابة التاريخ
تقول للعشرة وما دونها: خَلَون؛ لأن المميز جمع، والجمع مؤنث.
وقالوا لما فوق العشرة: خَلَت، ومَضت؛ لأنهم يريدون أن مميزه واحد.
وتقول من بعد العشرين: لتسع إن بقين، وثمان إن بقين، تأتي بلفظ الشك؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصًا أو كاملًا.
وقد منع أبو على الفارسي: لمُستَهَل؛ لأن الاستهلال قد مضى، ونص على أن يؤرخ بأول الشهر في اليوم، أو بليلة خَلت منه.
قال: ولهم اختيار آخر، وهو أن تجعل ضمير الجمع كثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة، كما نطق القرآن به، قال الله تعالى: (إنَّ عِدَّة الشُّهُورِ عنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ والأرْضَ مِنها أربعةٌ حُرُمٌ ذلك الدّينُ القَيِّمُ فلا تَظْلِمُوا فِيهنَّ أنْفُسَكُمْ) . فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
وكذلك اختاروا أيضًا أن ألحقوا لصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة، وأقمت أيامًا معدودة. وألحقوا لصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا: أقمت أيامًا معدودات، وكسوته أثوابًا رفيعات.
وعلى هذا جاء في سورة البقرة: (وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنا النَّارُ إلا أيامًا مَعْدُودَةً) . وفي سورة آل عمران (إلاَّ أيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) . كأنهم قالوا أولا بِطُول المدّة، ثن إنهم رجعوا عنه فقصروا المدة انتهى.
والواجب أن تقول في أول الشهر: لليلة خلت منه، أو لغرته، أو لمُستهله.
فإذا تحققت آخره، قلت: انسلاخُهُ، أو سَلخُه، أو آخره.
قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرخ بالأقل فيما مضى وما بقى، فإذا أرخت بأيهما شئت.
وقال الصلاح الصفدي، بعد نقله كلام ابن عصفور هذا، قلتُ: بل إن كان في خامس عشر، قلت: منتصف، أو في خامس عشر، وهو أكثر تحقيقًا؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصًا، وإن كان في الرابع عشر، ذكرته، أو السادس عشر ذكرته.
تنبيه
قال الصلاح الصفدي: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرًا، وطلبت الخاصة في ذلك فلم أجدها أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، مثل شهري ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدْرِ العلة في ذلك ما هي؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغي أن يُحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع في ذلك راآن، وهم قد فروا من ذلك وكتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية الجمع بين المثلين. انتهى.
1 / 5
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه " نظم العقبان، في أعيان الأعيان "، بعد نقله كلام الصفدي هذا، قلت: قد تعرض للمسألة من المتقدمين ابن درستويه، في الكتاب " المتمم "، فقال: الشهور كلها مُذكرة إلا جمادى، وليس شيء منها يُضاف إليه شهرًا إلا شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنْزِلَ فيه القُرآنُ) .
وقال الراعي:
شَهْرَيْ رَبيعٍ مَا تذُق لَبُونهُم ... إلا حُمُضًا وَخْمَة ودَوِيلًا
فما كان من أسمائها أسمًا للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذي لم يَجُزْ أن يضاف الشهر إليه، ولا يُذكر معه، كالمحرم، إنما معناه الشهر المحرم؛ وهو من الأشهر الحرم، وكصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يُصفر صفرًا، إذا خلا، وجُمادى، وهي معرفة، وليست بصفة، وهي من جمود الماء، ورجب وهو معرف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشيء. أي عَظمته؛ لأنه أيضًا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان، من التشعب والتفرق، وشوال، وهو صفة جَرَت مجرى الاسم، وصارت معرفة، وفيها تشول الإبل، وذي القعدة، وهي صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذي الحِجة مثله، مأخوذ من الحج.
وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بد من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدُلُك على ذلك أن رمضان فعلان من الرمضاء، كقولك الغليان، وليس الغليان بالشهر ولكن الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسمًا معرفة للرمضاء، فلم يُصرف لذلك، فأما رواة الحديث فيرون أن اسم من أسماء الله تعالى. وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكن الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسمًا للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع الأول والآخر، فهما صفتان لشهرٍ، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مُضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة.
انتهى كلام ابن درستويه كما نقله السيوطي.
ويؤخذ منه أن رجب لا يُضاف إليه لفظ شهر. كما ذكر الصفدي، فليتأمل.
وجرت العادة بأن يقولوا في شهر المحرم: شهر الله. وفي شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصم، أو الأصب، وفي شعبان: المُكرم، وفي رمضان: رمضان المعظم. وفي شوال: شوال المبارك، ويؤرخوا أول شوال بعيد الفطر، وثامن الحجة، بيوم التروية، وتاسعه، بيوم عرفة، وعاشره بعيد النحر، وتاسع المحرم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء. فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السنة.
فائدة
قد يجئ في بعض المواضع " نيف " و" بضع "، مثل قولهم: نيف وعشرون، وهو بتشديد الياء ومن قال: نيف. بسكونها، فذاك لحن. وهذا اللفظ مُشق من أناف على الشيء، إذا أشرف عليه، فكأنه لما زاد على العشرين كان بمثابة المُشرف عليها، ومنه قول الشاعر:
حَلَلْتُ برَابِيةٍ رَأسُهَا ... على كُلِّ رابِيَةٍ نَيَّفُ
واختلف في مقداره، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة.
قال الصفدي: ولعل هذا الأقرب إلى الصحيح.
1 / 6
وقولهم: بِضع عشر سنة. البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: بل هو ما دون نصف العقد. وقد انزوى القول الأول إلى النبي ﷺ، في تفسير قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهمْ سَيَغْلِبُونَ* في بِضْعِ سِنِينَ)، وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس؛ لأنهم أهل أوثان، فلما بشر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، سُر المسلمون بذلك، ثم إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بادر إلى مشركي قريش، فأخبرهم بما له مُدة الثلاث سنين، ثم أتى النبي ﷺ، فسأله كم البضع، فقال، ما بين الثلاث إلى العشر. فأخبره بما خاطر به أبي بن خلف. فقال: " ما حملك على تقريب المدة؟ "، فقال: الثقة بالله ورسوله ﷺ. فقال النبي ﷺ: " عُدْ إليهِمْ فَزِدْهُمْ في الخَطْرِ وَازْدَدْ في الأجَلِ ". فزادهم قلوصين، وازداد منهم في الأجل سنتين، فأظفر الله تعالى الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني، تصديقًا لتقدير أبي بكر ﵁.
وكان أُبَيٌّ قد مات من جرح رسول الله ﷺ، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أُبي، فقال النبي ﷺ: " تَصدَّق بِهِ " وكانت المُخاطرة بينهما قبل تحريم القِمار.
وقيل: الذي خاطر أبا بكر ﵁ إنما هو أبو سفيان، والأول أصح.
كذا في " الوافي بالوفيات " للصلاح الصفدي، رحمه الله تعالى.
باب
في بيان العلم، والكُنية، واللقب، وكيفية ترتيب
ذلك مع النسبة على اختلافها المتنوع
اعلم أن الدال على مُعين مطلقا إما أن ييكون مُصدرًا باب أو أم كأبي بكر، وأم كلثوم، وأم سلمة، وإما أن يشعر برفعة المسمى، كمُلاعب الأسنة، وعروة الصعاليك، وزيد الخيل، والرشيد، والمأمون، والواثق، والمكتفي، والظاهر، والنصر، وسيف الدولة، وعضد الدولة، وجمال الدين، وعز الدين، وإمام الحرمين، وصدر الشريعة، وتاج الشريعة، وفخر الإسلام، وملك النحاة، وإما أن يشعر بضعة المسمى كجُحى، وشيطان الطاق، وأبي العبر، وجحظة، وقد لا يشعر بواحد منهما، بل أجرى عليه ذلك بواقعة جرت، مثل: غسيل الملائكة، وحمى الدَّبر، ومُطين، وصالح جزرة، والمُبرد، وثابت قُطنة، وذي الرمة، والصعق، وصردر، وحيص بيص.
فهذه الأقسام الثلاثة تسمى الألقاب.
وإلا فهو الاسم الخاص، كزيد وعمرو، وهذا هو العلم، وقد يكون مفردًا كما تقدم، وقد يكون مركبًا، إما من فعل وفاعل كتأبط شرًا، وبرق نحره، وإما من مُضاف ومضاف إليه كعبد الله، أو من اسمين قد رُكبا وجُعلا بمنزلة اسم واحد كسيبويه، والمفرد قد يكون مُرتجلًا، وهو الذي ما استعمل في غير العلمية، كمذحج وأدد، وقد يكون منقولًا، إما من مصدرٍ؛ كسعد، وفضل، أو من اسم فاعل؛ كعامر، وصالح، أو من اسم مفعول؛ كمحمد، ومسعود، أو من أفعل تفضيل؛ كأحمد، وأسعد، أو من صفة؛ كثقيف وهو الدرب بالأمور الظافر بالمطلوب، وسلول، وهو الكثير السل، وقد يكون منقولًا من اسم عين؛ كأسد، وصقر، وقد يكون منقولًا من فعل ماض؛ كأبان وشمَّر، أو من فعل مضارع؛ كيزيد، ويشكر.
وإذ قد عرفت العلم، والكنية، واللقب، فسردها يكون على الترتيب: تُقدم اللقب على الكنية، والكنية على العلم، ثم النسبة إلى البلد، ثم الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى المذهب في الاعتقاد، ثم إلى العلم، أو الصناعة، أو الخلافة، أو السلطنة، أو الوزارة، أو القضاء، أو الإمرة، أو المشيخة، أو الحج، أو الحرفة، كلها مقدم على الجميع.
فتقول في الخلافة: أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العباس أحمد السامري، إن كان بسر من رأى، البغدادي، فرقًا بينه وبين الناصر الأموي صاحب الأندلس، الحنفي الأشعري، إن كان يتمذهب في الفروع بفقه أبي حنيفة، ويميل في الاعتقاد إلى أبي الحسن الأشعري، ثم تقول: القُرشي، الهاشمي، العباسي.
وتقول في السلطنة: السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي - نسبة إلى أستاذه الملك الصالح - التُركي الحنفي البندقدار، أو السلاح دار.
وتقول في الوزراء: الوزير فلان الدين أبو كذا، وتسرد الجميع كما تقدم، ثم تقول: وزير فلان.
1 / 7
وتقول في القضاة كذلك: القاضي فلان الدين، وتسرد الباقي، كما تقدم.
وتقول في الأمراء كذلك: الأمير فلان الدين، وتسرد الباقي، إلى أن تجعل الآخر وظيفته التي كان يُعرف بها قبل الإمرة، مثل الجاشكير، أو الساقي، أو غيرهما.
وتقول في أشياخ العلم: العلامة، أو الحافظ، أو المسند، فيمن عُمِّر وأكثر الرواية، أو الإمام، أو الفقيه، وتسرد الباقي إلى أن تختم الجميع بالأصُولي، أو النحوي، أو المنطقي.
وتقول في أصحاب الحرف: فلان الدين، وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة إما البزاز، أو العطار، أو الخياط.
فإن كان النسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قلت: القُرشي، التيمي، البَكري؛ لأن القرشي أعم من أن يكون تيميًا، والتيمي أعم من أن يكون من ولد أبي بكر ﵁.
وإن كان النسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوي، العُمري.
وإن كان النسب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأموي، العُثماني.
وإن كان النسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قلت: القُرشي، الهاشمي، العلوي.
وإن كان النسب إلى طلحة رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، التيمي، الطلحي.
وإن كان النسب إلى الزبير رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأسدي، الزبيري.
وإن كان النسب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قلت القرشي، الزهري، السعدي.
وإن كان النسب إلى سعيد رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوي، السعيدي، إلا أنه ما نُسب إليه فيما عُلم.
وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قلت، القرشي، الزهري، العوفي، من ولد عبد الرحمن بن عوف.
وإن كان النسب إلى أبي عبيدة بن الجراح، قلت: القرشي، من ولد أبي عبيدة، على أنه ما أعقب.
هذا الذي ذكرته هنا هو القاعدة المعروفة، والجادة المسلوكة المألوفة، عند أهل العلم.
وإن جاء في الكتاب في بعض التراجم ما يُخالف ذلك من تقديم وتأخير، فإنما هو سبق من القلم، وذهول من الفكر، وما خالف الأصل يُرد إليه، ولا يعترض بعد وضوح الاعتذار عليه. والله أعلم.
تنبيه
كلما رفعت في أسماء الآباء والنسب وزدت انتفعت بذلك، وحصل لك الفرق. فقد حكى أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، قال: حججت في سنةٍ، وكنت بمنى أيام التشريق، فسمعت مُناديًا يُنادي: يا أبا الفرج. فقلت: لعله يريدني، ثم قلت: في الناس كثير ممن يُكنى أبا الفرج، فلم أجبه، فنادى: يا أبا الفرج المُعافى. فهممت بإجابته، ثم قلت: قد يكون من اسمه المعافى وكنيته أبو الفرج. فلم أجبه. فنادى يا أبا الفرج المُعافى بن زكريا النهرواني. فقلت: لم يبق شك في مناداته إياي؛ إذ ذكر كنيتي، وأسمي، وأسم أبي، وبلدي، فقلت: ها أنا ذا، فما تريد؟ فقال: لعلك من نهروان الشرق؟ فقلت: نعم.
فقال: نحن نريد نهروان الغرب.
فعجبت من اتفاق ذلك. انتهى.
وكذلك الحسن بن عبد الله العسكري أبو هلال، صاحب كتاب " الأوائل "؛ والحسن بن عبد الله العسكري أبو أحمد اللغوي صاحب كتاب " التصحيف " كلاهما الحسن بن عبد الله العَسكري، الأول موجودًا في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، والثاني توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، فاتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة، والعلم، وتقاربا في الزمان، ولم يُفرق بينهما إلا بالكنية؛ لأن الأول أبو هلال؛ والثاني أبو أحمد، والأول ابن عبد الله بن سهل ابن سعيد والثاني ابن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل؛ ولهذا كثير من أهل العلم بالتاريخ لا يفرقون بينهما، ويظنون أنهما واحد.
ومثل هذا كثير جدًا. وفي هذا القدر كفاية. والله تعالى أعلم.
فصل
في معرفة أصل الوفاة من حيث اللغة
وفي ذكر فائدتها في التواريخ
1 / 8
فنقول: أصلها وَفَيَة، بتحريك الواو والفاء والياء، على وزن بقرة، ولما كانت الياء حرف علة سكنوها فصارت وَفَيْة، فلما سُكنت الياء وانفتح ما قبلها قُلبت ألفا، فقالوا: وَفَاة، ولهذا لما جمعوه رجعوا إلى أصله، فقالوا: وَفَيات، بفتح الواو والفاء والياء، كما قالوا شجرة وشجرات. وقالوا في الفعل منه: تُوفِّي زيد، بضم التاء والواو وكسر الفاء وفتح الياء، فبنوه على مال يُسم فاعله؛ لأن الإنسان لا يتوفى نفسه، فعلى هذا المتوفى، بكسر الفاء هو الله، أو أحد الملائكة بأمره تعالى، وزيد المتوفى، بفتح الفاء.
وقد حُكي أن بعضهم حضر جنازة فسأل بعض الفضلاء، وقال من المتوفِّي؟ بكسر الفاء. فقال: الله تعالى. فأنكر ذلك. إلى أن بين لع الغلط، فقال: قُل المُتوفَّى بفتح الفاء. ذكر ذلك الصفدي في مقدمة تاريخه " الوَافي بالوفيات ".
وذكر فيه أيضًا فوائد للتاريخ، وقال: منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابًا فيه أن رسول الله ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر، خطيب بغداد، فتأمله، وقال: إن هذا مزور. فقيل له: من أين لك ذلك؟. فقال: فيه شهادة معاوية رضي الله تعالى عنه، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر سنة سبع، وفيه سعد ابن معاذ رضي الله تعالى عنه، ومات سعد يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين. ففرج ذلك على المسلمين غمًا.
قال الصلاح الصفدي: وروي عن إسماعيل بن عياش، أنه قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا ها هنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟.
فقال: سنة ثلاثة عشرة، يعني: ومائة.
فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، لأن خالدًا مات سنة ست ومائة.
وروي عن الحاكم أبي عبد الله، أنه قال: لما قدم أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي - بالشين والسين معًا - وحدث عن عبد الله بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين. فقلت لأصحابنا: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وفوائد تاريخ الوفاة لا تنحصر، وهذا القدر كافٍ منها، والله أعلم.
باب
في تعريف التاريخ
بيان معناه وفضيلته، في أدب المؤرخ أقول وبالله التوفيق: قد كثرت الأقوال في تعريف التاريخ، وبيان فضيلته، وأحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب " غرر المحاضرة، ودُرر المكاثرة "، وهو الشيخ الإمام المؤرخ تاج الدين علي بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال في كتابه المذكور: قال العلماء: التاريخ مَعادٌ معنوي؛ لأنه يعيد الأعصار وقد سلفت، وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت، وبه يستفيد عقول التجارب من كان غرًا، ويلقى آدم ومن بعده من الأمم وهلم جرا، فهم لديه أحياء وقد تظمنهم بطون القبور، وغياب وهم عنده في عداد الحضور، ولولا التاريخ لجُهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تُراب، وكذلك لولاه لماتت الدول بموت زعمائها، وعمي على الأواخر حال قُدمائها.
ولمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب الله المُنزلة، فمنهم ما أتى بأخباره المُجملة، ومنا ما أتى بأخباره المفصلة. وقد ورد في التوراة سفر من أسفارها، يتضمن أحوال الأمم السالفة ومُدد أعمارها.
وكانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التواريخ جُل دواعيها، وتجعل لها أوفر حظ من مساعيها، وتستغني بحفظ قلوبها عن حفظ مَكتوبها، وتعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كل ذلك عناية بأخبار أوائلها، وأيام فضائلها، فهل للإنسان إلا ما أسسه وبناه، وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه. انتهى.
وأما أدب المؤرخ، فقد ذكر أبن السُبكي في " طبقاته الكبرى " له قاعدة حسنة، فقال: قاعدة في المؤرخين نافعة جدًا، فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس، أو رفعوا أتاسًا، إما لتعصب، أو لجهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل في المؤرخين أكثر منه في أه الجرح والتعديل، وكذلك التعصب، قل أن رأيت تاريخًا خاليًا من ذلك.
1 / 9
وأما تاريخ " شيخنا الذهبي " غفر الله له، فإته على حسنه وجمعه، مشحون بالتعصب المُفرط، لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني الفقراء، الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المُجسمة. هذا وهو الحافظ المِدره، والإمام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين.
فالرأي عندنا لا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين، إلا بما اشترطه إمام الأئمة، وحبر الأمة، وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى، حيث قال، ونقلته من خطه في مجاميعه: يُشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، وأن لا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه؛ فهذه شروط أربعة فيما ينقله.
ويُشترط فيه أيضًا لما يُترجمه من عند نفسه، ولما عساه يطول في التراجم من المنقول ويقصر، أن يكون عارفًا بحال صاحب الترجمة، علمًا، ودينًا، وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جدًا، وأن يكون حسن العبارة، عارفًا بمدلولات الألفاظ، وأن يكون حسن التصور، حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه، وأن لا يغلبه الهوى، فيخيل إليه هواه الإطناب في مدح من يحبه، والتقصير في غيره، بل يكون مجردًا عن الهوى، وهو عزيز جدًا وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه، ويسلك طريق الإنصاف. فهذه أربعة شروط أخرى، ولك أن تجعلها خمسة؛ لأن حسن تصوره وعلمه، قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف، فتجعل حضور التصور زائدًا على حسن التصور، والعلم. فهذه تسعة شروط في المؤرخ. وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في اعلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، والقرب منه حتى يعرف مرتبته. انتهى.
ثم ذكر أن كتابته لهذه الشروط بعد أن وقف على كلام ابن معين في الشافعي، وقول أحمد ابن حنبل: إنه لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقول.
قلت: وما أحسن قوله " ولما عساه يطول في التراجم من المنقول، ويقصر " فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يغفل عنها كثيرون؛ ويحترز منها الموفقون، وهي تطويل التراجم وتقصيرها؛ فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ثم يأتي إلى من يُبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما نقل من ممادحه، ويجئ إلى من يُحبه فيعكس الحال فيه، يظن المسكين أنه لم يأت بذنبٍ؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحدٍ ولا استيفاء. ما ذكر من ممادحه، وما يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة لله، ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين، في تأدية ما قيل في حقه؛ من مدح وذم، فهو كمن يُذكر بين يديه بعض الناس فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه. فيظن أنه لم يعتبهُ بشئٍ من ذلك، وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة.
ولقد وقفت في " تاريخ الذهبي " على ترجمة الشيخ الموفق ابن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين ابن عساكر، وقد أطال تلك، وقصر هذه، وأتى بما لا يشك الثبت أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري، وذلك حنبلي، وسيقفون بين يدي رب العالمين.
وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام: " وأن لا يغلبه الهوى "؛ فإن الهوى غلاب إلا من عصمه الله تعالى.
وقوله: " فإما أن يتجرد عن الهوى، أو يكون عنده العدل ما يقهر به هواه " عندنا فيه زيادة، فنقول: قد لا يتجرد من الهوى، ولكنه لا يظنه هوى، بل يظنه لجهله، أو لبدعته حقًا؛ ولذلك لا يتطلب ما يقهر به هواه؛ لأن المستقر في ذهنه أن محق، وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين في العقائد بعضهم في بعض، فلا ينبغي أن يقبل قول مُخالف في العقيدة على الإطلاق، إلا أن يكون ثقة، وقد روى شيئًا مضبوطًا عاينه أو حققه.
وقولنا: " مضبوطًا " احترزنا به عن رواية مالا ينضبط، من الترهات التي لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شيء.
وقولنا: " عاينه أو حققه " ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخص ترويجًا لعقيدته.
1 / 10