المطلق والمقيد
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٣هـ/٢٠٠٣م
مكان النشر
المملكة العربية السعودية
تصانيف
•فقه غير المنتسب وأصوله
•
الإمبراطوريات و العصور
آل سعود (نجد، الحجاز، المملكة العربية السعودية الحديثة)، ١١٤٨- / ١٧٣٥-
مقدمة
...
شكر وتقدير
الحمد لله رب العالمين، الذي بيده كل عون وتوفيق، أحمده وأشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. أما بعد:
فكثيرون هم الذين أسهموا في إبراز هذه الرسالة حتى وصلت إلى المرحلة التي يشاهدها القارئ بين يديه.
وأنا - قبل القارئ - مدين لهم بالشكر والتقدير، لما أبدوه من اقتراحات مفيدة. وما بذلوه من مساعدات علمية مشكورة.
وأخص منهم بالذكر أستاذي وشيخي فضيلة الدكتور (محمد عبد الرحمن مندور) المشرف على الرسالة، الذي لم يتوان في تقديم التوجيه السديد، والملاحظة الدقيقة النافعة، مما كان له الفضل - بعد الله تعالى - في إخراج هذه الرسالة إلى حيز الوجود؛ حيث كان يرعاها ويتعهدها بتوجيهاته المفيدة، منذ كانت فكرة حتى نضجت وكملت، كما لا أنسى أن أنوه بالروح العلمية العالية التي لمستها من القائمين على شؤون الدراسات العليا، التي فتحت أمامي مجالات وآفاقًا واسعة سطرت آثارها على هذا البحث شكلًا ومضمونًا. فهذه الرسالة بحق ثمرة التجاوب والتعاون العلمي المفيد الذي وجدته من جميع أسرة الجامعة.
وهنا لا بد أن أنوه - أيضًا - بالعون العلمي والمادي الذي تبذله حكومتنا الرشيدة لطلاب العلم، ممثلة في الجامعة الإسلامية التي وفرت وما زالت توفر جميع ما من شأنه نجاح البحث العلمي النافع؛ فمكتباتها بما
1 / 5
تحويه من نفائس الكتب ونوادر المخطوطات غير محجوبة، وأبوابها دائمًا مفتوحة للطلاب المستفيدين، فالله أسأل أن يجزي الجميع عني خير الجزاء، وأن يهدينا وإياهم إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.
1 / 6
المقدمة
وتشتمل على:
١ - كلمة في نشأة علم أصول الفقه وأهميته.
٢ - أهمية الموضوع وسبب اختياره.
٣ - طريقة كتابة البحث وتخطيطه.
1 / 7
تستمد منه أحكام الفقه الإسلامي، وقد تضمنا من المبادئ والقواعد والتوجيهات العامة ما يهدي إلى سواء السبيل.
وبمجهودات الصحابة - رضوان الله عليهم - وما نقلوه عن الرسول ﷺ من شرح وتوضيح وتوجيه، ثم بمجهودات أئمة الأجيال التي أعقبت الصحابة ﵃ جاء البيان التام لمصادر الشريعة الإسلامية، واتضحت المناهج التي يمكن بها استمداد الأحكام التي تحدد مسار الخلق، وترسم لهم الطريق الذي يقودهم إلى بلوغ مصالحهم في الدنيا والآخرة.
فبهذه المجهودات المتواصلة تَكَوَّن عِلْمٌ ذو شأن عظيم، وأهمية بالغة هو: علم أصول الفقه الإسلامي.
وما دمنا بصدد الحديث عن أهمية أصول الفقه، فلعل مما يفيد في
1 / 8
هذا المقام ما أورده الأسنوي١ في كتاب التمهيد حيث يقول:
"وبعد: فإن علم أصول الفقه، علم عَظُمَ نفعه وقدره، وعلا شرفه وفخره؛ إذ هو مثار الأحكام الشرعية، ومنار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشًا ومعادًا، ثم إنه العمدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عليه من المواد٢"٣.
وقد ظل علم أصول الفقه محط اهتمام المسلمين على مر العصور، وظل في مقدمة العلوم التي يندفع الدارسون لتلقيها وتدريسها.
١ الأسنوي: هو جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن بن علي القرشي الأموي الأسنوي الشافعي، ولد سنة (٧٠٤هـ) وبرع في علوم اللغة والفقه والأصول، من أشهر مؤلفاته (نهاية السؤل شرح منهاج الوصول للبيضاوي) والتمهيد في تنزيل الفروع على الأصول، توفي ﵀ سنة (٧٧٢هـ) . طبقات الأصوليين للمراغي ٢/١٨٦-١٨٧.
٢ التمهيد ص: ٣٩، تحقيق محمد حسن هيتو، ط أولى سنة ١٤٠٠هـ، مؤسسة الرسالة بيروت، وقارن بمجلة الجامعة الإسلامية العدد (٤٦) السنة ١٢ ص٢٦٤.
٣ وقد طبق الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان عند استنباطهم الأحكام من أدلتها هذا المنهج، ومن ذلك: قول ابن عباس ﵁: "من شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية النساء الطولى، إشارة إلى قاعدة نسخ المتأخر للمتقدم، وقول أبي بكر لفاطمة ﵂ عند طلبها الإرث من فدك، لقد قال الرسول ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" أخذًا بصيغة العموم في الحديث وغير ذلك.
1 / 9
والسبب في ذلك يعود إلى أن علم أصول الفقه يتمتع بخاصية تميزه عن سائر العلوم.
فهو غزير في مادته، يشبع نهم المقبلين عليه، ويخاطب عقولهم، ويحث فيهم جذوة التفكير - بجانب أهميته ومكانته الرفيعة، فإذا أدرك الباحث أبعاد هذا العلم يجده متصلًا بجميع العلوم الشرعية، والعربية بمواده المتنوعة، فلا يتمكن منه دارس إلاَّ وقد حصلت له ملكة استنباط الأحكام الشرعية.
فعلم الأصول على هذا ليس كما يتصوره بعضهم، علمًا محصورًا في تعريفات ومناقشات لفظية، جافًا غير آخاذ، بل هو على العكس من ذلك تمامًا، يدرك ذلك علماء الأصول الذين عايشوه دراسة وتدريسًا، ومما يدل على ذلك أيضًا أن العالم بالفقه والأصول يقدم على غيره في الوظائف المهمة؛ لخطورة وأهمية ما يحمله، فهو الذي يولّى أخطر منصب في الدولة الإسلامية، ألا وهو منصب القضاء؛ فالفقهاء الملمون بالأصول مقدمون على غيرهم في تولي هذا المنصب، ويفضل - من هؤلاء - العارفون بحياة الناس الاجتماعية وعاداتهم المرعية.
ومع هذه المكانة العالية لأصول الفقه، والجهود التي بذلت فيه على مر العصور إلا أن التأليف فيه قد جاء متسمًا بصفة العموم والإجمال في بعض النواحي والإحالات على المواضيع التي يشبه بعضها بعضًا.
أضف إلى ذلك أن أسلوب التأليف في القديم يختلفُ عنه في الوقت
1 / 10
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أضاء الكون بنور الإسلام، وأنزل القرآن على خير الأنام، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل الحكيم العلاَّم، الرسالة الخالدة، والخالية من الأخطاء والأوهام، المتصف بالتآلف والوئام.
والصلاة والسلام على خير البرية، ومعلم البشرية سيدنا محمد ﷺ، أفضل بني آدم خلقًا وسجية، بعث بالحنيفية والأخلاق المرضية، وفسر القرآن بسنته القولية والفعلية، وبيّن الأحكام الشرعية بالكلمات القدسية، وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوا هديه المبين، وتمسكوا بدينه واعتصموا بحبله المتين، ودافعوا عن شريعته بكل غال وثمين، وشددوا النكير على النزاع والخلاف بين المؤمنين، ورفعوا راية الإسلام في المشارق والمغارب قاصدين بذلك رضا رب العالمين.
وعلى من اتبع هديه إلى يوم الدين من أمته المجتهدين المخلصين الذين صرفوا أعمارهم في خدمة الشريعة وأحكامها، فوفقوا بين نصوصها، ودفعوا التخالف عنها، وأعملوا راجحها وأولوا مرجوحها؛ فجعلوا لكل مسألة حكمها، ولكل مشكلة حلها، ولكل قضية مسارها، ولكل معارضة جمعها وتوفيقها، فبذلك كونوا ثروة فقهية عظيمة، كانت وما زالت مصدر كل باحث، ومعين كل تشريع.
1 / 12
١ - أهمية أصول الفقه:
قد يكون من نافلة القول الحديث عن مكانة وأهمية أصول الفقه - باعتباره قواعد وضوابط كلية - تبين وتفسر نصوص الأحكام من الكتاب والسنة؛ اللذين إليهما مرد الشريعة الإسلامية في مصادرها الأصلية والتبعية؛ فالكتاب وهو كلى الشريعة وأصل أصولها تناول الأحكام بطريقة يزينها طابع الإجمال والعموم في الغالب.
وتليه السنة التي كانت ترجمانه وتفصيله، وطريقة الوصول إلى هدايته وتفسيره، قال الله - تعالى -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، فكان بيان ما أجمل من القرآن بطريق السنة، والكل وحي من الله - تعالى - إلى رسوله ﷺ لقوله - تعالى -: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، ولقول رسول الله ﷺ: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ... "٣ الحديث؛ فالقرآن الكريم والسنة المطهرة هما الأساس الذي
١ سورة النحل، آية: ٤٤.
٢ سورة النجم، آية: ٤.
٣ الحديث رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء ٣/١٧٠ رقم الحديث: ٣٠٥٠، باب الإمارة بلفظ: "ألا وإني والله وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر"، وفي كتاب السنة: ٢٠٠ بمثل لفظ أحمد الآتي.
ورواه الترمذي في كتاب العلم باب ما نهى عنه أن يقال: عند حديث رسول الله ﷺ بلفظ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به، أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه"، وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في مسنده ٤/١٣١ بلفظ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانًا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، وذكر أشياء أخرى"، والحديث من رواية المقداد بن معد يكرب، أبي كريمة عن رسول الله ﷺ.
1 / 13
الحاضر، وقلما تجدُ قارئًا لا يجدُ صعوبةً في دراسةِ الأصول، وفهم الأساليب التي كتبت بها.
لهذا كله كان من الواجب على الباحثين في الدراسات الأصولية - وخاصة أصحاب رسائل الماجستير والدكتوراه - أن يهتموا بتلك النواحي التي لم تشبع بحثًا وتنقيبًا، فيختاروها مواضيع لرسائلهم، وبهذا العمل يحققون أكثر من هدف لأنهم:
أولًا: قد أكملوا تلك المواضيع التي لم يتناولها القدماء بالتفصيل.
ثانيًا: فإن كتابة رسائلهم ستكون متمشية مع أسلوب العصر، وفي ذلك تسهيل وتبسيط لفهم جانب كبير من تراثنا الإسلامي العريق.
1 / 14
٢ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
إن أهمية الموضوع تنبع من أهمية أصول الفقه نفسه، ومع هذا فإن مواضيع الأصول تتفاوت لمزايا خاصة بها، ولعل موضوعَ معرفة دلالة الألفاظ العربية من ناحية العموم والخصوص - ومنْ ناحية الإطلاق والتقييد من المواضيع الجديرة بالدراسة والبحث؛ لأن معظم أدلة الشرع غالبها العمومات والإطلاقات، فعلى من أراد فَهْم الأحكامِ الشَّرعية المستمَدَّة من نصوص الكتاب والسنة أن يكونَ مدركًا لأحكام الخطاب العام وعلاقته بالخاص، ولأحكام الخطاب المطلق وعلاقته بالمقيَّد، ومقاصد ذلك في اللسان العربي والعرف الشرعي.
وقد اهتم الأصوليون - قديمًا وحديثًا - بمباحث العام وتخصيصه، وأحكام كل منهما وعنوا بهما عناية فائقة تظهر بإلقاء نظرة على مؤلفاتهم في هذا الفن، كما أفرده بعضهم بمؤلفات ورسائل خاصة١.
لكن المطلق حيث كان قريب الشبه بالعام اكتفى بعض الأصوليين من الجمهور بذكره عقب العام وأحكام التخصيص، ثم أحالوا من أراد
1 / 15