الروايتين والوجهين - المسائل الفقهية منه

محقق

عبد الكريم بن محمد اللاحم

الناشر

مكتبة المعارف

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م

مكان النشر

الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتقرَّب إليه به، حمد الراضي من عباده بشکره، وإياه أسأل التوفيق منه، وأن يصلي على محمد خيرته من خلقه، وعلى أهله وأصحابه من بعده، وبه أستعين على ما قصدته برحمته.
هذا كتاب يشتمل على ذكر المسائل التي اختلفت الرواية فيها عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني - رحمة الله عليه - وشرحها وبيانها، وذكر ما عرف من مواضعها وبيان صحيحها وضعيفها، وإيراد نكتة لكل رواية منها ويضاف إلى ذلك بيان المسائل التي اختلف أصحابنا فيها وإضافة كل قول إلى قائله، وذكر ما يعتمد عليه الصحة قوله، وتمييز الصحيح من غيره.
والله الموفق والمعين منه وفضله ...

1 / 55

كتاب الطهارة
مسائل في أحكام المياه
الوضوء بالماء المتغير بمائع طاهر:
١ - مسألة اختلفت الرواية عن أحمد في الماء إذا خالطه مائع طاهر فغير أحد صفاته.
فنقل جعفر بن محمد، وبكر بن محمد جواز الوضوء به لأنه تغير بطاهر لم يخرجه عن طبعه، أشبه إذا تغير بورق الشجر والطحلب والطين.
ونقل الصاغاني كلامًا يدل على أنه لا يجوز الوضوء به، وهو اختيار الحرقي وهو أصح، لأنه تغير بمخالطة ما ينفك عنه غالبًا، أشبه إذا تغير بالباقلاء المغلي.
الطهارة من ماء زمزم:
٢ - مسألة: واختلفت في كراهية الغسل والوضوء من ماء زمزم:
فنقل المروي روايتين إحداهما كراهية ذلك، لما روي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: لا أحله لمغتسل لكن لشارب حل وبل، ولأن النبي ﵇ قال: ماء زمزم لما شرب له.

1 / 59

يعني من الشبع والري والمغفرة، فلو قلنا يغتسل ربما اتسع الناس في ذلك فزال المقصود.
والثانية: نفي الكراهية لأنه ليس فيه أكثر من أنها موضع شريف وهذا لا يمنع من الغسل والوضوء كجب يوسف. وعين سلوان، وعين البقر.
الطهارة بالماء المستعمل في طهارة مستحبة:
٣ - مسألة: واختلفت في الماء المستعمل في تحديد الوضوء، هل يجوز رفع الحدث به أم لا؟
فنقل مهنا، وإسماعيل بن سعيد، وعلي بن سعيد فيمن ترك لمعة من جسده من غسل الجنابة ومسحه ببلل لحيته أو شعره يجزيه، وذكر الحديث.
ونقل حمدان بن علي والأثرم: يأخذ ماء جديدًا وقال لا يثبت الحديث عندي ذكر هذا في رواية حمدان.
وجه الأولى: ما روى اسحق بن سويد أن النبي اغتسل من الجنابة فرأى على منكبه لمعة لم يمسها الماء فمسحها بأطراف شعره، ولأن هذا الماء لم يرفع الحدث فجاز الوضوء به كما لو تبرد به.

1 / 60

ووجه الثانية: أن طهارة مقصودة أو طهارة مشروعة فلم يجز رفع الحدث بالماء المنفصل عنها دليله إذا نوى به الحدث أو نقول هذا ماء تعلق به حكم فصار مستعملًا، أو نقول (ماء) حصلت به طهارة فصار مستعملًا كما لو أزيل به الحدث.
حكم الماء الذي يمكن نزحه إذا وقع فيه بول الآدمي أو عذرته ولم يتغير:
٤ - مسألة: واختلفت في الماء إذا كان يمكن نزحه فوقع فيه بول الآدميين أو عذرتهم المائعة.
فنقل الجماعة منهم أبو طالب أنه ينجس، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لما روي عن - النبي ﷺ أنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه، ولم يفرق بين القلتين وما دون.
ونقل بكر بن محمد، وابن يحيى الناقد أنه طاهر إذا كان قتلتين ولم يتغير لأنها نجاسة حصلت في قلتين فلم تغيره فلم تنجسه كسائر النجاسات غير البول والعذرة المائعة، فإن الرواية لا تختلف في ذلك، وأنه لا ينجس.

1 / 61

مسائل في النجاسات وأحكامها
أسور سباع البهائم:
٢ - مسألة واختلفت أيضًا في سؤر البغل والحمار الأهلي:
١ - مسألة واختلفت في أسوار سباع البهائم فنقل حنبل وصالح أنها نجسة وهو اختيار الخرقي وهو أصح لأنه حيوان حرم أكله لا لحرمته يمكن التحرز منه غالبا أشبه الكلب والخنزير ونقل اسماعيل بن سعيد وأبو الحارث أنها طاهرة لما روي عن النبي أنه قال: لها ما أخذت في أفواهها ولنا أبقت شرابا وطهورا
٢ - سؤر البغل والحمار الأهلي
فنقل صالح وعبد الله وحنبل أنه نجس للعلة التي تقدمت.

1 / 62

ونقل حرب أنه مشكوك فيه يتوضأ به ويتيمم لأنه حيوان يجوز بيعه فكان طاهرًا كالشاة.
العدد المشترط في غسل نجاسة غير الكلب والخنزير إذا كانت على غير الأرض:
٣ - مسألة: واختلفت في غسل النجاسات غير الكلب والخنزير إذا كانت على غير وجه الأرض.
فنقل حنبل وأبو طالب يجب غسلها سبعًا، لأنها نجاسة يجب غسلها أشبه نجاسة الكلب والخنزير، فإن المذهب لا يختلف في وجوب العدد فيها سبعًا أو ما إليه في رواية أبي داود [وأومأ في رواية] صالح، إلى أنه لا يجب العدد في ذلك لأنها نجاسة ليس من شرط إزالتها التراب، فلم يجب فيها العدد كما لو كانت على وجه الأرض، فإن الرواية لا تختلف أنه لا يجب العدد في ذلك.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه أنه يجب في الاستنجاء ثلاث وفي غيره سبع، لأن الماء أحد ما يزال به أثر الاستنجاء فكان العدد فيه ثلاثًا دليله الاستجمار.
ونقل أبو طالب عنه: إذا أصاب البول ثوبه غسله سبعًا، وإذا استنجى غسله سبعًا، وإذا أصاب جسده فهو أسهل فظاهر هذا أنه لم يوجب العدد في البدن في غير السبيلين، وفي البول وغيره، وقد ضعف أبو بكر الخلال هذه الرواية، ووجهها أن السبيلين لما دخلهما التغليظ من وجه وهو إيجاب العدد سبعًا دخلهما التخفيف من وجه وهو الاستجمار، فيجب أيضًا في البدن لما دخله التغليظ من وجه، وهو أن لا يزول بغير الماء يجب أن يدخله التخفيف من وجه وهو سقوط العدد.
ونقل حنبل عنه في آنية المجوس تغسل ثلاثًا، وظاهر هذا إنه لم يوجب السبع. والوجه فيه أن - النبي ﷺ أوجب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وجعل العلة فيه وجوب النجاسة بقوله: لا يدري أين باتت يده. فدل على أن غسلها مقدر بالثلاث.

1 / 63

قال أبو بكر بن جعفر في كتاب التنبيه هل يجب استعمال التراب في غير الولوغ على قولين: يعني وجهين أحدهما يجب فيه التراب قياسًا على الولوغ فإن التراب يجب فيه رواية واحدة. والثاني لا يجب فيه التراب، لأن - النبي ﷺ لما قصر على التراب في الولوغ دل على إسقاطه فيما عداه.
العدد المشترط في تطهير نجاسة الكلب والخنزير:
٤ - مسألة: واختلفت في نجاسة الكلب والخنزير.
فنقل الجماعة: صالح، وعبد الله، وابن منصور أنه يجب غسلها سبعًا إحداهما بالتراب، وهو اختيار الخرقي وهو أصح لقول - النبي ﷺ فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب.

1 / 64

ونقل إسماعيل بين سعيد وحرب ثمانيًا إحداهن بالتراب، لما روى في خبر آخر وليعفره الثامنة بالتراب.
حكم صوف الميتة وريشها:
٥ - مسألة: صوف الميتة وشعرها، هل هو طاهر أم نجس ..؟
فنقل الجماعة منهم: أبو الحارث قال: الصوف غير الجلد، وفي رواية حنبل الريش لا يموت ورأيت بخط أبي بكر بن شكا حدثنا الشيخ الصالح من أصحابنا قال: حدثني أبو بكر بن ساموج قال: حدثني أحمد بن محمد بن مسلم، قال: حدثني أبي قال: قلت: لأبي عبد الله: أن الشعر يقع من لحيتي في النسيج: فقال: هي ميتة أقلعها، فقلت له: إني أكون قد عملت بعدها طاقات. قال: أقلعها وظاهر هذا أن شعر الآدميين نجس، فأولى أن يقول بمثل ذلك في شعر البهيمة الميتة، فإن ذهب إلى هذا بعض أصحابنا فوجهه أنه متصل بذي روح ينمى بنمائه، فيجب أن ينجس بنجاسته بموته كالأعضاء، والدلالة على أنه لا ينجس لأنه لا روح فيه بدليل أن الحيوان لا يألم بأخذه منه، ولو كان فيه روح لألم كالأعضاء، ولأنه لو انفصل حال الحياة كان طاهرًا، فلم ينجس بالموت كالبيض واللبن.

1 / 65

طهارة جلود الميتة بالدباغ:
٦ - مسألة: واختلفت في جلود الميتة.
فنقل الجماعة منهم: صالح وعبد الله والأثرم، وحنبل، وابن منصور، وأبو الصقر أنها لا تطهر بالدباغ، لما روي عن - النبي ﷺ أنه كتب إلى جهينة: كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.
ونقل الصاغاني أن يطهر بالدباغ جلد كل حيوان طاهر حال الحياة لقول - النبي ﷺ أيما إهاب دبغ فقد طهر.

1 / 66

فصل: فإن قلنا لا يطهر بالدباغ فدبغت، فهل يجوز الانتفاع بها في اليابسات دون المائعات؟ على روايتين: إحداهما لا يجوز، نص عليه في رواية حنبل فقال: كل ما لا يؤكل لحمه حرام لبسه وافتراشه، وكذلك نقل صالح عنه قال: كل ما لا يؤكل لحمه من ذي ناب من السبع فلا يفترش.
افتراش جلود النمور والسباع:
٧ - مسألة: وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد في جلود النمور والسباع على السروج فقال: أكره ذلك كله، وكذلك نقل الميموني في الثعلب، لتعظيم الحرمة فلا يلبس لأنه سبع، والرواية الثانية يجوز نص عليه في رواية أبي الحارث فقال: لا يصلي في أهب السباع وإن دبغت وأما اللباس فأرجو.
وجه الأولى ما تقدم من حديث ابن عكيم، وأن - النبي ﷺ نهى أن ينتفع من الميتة بجلد ولا عصب، هذا عام.
وروى أبو المليح عن أبيه أن - النبي ﷺ نهى عن جلود السباع، وروى أبو هريرة عن - النبي ﷺ قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر، ولأنه جلد ميتة فأشبه قبل الدباغ، ولأن الله تعالى حرم الميتة على الإطلاق.

1 / 67