النقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح
محقق
عبد الرحمن محمد أحمد القشقري
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٥ هجري
مقدمة
...
النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح
تأليف الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، المتوفى سنة ٧٦١هـ
تحقيق وتعليق: الدكتور عبد الرحيم محمد أحمد القشقري الأستاذ المساعد بكلية الحديث والدراسات الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد:
فإن الله ﷾ حينما تكفل بحفظ كتابه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ تكفل أيضًا بحفظ سنة نبيه بأن خلق لها رجالًا يذبون عنها، ويكشفون زيف الزائفين. وذلك بتدوينها في الدواوين سواء كانت تلك الدواوين على حسب المسانيد كمسند الطيالسي وأحمد بن حنبل وابن راهوية أو على الأبواب كالبخاري ومسلم وأصحاب السنن.
وقد اتبع كل إمام منهج في التأليف، فمنهم من اشترط الصحة في أحاديثه كما فعل الإمام البخاري ومسلم دون أن يستوعبا جميع الأحاديث الصحيحة، لأن في ذلك مشقة وعناء، بل اختارا ما أجمع العلماء على صحته، وتركا من الصحاح مخافة الطول.
ومنهم من لم يشترط الصحة، بل أورد كل ما عنّ له وحكم على ما رأى أنه لازم، كما صنع الترمذي وأبو داود وأن ما سكت عنه صالح، بل وفيها بعض الأحاديث الضعيفة.
وقد أراد البغوي – ﵀ – أن يجمع كتابًا شاملًا لنوعي
1 / 5
الصحيح والحسن، فما كان في الصحيحين فهو صحيح، وما كان في السنن فهو حسن، وإن كان هناك ضعيف أو غريب، أشار إليه، وإن كان منكرًا أو موضوعًا، أعرض عنه.
وقد جاء العلماء بعده فوضعوا كلام البغوي في ميزان النقد العلمي، فخرجوا بما يلي:
١- أنه لم يميز بين النوعين – الصحيح والحسن- وكأنه سكت عن البيان لاشتراكهما في الاحتجاج به لا في القوة.
٢- ردوا قوله بأن الحسان ما في السنن لأن فيها غيره من الصحيح والضعيف الذي يجبر، لا سيما عند أبي داود لأن الضعيف عنده أحب إليه من رأي الرجال، وقد يقال عن صنيع البغوي بأنه اصطلاح له، ولا مشاحة في الإصطلاح إلا أنه قول ضعيف، لأن الواقع يرده.
فالإصطلاح يكون حينئذ مردودًا وقد اهتم الأئمة الذين جاؤوا بعده بكتاب المصابيح شرحًا وتخريجًا لأحاديثه فشرحه البيضاوي وسماه تحفة الأبرار وقاسم بن قطلوبغا، والتور بشتى وغيرهم.
وخرّج أحاديثه جملة من العلماء منهم: الإمام المناوي في كتابه كشف المناهيج.
ومن العلماء من أكمله وهذبه وزاد عليه.
ذكر ذلك حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عند الكلام على كتاب المصابيح ٢/١٦٩٨.
وكان للعلائي دور في خدمة هذا الكتاب الجليل حيث دافع عنه وعن الأحاديث التي رميت بالوضع، وهي ليست موضوعة كما أشار إليها في كتابه. وقد كان بعمله هذا ممن أسدى خدمة جليلة
1 / 6
لمحبي هذا الكتاب، لا سيما طلاب العلم في الباكستان والهند والتركستان، حيث اعتمادهم يكاد يكون كليًا على هذا الكتاب.
وفي الختام أود أن أترك القارئ يجول مع العلائي في كتابه ليرى مدى تمكنه من علم الحديث. فهذا الكتاب غيض من فيض بالنظر إلى ما ألّف من مؤلفات في فنون شتى.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
المحقق
تحريرًا في ٤/١٢/١٤٠٤هـ
1 / 7
ترجمة العلائي
هو الشيخ صلاح الدين العلائي الحافظ المفيد. المحدث الفقيه الأصولي الأديب، خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي الشافعي.
ولد في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وستمائة بدمشق.
بدأ العلم صغيرًا حيث ورد أنه سمع صحيح الإمام مسلم سنة ثلاث وسبعمائة على الشيخ شرف الدين الفزاري، وسمع البخاري على ابن مشرف سنة أربع وسبعمائة، وفيها ابتدأ بقراءة العربية وغيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي، والفقه والفرائض على الشيخ زكي الدين زكوي.
ثم جد في طلب الحديث سنة عشر وسبعمائة وقرأ بنفسه على القاضي سليمان الحنبلي وأبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم ومن بعدهم حتى بلغ شيوخه بالسماع نحو سبعمائة شيخ، ومن مسموعاته الكتب الستة وغالب دواوين الحديث١.
١ الدراس ١/٦٠.
1 / 9
أقوال النقاد فيه:
قال السبكي: كان حافظًا ثقة ثبتًا عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون١.
وقال ابن كثير: كانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل، وتخريج الأجزاء والفوائد، وله مشاركة قوية في الفقه واللغة، والعربية والأدب٢.
ولو انتقلنا إلى رحلاته فمصنفنا كان من أولئك الذين ارتحلوا للسماع والأخذ عن الشيوخ، وقد ذكر من ترجم له أنه حج مرارًا، واستقر به المقام في مدينة القدس مدرسًا للحديث في التنكزية. إلى جانب الفتوى والتصنيف، حتى وافاه الأجل المحتوم في المحرم سنة إحدى وستين وسبعمائة، ودفن بمقبرة باب الرحمة إلى جانب سور المسجد٣.
مؤلفاته:
لقد خلف الإمام العلائي مجموعة كبيرة من المؤلفات العلمية التي كان لها الأثر الكبير في إثراء المكتبة الإسلامية، وكانت جل تلك المصنفات في علم الحديث والرجال وعلوم الفقه وأصوله، وكانت لمؤلفاته صدى واسعًا بين العلماء لا سيما في عصره.
فمن مؤلفاته التي خلفها لنا بعد وفاته ما يلي:
١- إتمام الفوائد الموصولة في الأدوات الموصولة٤.
١ طبقات الشافعية ١٠/٣٦.
٢ البداية والنهاية ١٤/٢٦٧.
٣ الأنس الجليل ٢/١٠٧.
٤ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٣.
1 / 10
٢- إجمال الإصابة في أقوال الصحابة١.
٣- الأحكام الكبرى.
ذكره صاحب الأنس وقال: علق منها قطعة نفيسة٢.
٤- الأربعين في أعمال المتقين٣.
٥- الأربعين الإلهية.
٦- الأربعين المغنية بفنونها عن المعين٤.
٧- الأشباه والنظائر٥.
٨- برهان التيسير في عنوان التفسير٦.
٩- بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس٧.
١٠- تحفة القادم من فوائد أبي القاسم.
١١- تحقيق الكلام في نية الصيام٨.
١٢- تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد٩.
١٣- تفصيل الإجمال في تعارض بعض الأقوال والأفعال١٠.
١ منه نسخة في مكتبة عارف حكمت المجموع رقم ١١٧، من ٣٥-٤٧ كما ذكر في المصدر السابق.
٢ الأنس الجليل ٢/١٠٧.
٣ هكذا ذكره الحافظ ابن حجر في الدرر ٢/٩١.
٤ ذكرهما د. عمر فلاته في مقدمة المراسيل ١/١٣.
٥ ذكره السبكي في طبقاته ١٠/٣٥، ووقفت على نسخة مصورة من مكتبة الجامعة العثمانية تحت رقم (قع ش) ٣٦٢، ٢٩٧، وعدد أوراقه ٢١٩.
٦ ذكره د. عمر فلاته في مقدمة المراسيل ١/١٣.
٧ منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ١٥٧٩ من ورقة ٥٦-٩٧.
٨ ذكرهما د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٤.
٩ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم ٦٥.
١٠ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم: ١٣٠٤.
1 / 11
١٤- تلقيح الفهوم في صيغ العموم١.
١٥- التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة٢.
١٦- تهذيب الأصول إلى مختصر جامع الأصول٣.
١٧- توفة الكيل لمن حرم لحوم الخيل٤.
١٨- تيسير حصول السعادة في تقرير شمول الإرادة٥.
١٩- جامع التحصيل لأحكام المراسيل٦.
٢٠- الدرة السنية في مولد خير البرية.
٢١- رفع الإشتباه عن حكم الإكراه٧.
٢٢- رفع الأشكال عن حديث صيام ستة أيام من شوال٨.
٢٣- شفاء المسترشدين في حكم اختلاف المجتهدين٩.
٢٤- العدة في أدعية الكرب والشدة١٠.
٢٥- عقيلة الطالب في أشرف الصفات والمناقب١١.
٢٦- فصل القضاء في أحكام الأداء والقضاء١٢.
١ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم ٦٤٧/٦٤٨.
٢ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٨٧٨.
٣ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٢٥١٠.
٤ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٨٧٨.
٥ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٤.
٦ حققه د. عمر حسن لنيل شهادة الماجستير وطبعه الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي.
٧ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٥.
٨ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٥ وقال موجود في القاهرة.
٩ منه نسخة في كوبريللي تحت رقم ٣٨٦/٢.
١٠ منه نسخة في كوبريللي تحت رقم ٣٣٤ ب م ٤١٤٨.
١١ ذكره صاحب الأنس ٢/١٠٧ وقال جمع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ.
١٢ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٥.
1 / 12
٢٧- الفصول المفيدة في الواو المزيدة١.
٢٨- الفوائد المجموعة في الفرائد المسموعة٢.
٢٩- حديث قطع في مجن وما يتعلق به٣.
٣٠- كتاب القواعد٤.
٣١- كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب٥.
٣٢- الكلام على حديث ذي اليدين٦.
٣٣- الكلام في بيع الفضولي٧.
٣٤- المائة المنتقاة من الترمذي.
٣٥- المائة المنتقاة من صحيح مسلم.
٣٦- المائة المنتقاة من مشيخة الفخر.
٣٧- المباحث المختارة في تفسير آية الدم والكفارة.
٣٨- المجالس المبتكرة٨.
٣٩- المجموع المذهب في قواعد المذهب٩.
٤٠- المدلسين١٠.
١ منه نسخة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ٢٧٠٩ (١٠٩-١٢٦) .
٢ ذكره الحافظ ابن حجر في الدرر ٢/٩١، وقال: عبارة عن فهرست لمسموعاته من شيوخه.
٣ منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٥٤٢.
٤ ذكره صاحب الأنس ٢/١٠٧، وقال: كتاب نفيس يشتمل على علمي الأصول والفروع.
٥ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم ١٧٧٠.
٦ ذكره صاحب الأنس ٢/١٠٧ وقال: في مجلد.
٧ منه نسخة مصورة في الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٨٧٨.
٨ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٥.
٩ منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ١٧٩٠.
١٠ ذكره السبكي في طبقاته ١٠/٣٥.
1 / 13
٤١- المسلسلات١.
٤٢- مقدمة كتاب نهاية الأحكام٢.
٤٣- منحة الرائض بعلوم آيات الفرائض٣.
٤٤- النفحات القدسية٤.
٤٥- النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح.
وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عليه بعد هذا الفصل.
٤٦- الوشي المعلم في من روى عن أبيه عن جده٥.
٤٧- منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة٦.
١ ذكره د. عمرحسن في مقدمة كتابه ١/١٥.
٢ ذكره المؤلف في مقدمة كتابه نقد الصحيح.
٣ ذكره صاحب الأنس ٢/١٠٧.
٤ ذكره د. عمر حسن في مقدمة المراسيل ١/١٦.
٥ ذكره صاحب الأنس ٢/١٠٧، وقد وقفت على قطعة مصورة لدى الشيخ حماد بن محمد الأنصاري.
٦ قمت بتحقيقه معتمدًا على نسختين أولاهما من الأسكوريال، والأخرى من مكتبة خدابخش.
1 / 14
الكلام على الكتاب
...
النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح
هكذا اسم الكتاب في عنوان النسخة التي وقفت عليها، وقد تناول المصنف ﵀ الأحاديث التي انتقدت على المصابيح تبعًا لحكم ابن الجوزي على تلك الأحاديث بالوضع.
وقد حاول المصنف ﵀ إخراج تلك الأحاديث من حيز الوضع إلى حيز آخر أقوى، معتمدًا على أقوال العلماء وبحث طرق الأحاديث الواردة.
ومن خلال دراستي للكتاب وجدته قد حسن أحد عشر حديثًا من ضمن الأحاديث التي أوردها في كتابه. وهي تسعة عشر حديثًا وحكم على باقيها بالضعف الذي لا ينتهي إلى الوضع.
وقد ابتدأ كتابه بذكر جملة من القواعد المعتبرة في التصحيح والتحسين، وذكر شيئًا من شروط أصحاب الكتب الستة.
ولعلي لا أغالي إذا قلت إنه استطاع بهذا الجزء أن يبين لنا إمامته في فن التخريج والتصحيح والتضعيف.
ومن العجب أن يقوم الحافظ ابن حجر بتأليف كتاب يتناول نفس الموضوع الذي تناوله العلائي. وكان الدافع للحافظ في تأليفه الكتاب هو سؤال وجهه إليه بعض المستفتين، وهذا الدافع نفسه
1 / 15