القواعد النورانية الفقهية
محقق
د أحمد بن محمد الخليل
الناشر
دار ابن الجوزي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٢ هجري
مناطق
•سوريا
الإمبراطوريات و العصور
المماليك (مصر، سوريا)، ٦٤٨-٦٩٢ / ١٢٥٠-١٥١٧
بِهِ سُلْطَانًا» ".
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ نَافِعَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ:
الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْإِجَارَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعَادَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهَا فِي مَعَاشِهِمْ - كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ - فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْعَادَاتِ بِالْآدَابِ الْحَسَنَةِ، فَحَرَّمَتْ مِنْهَا مَا فِيهِ فَسَادٌ، وَأَوْجَبَتْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَكَرَّهَتْ مَا لَا يَنْبَغِي، وَاسْتَحَبَّتْ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ فِي أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعَادَاتِ وَمَقَادِيرِهَا وَصِفَاتِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَيَسْتَأْجِرُونَ كَيْفَ شَاءُوا، مَا لَمْ تُحَرِّمِ الشَّرِيعَةُ، كَمَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ كَيْفَ شَاءُوا مَا لَمْ تُحَرِّمِ الشَّرِيعَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ يُسْتَحَبُّ، أَوْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَمَا لَمْ تَحِدَّ الشَّرِيعَةُ فِي ذَلِكَ حَدًّا، فَيَبْقَوْنَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الْأَصْلِيِّ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ: فَمَنْ تَتَبَّعَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُبَايَعَاتِ وَالْمُؤَاجَرَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ: عَلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ الصِّيغَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا، إِذِ الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَإِلَّا فَالْكَلَامُ فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَنَى مَسْجِدَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ بَنَوُا الْمَسَاجِدَ عَلَى عَهْدِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ هَذَا الْمَسْجِدَ، وَلَا مَا يُشْبِهُ هَذَا اللَّفْظَ، بَلْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِنَفْسِ بِنَائِهِ.
1 / 165