النكت في القرآن الكريم
محقق
د. عبد الله عبد القادر الطويل
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ـ[النكت في القرآن الكريم (في معاني القرآن الكريم وإعرابه)]ـ
المؤلف: علي بن فَضَّال بن علي بن غالب المُجَاشِعِي القيرواني، أبو الحسن (المتوفى: ٤٧٩هـ)
دراسة وتحقيق: د. عبد الله عبد القادر الطويل
دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 / 94
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فاتحة الكتاب
مدنية، والبقرة مدنية، وآل عمران مدنية، والنِّسَاءَ مدنية، والمائدة مدنية، والأنعام مكية نزلت جُملةً ما خلا ثلاث آيات، فإنها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) [١٥١] إلى تمام الثلاث. والأعراف مكية، والأنفال مدنية، وهي أول ما أنزل. وبراءة مدنية، وهي آخر ما أنزل بالمدنية.
قال أبن عباس: قلت لعثمان: ما حملكم على أن قرنتم بين الأنفال وبراءة، والأنفال من المثاني، وبراءة من المئين، فلم تكتبوا بينهما سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال عثمان: إن السورة والقصة والآية كُنَّ إذا نزلْن على النبي صلى الله [عليه] وسلم قال لبعض من يكتب الوحي: ضعوها إلى موضع كذا، أو إلى جنب كذا، وإن براءة نزلت والنبي ﷺ لم يتقدم فيها إلينا بشيءٍ، وقصتها تُشبهُ قصة الأنفال، فخفنا أن تكون منها وخفنا أن لا تكون منها، فمن ثم قرنا بينهما.
1 / 95
ولم نكتب سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . يونس مكية، هود مكية، ويوسف مكية، والرعد مكية، وإبراهيم مكية ما خلا آيتين منها، فإنهما نزلتا بالمدينة في قتلى بدر من المشركين، وهما: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) [٢٨] إلى تمام الآيتين، الحجر مكية، والنحل مكية، ما خلا ثلاث آيات من آخرها، فإنها نزلت بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﷺ وقد قتل حمزة ﵁، ومثل المشركون به، قال النبي ﷺ لئِنْ أظفرنا الله بهم لنُمثلنَّ بهم مُثلًا لم تمثل بأحدٍ من العرب. فأنزل الله تعالي بين مكة والمدينة: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [١٢٦] إلى آخر السورة، وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني، وسورة بني إسرائيل مكية، والكهف مكية، ومريم مكية، وطه مكية، والأنبياء مكية، والحج مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فأنها نزلت بالمدينة في ستة نفرٍ: ثلاثة منهم مؤمنون وثلاثة
1 / 96
كافرون فأما المؤمنون: فعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ﵁ وأما الكافرون فعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد ين عتبة. فأنزل الله ﷿ بالمدينة: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) [الحج: ١٩] إلى تمام الثلاث آيات. سورة المؤمنين مكية، والنور مدنية، والفرقان مكية، والشعراء مكية ما خلا خمس آيات من آخرها، فإنها نزلت بالمدينة، وهي قوله ﷿: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [٢٢٤ - ٢٢٧] يعني حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
هؤلاء شعراء رسول الله ﷺ، إلى آخر السورة، والنمل مكية، والقصص مكية، والعنكبوت مكية، والروم مكية، ولقمان مكية ما خلا ثلاث آيات منها،
1 / 97
فإنها نزلت بالمدينة، وذلك أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتته أخبار اليهود، فقالوا: يا محمد بلغنا أنك تقول: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥] أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال ﷺ: عنيت الجميع، فقالوا: يا محمد أما تعلم أن الله جل وعز أنزل التوراة على موسى بن عمران ﵇ والتوراة فيها أنباء كل شيء، وخلفها موسى فينا ومعنا؟، قال النبي صلي الله عليه [وسلم] لليهود التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله ﷿ فأنزل الله تعالى في المدينة: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) [لقمان: ٢٧] إلى تمام الآيات الثلاث.
وآلم السجدة مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة في علي بن أبي طالب ﵁ والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه شجر بينهما كلام، قال الوليد لعلي بن أبي طالب ﵁: أنا أدرب منك لسانًا، وأحد سنانًا، وأرد للكتيبة، فقال له علي ﵁ اسكت، فإنك فاسق: فأنزل الله تعالى بالمدينة: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) [١٨] إلى تمام الآيات. الأحزاب مدنية، سبأ مكية، فاطر مكية، يس مكية، والصافات مكية، ص مكية، والزمر مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة ﵁ وذلك أنه أسلم ودخل المدينة، فكان يثقل على رسول الله ﷺ النظر إليه فتوهم أن الله ﷿ لم يقبل إسلامه، فأنزل الله ﷿ بالمدينة: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [٥٣]
1 / 98
إلي تمام الثلاث آيات، والحواميم السبع كلهن مكيات، وسورة محمد ﷺ مدنية، وسورة الفتح مدنية، والحجرات مدنية، وق مكية، والذاريات مكية، والطور مكية، والنجم مكية، والقمر مكية، والرحمن مكية، والواقعة مكية، وسورة الحديد مدنية، وسورة المجادلة مدنية، وسورة الحشر مدنية، وسورة الممتحنة مدنية، وسورة الصف مدنية، والجمعة مدنية، والمنافقون مدنية، والتغابن مكية، ما خلا ثلاث آيات من آخرها، فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله وولده به، فأنزل الله ﷿ بالمدنية: (يَا أَيُّهَا
1 / 99
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) [التغابن: ١٤] إلى آخر السورة.
الطلاق مدنية، التحريم مدنية، الملك مكية، والقلم مكية، والحاقة مكية، وسأل سائل مكية، نوح مكية، سورة الجن مكية، المزمل مكية ما خلا آيتين منها، فإنهما نزلتا بالمدينة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) [٢٠] إلى تمام الآيتين. ثم الفرقان بعد ذلك كله مكي إلى أن يبلغ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: ١] فإنها مدنية، لم يكن مدنية، إذا زلزلت مكية، والعاديات مكية، القارعة مكية، والتكاثر مكية، والعصر مكية، الهمزة مكية، الفيل مكية،
1 / 100
لإيلاف قريش مكية، وقبل هما سورة واحدة، أرأيت مكية، والكوثر مكية، الكافرون مكية، النصر مكية، تبت يدا أبي لهب مكية، الإخلاص مكية، الفلق مدنية، الناس مدنية.
(ومن سورة الفاتحة)
البسملة:
روى السُّدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله ﷿: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
1 / 101
الرَّحِيمِ) الباء: بهاءُ الله، السين: سناءُ الله، والميمُ: مُلك الله: والله: الذي يأله إليه خلقهُ، والرَّحمن: قال المترحم على خلقه: الرحيم بعباده فيما ابتدأهم به من كرامته.
ويروى عنه أيضًا، أنه قال: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الأخر، وقيل: في الجمع بينهما أن الرحمن أشد مبالغة، والرحيم أخص منه.
فالرحمن لجميع الخلق، والرحيم للمؤمنين خاصة، قال محمد بن يزيد: هو تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، ووعد لا يخيب آمله.
وأصل الرحمة رقة في القلب، والله تعالى لا يوصف بذلك، إلا أن معنى الرقة يؤول إلى الرضا؛ لأن من رحمته فقد رضيت عنه. وإذا احتملت الكلمة معنيين: أحدهما يجوز عن الله، والآخر لا يجوز عليه، عدل إلى ما يجوز عليه.
ومثل ذلك همزة الاستفهام تأتي في غالب الأمر على جهل من المستفهم، فإذا جاءت من الله ﷿ كانت تقريرًا وتوبيخًا: نحو: (أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) [يونس: ٥٩]، قال مقاتل بن سليمان في الاستفتاح: من حساب الجمل سبعمائة وسبع وثمانون سنة من مدة هذه الأمة.
قال الخليل: (بسم الله) افتتاح إيمان ويمن، وحمد عاقبة، ورحمة وبركة وثناء وتقرب إلى الله ﷿، ورغبة فيما عنده، واستعانة ومحبة له، علم الله ﷿ نبينا محمد ﷺ
1 / 102
فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: ١]، وقال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الحاقة: ٥٢] وقال نوح ﵇: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] ليجعلها سنة لأمته في افتتاح الذبائح والطعام والشراب والكلام، وأن يذكرونه عند كل حركة وسكون، وإذا قاله العبد يسر الله تعالى ما بين يديه من السماء إلى الأرض وثبته وحرسه من وسواس الشيطان، واعتراض المعترضين وفساد المفسدين وكيد الحاسدين، وهي تحية من الله ﷿ خص بها نبيه، وجعله باللسان العربي ما لم يكن لسائر الأمم، إلا ما كان من سليمان، فلما وردت على العرب اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ولفظوا بها عند وجوب الشكر وطلب الصبر.
قال غير الخليل: هو أدب من آداب الدين، ومدح لله تعالى وتعظيم وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة، واستعانة بالله ﷿ وعبادة له، مع ما فيه من حسن العبارة، ووضوح الدلالة، والإفصاح والبيان لما يستحقه الله من الأوصاف.
وفيه من البلاغة والاختصار، في موضعه بالحذف على شرائطه. إذ موضوع هذه الكلمة على كثرة التكرير، وطول الترديد، وفيه الاستغناء بالحال الدالة على العبارة عن ذكر أبدًا، لأن الحال بمنزلة الناطقة بذلك، وفيه من البلاغة تقديم الوصف بالرحمن تشبيهًا بالأسماء الأعلام.
مسألة:
ومما يسأل عنه من الإعراب أن يقال: ما موضع الباء من (بسم الله)؟
والجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب عامة البصريين إلى أن موضع الباء رفع على تقدير مبتدأ محذوف تمثيله: ابتدائي بسم الله، فالباء على هذه متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه تقديره: ابتدائي كائن أو ثابت أو ما أشبه ذلك بسم الله، ثم حذفت هذا الخبر، وكان فيه ضمير فأفضى إلى موضع الباء، وهذا بمنزلة قولك: زيد في
1 / 103