المحدث الفاصل بين الراوي والواعي

محقق

د. محمد عجاج الخطيب

الناشر

دار الفكر

الإصدار

الثالثة

سنة النشر

١٤٠٤ هجري

مكان النشر

بيروت

الْمُحَدِّثُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الرَّاوِي وَالْوَاعِي لِلرَّامَهُرْمُزِيِّ ⦗١٥٩⦘ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّ اللَّهِ وَآلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ. اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَشْنَأُ الْحَدِيثَ وَيُبْغِضُ أَهْلَهُ، فَقَالُوا بِتَنَقُّصِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَأَسْرَفُوا فِي ذَمِّهِمْ وَالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ الْحَدِيثَ وَفَضَّلَ أَهْلَهُ، وَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ، وَحَكَّمَهُ عَلَى كُلِّ نِحْلَةٍ، وَقَدَّمَهُ عَلَى كُلِّ عَلْمٍ، وَرَفَعَ مِنْ ذِكْرِ مَنْ حَمَلَهُ وَعُنِيَ بِهِ، فَهُمْ بَيْضَةُ الدِّينِ وَمَنَارُ الْحُجَّةِ، وَكَيْفَ لَا يَسْتَوْجِبُونَ الْفَضِيلَةَ، وَلَا يَسْتَحِقُّونَ الرُّتْبَةَ الرَّفِيعَةَ، وَهُمُ الَّذِينَ حَفِظُوا عَلَى الْأُمَّةِ هَذَا الدِّينَ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْبَاءِ التَّنْزِيلِ، وَأَثْبَتُوا نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، وَمَا عَظَّمَهُ اللَّهُ ﷿ بِهِ مِنْ شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَنَقَلُوا شَرَائِعَهُ، وَدَوَّنُوا مَشَاهِدَهُ، وَصَنَّفُوا أَعْلَامَهُ وَدَلَائِلَهُ، وَحَقَّقُوا مَنَاقِبَ عِتْرَتِهِ، وَمَآثِرَ آبَائِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَجَاؤوا بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَخْبَارِ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَعَبَّرُوا عَنْ جَمِيعِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ، وَظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، مِنْ مَنَامٍ وَيَقَظَةٍ، وَإِشَارَةٍ وَتَصْرِيحٍ، وَصَمْتٍ وَنُطْقٍ، وَنُهُوضٍ وَقُعُودٍ، وَمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ وَمَرْكَبٍ، وَمَا كَانَ سَبِيلَهُ فِي حَالِ الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْإِنْكَارِ وَالْقَبُولِ، حَتَّى الْقُلَامَةَ مِنْ ظُفُرِهِ، مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهَا، وَالنُّخَاعَةَ مِنْ فِيهِ ⦗١٦٠⦘ أَيْنَ كَانَتْ وِجْهَتُهَا، وَمَا كَانَ يَقُولُهُ عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ يُحْدِثُهُ وَيَفْعَلُهُ عِنْدَ كُلِّ مَوْقِفٍ وَمَشْهَدٍ يَشْهَدُهُ، تَعْظِيمًا لَهُ ﷺ، وَمَعْرِفَةً بِأَقْدَارِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ وَأُسْنِدَ إِلَيْهِ، فَمَنْ عَرَفَ لِلْإِسْلَامِ حَقَّهُ، وَأَوْجَبَ لِلرَّسُولِ حُرْمَتُهُ، أَكْبَرَ أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَهُ، وَأَعْلَى مَكَانَهُ، وَأَظْهَرَ حُجَّتَهُ وإبَانَ فَضِيلَتَهُ، وَلَمْ يَرْتَقِ بِطَعْنِهِ إِلَى حِزْبِ الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِ الْوَحْيِ، وَأَوْعِيَةِ الدِّينِ، وَنَقَلَةِ الْأَحْكَامِ وَالْقُرْآنِ، الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ ﷿ فِي التَّنْزِيلِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة: التوبة، آية رقم: ١٠٠] فَإِنَّكَ إِنْ أَرَدْتَ التَّوَصُّلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْقَرْنِ، لَمْ يَذْكُرْهُمْ لَكَ إِلَّا رَاوٍ لِلْحَدِيثِ، مُتَحَقِّقٌ بِهِ، أَوْ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ أَهْلِهِ، وَمَنْ سِوَى ذَلِكَ فَرَبُّكَ بِهِمْ أَعْلَمُ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِ الْعِلْمِ، مِمَّنْ جَلَسَ مَجْلِسَ الرِّيَاسَةِ، وَاسْتَحَقَّهَا لِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، لَحِقَهُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ جَفَاءٌ، قَلِقَ عِنْدَهُ، وَغَمَّهُ مَا شَاهَدَ مِنْ عَقْدِ الْمَجَالِسِ وَنَصْبِ الْمَنَابِرِ لِغَيْرِهِ، وَتَكَاثُفِ النَّاسِ فِي مَجْلِسِ مَنْ لَا يُدَانِيهِ فِي عِلْمِهِ وَمَحَلِّهِ، فَعَرَّضَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي كَلَامٍ لَهُ، يَفْتَتِحُ بِهِ بَعْضَ مَا صَنَّفَ، فَقَالَ: «يُتْرَكُ الْمُحَدِّثُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ وَكَانَ مَصِيرُهُ إِلَى قَبْرِهِ قِيلَ عِنْدَ الشَّيْخِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ فَاكْتُبُوهُ»، فَلَمْ يَنْقُصْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِهِ مَا نَقَصَ مِنْ نَفْسِهِ، لِظُهُورِ الْعَصَبِيَّةِ فِيهِ، وَلَأَنَّهُ عَوَّلَ فِي أَكْثَرِ مَا أَوْدَعَهُ كُتُبَهُ وَأَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ عَلَى طَبَقَةٍ لَا يَعْرِفُونَ إلا الْحَدِيثَ، وَلَا يَنْتَحِلُونَ سِوَاهُ، وَهُمْ عُيُونُ رِجَالِهِ، لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ يُذْكَرُ بِالدِّرَايَةِ وَلَا يُحْسِنُ غَيْرَ الرِّوَايَةِ، فَإِلَّا تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْعِلْمِ ⦗١٦١⦘، وَخَفَضَ جَنَاحَهُ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَمْ يُبَهْرِجْ شُيُوخَهُ الَّذِينَ عَنْهُمْ أَخَذَ، وَبِهِمْ تَصَدَّرَ، وَوَفَّى الْفُقَهَاءَ حُقُوقَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَمْ يَبْخَسِ الرُّوَاةَ حُظُوظَهُمْ مِنَ النَّقْلِ، وَرَغَّبَ الرُّوَاةَ فِي التَّفَقُّهِ، وَالْمُتَفَقِّهَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ بِفَضْلِ الْفَرِيقَيْنِ، وَحَضَّ عَلَى سُلُوكِ الطَّرِيقَيْنِ؟ فَإِنَّهُمَا يَكْمُلَانِ إِذَا اجْتَمَعَا وَيَنْقُصَانِ إِذَا افْتَرَقَا. فَتَمَسَّكُوا - جَبَرَكُمُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَتَبَيَّنُوا مَعَانِيَهِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِهِ، وَدَعُوا مَا بِهِ تُعَيَّرُونَ مِنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ وَتَكْثِيرِ الْأَسَانِيدِ، وَتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الْأَحَادِيثِ، وَمَا دَلَّسَهُ الْمَجَانِينُ، وَتَبَلْبَلَ فِيهِ الْمُغَفَّلُونَ، وَاجْتَهِدُوا فِي أَنْ تُوفُوهُ حَقَّهُ مِنَ التَّهْذِيبِ وَالضَّبْطِ وَالتَّقْوِيمِ، لِتَشْرُفُوا بِهِ فِي الْمَشَاهِدِ، وَتَنْطَلِقُ أَلْسِنَتُكُمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَحْفلوا بِمَنْ يَعْتَرِضُ عَلَيْكُمْ حَسَدًا عَلَى مَا آتَاكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرٌ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا الذُّكْرَانُ، وَنَسَبٌ لَا يُجْهَلُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَكَفَى بِالْمُحَدِّثِ شَرَفًا أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مَقْرُونًا بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذِكْرُهُ مُتَّصِلًا بِذِكْرِهِ، وَذِكْرِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ: نَرَاكَ تَشْتَهِي أَنْ تُحَدِّثَ فَقَالَ: أَوَلًَا أُحِبُّ أَنْ يَجْتَمِعَ اسْمِي وَاسْمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ. وَحَسْبُكَ جَمَالًا عَصَبَةٌ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵈، وَمَنْ يَلِيهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَأَهْلِ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَالْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْخُلَفَاءِ، وَمَنْ لَا يُدْرِكُهُ الْإِحْصَاءُ، مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالنُّبَلَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، وَالْأَشْرَافِ وَذَوِي الْأَخْطَارِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَمِّيهِمُ الْحَشْوِيَّةُ وَالرَّعَاعُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُمْ أَغْثَارٌ وَحَمَلَةُ أَسْفَارٍ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

1 / 1

مُقَدِّمَةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّ اللَّهِ وَآلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَشْنَأُ الْحَدِيثَ وَيُبْغِضُ أَهْلَهُ، فَقَالُوا بِتَنَقُّصِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَأَسْرَفُوا فِي ذَمِّهِمْ وَالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ الْحَدِيثَ وَفَضَّلَ أَهْلَهُ، وَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ، وَحَكَّمَهُ عَلَى كُلِّ نِحْلَةٍ، وَقَدَّمَهُ عَلَى كُلِّ عَلْمٍ، وَرَفَعَ مِنْ ذِكْرِ مَنْ حَمَلَهُ وَعُنِيَ بِهِ، فَهُمْ بَيْضَةُ الدِّينِ وَمَنَارُ الْحُجَّةِ، وَكَيْفَ لَا يَسْتَوْجِبُونَ الْفَضِيلَةَ، وَلَا يَسْتَحِقُّونَ الرُّتْبَةَ الرَّفِيعَةَ، وَهُمُ الَّذِينَ حَفِظُوا عَلَى الْأُمَّةِ هَذَا الدِّينَ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْبَاءِ التَّنْزِيلِ، وَأَثْبَتُوا نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، وَمَا عَظَّمَهُ اللَّهُ ﷿ بِهِ مِنْ شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَنَقَلُوا شَرَائِعَهُ، وَدَوَّنُوا مَشَاهِدَهُ، وَصَنَّفُوا أَعْلَامَهُ وَدَلَائِلَهُ، وَحَقَّقُوا مَنَاقِبَ عِتْرَتِهِ، وَمَآثِرَ آبَائِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَجَاءُوا بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَخْبَارِ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَعَبَّرُوا عَنْ جَمِيعِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ، وَظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، مِنْ مَنَامٍ وَيَقَظَةٍ، وَإِشَارَةٍ وَتَصْرِيحٍ، وَصَمْتٍ وَنُطْقٍ، وَنُهُوضٍ وَقُعُودٍ، وَمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، وَمَلْبَسٍ وَمَرْكَبٍ، وَمَا كَانَ سَبِيلَهُ فِي حَالِ الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْإِنْكَارِ وَالْقَبُولِ، حَتَّى الْقُلَامَةَ مِنْ ظُفُرِهِ، مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهَا، وَالنُّخَاعَةَ مِنْ فِيهِ أَيْنَ كَانَتْ وِجْهَتُهَا، وَمَا كَانَ يَقُولُهُ عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ يُحْدِثُهُ وَيَفْعَلُهُ عِنْدَ كُلِّ مَوْقِفٍ وَمَشْهَدٍ يَشْهَدُهُ تَعْظِيمًا لَهُ ﷺ، وَمَعْرِفَةً بِأَقْدَارِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ وَأُسْنِدَ إِلَيْهِ، فَمَنْ عَرَفَ لِلْإِسْلَامِ حَقَّهُ، وَأَوْجَبَ لِلرَّسُولِ حُرْمَتُهُ، أَكْبَرَ أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَهُ، وَأَعْلَى مَكَانَهُ، وَأَظْهَرَ حُجَّتَهُ وَأَبَانَ فَضِيلَتَهُ، وَلَمْ يَرْتَقِ بِطَعْنِهِ إِلَى حِزْبِ الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِ الْوَحْيِ، وَأَوْعِيَةِ الدِّينِ، وَنَقَلَةِ الْأَحْكَامِ وَالْقُرْآنِ، الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ ﷿ فِي التَّنْزِيلِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَإِنَّكَ إِنْ أَرَدْتَ التَّوَصُّلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْقَرْنِ، لَمْ يَذْكُرْهُمْ لَكَ إِلَّا رَاوٍ لِلْحَدِيثِ، مُتَحَقِّقٌ بِهِ، أَوْ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ أَهْلِهِ، وَمَنْ سِوَى ذَلِكَ فَرَبُّكَ بِهِمْ أَعْلَمُ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِ الْعِلْمِ مِمَّنْ جَلَسَ مَجْلِسَ الرِّيَاسَةِ وَاسْتَحَقَّهَا لِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، لَحِقَهُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ جَفَاءٌ، قَلِقَ عِنْدَهُ، وَغَمَّهُ مَا شَاهَدَ مِنْ عَقْدِ الْمَجَالِسِ وَنَصْبِ الْمَنَابِرِ لِغَيْرِهِ، وَتَكَاثُفِ النَّاسِ فِي مَجْلِسِ مَنْ لَا يُدَانِيهِ فِي عِلْمِهِ وَمَحَلِّهِ، فَعَرَّضَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي كَلَامٍ لَهُ، يَفْتَتِحُ بِهِ بَعْضَ مَا صَنَّفَ، فَقَالَ: يُتْرَكُ الْمُحَدِّثُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ وَكَانَ مَصِيرُهُ إِلَى قَبْرِهِ قِيلَ عِنْدَ الشَّيْخِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ فَاكْتُبُوهُ فَلَمْ يَنْقُصْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِهِ مَا نَقَصَ مِنْ نَفْسِهِ، لِظُهُورِ الْعَصَبِيَّةِ فِيهِ، وَلَأَنَّهُ عَوَّلَ فِي أَكْثَرِ مَا أَوْدَعَهُ كُتُبَهُ وَأَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ عَلَى طَبَقَةٍ لَا يَعْرِفُونَ الْحَدِيثَ، وَلَا يَنْتَحِلُونَ سِوَاهُ، وَهُمْ عُيُونُ رِجَالِهِ، لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ يُذْكَرُ بِالدِّرَايَةِ وَلَا يُحْسِنُ غَيْرَ الرِّوَايَةِ، فَإِلَّا تَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْعِلْمِ، وَخَفَضَ جَنَاحَهُ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَمْ يُبَهْرِجْ شُيُوخَهُ الَّذِينَ عَنْهُمْ أَخَذَ، وَبِهِمْ تَصَدَّرَ، وَوَفَّى الْفُقَهَاءَ حُقُوقَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَمْ يَبْخَسِ الرُّوَاةَ حُظُوظَهُمْ مِنَ النَّقْلِ، وَرَغَّبَ الرُّوَاةَ فِي التَّفَقُّهِ، وَالْمُتَفَقِّهَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ بِفَضْلِ الْفَرِيقَيْنِ، وَحَضَّ عَلَى سُلُوكِ الطَّرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَكْمُلَانِ إِذَا اجْتَمَعَا وَيَنْقُصَانِ إِذَا افْتَرَقَا فَتَمَسَّكُوا جَبَرَكُمُ اللَّهُ بِحَدِيثِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَتَبَيَّنُوا مَعَانِيَهِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِهِ، وَدَعُوا مَا بِهِ تُعَيَّرُونَ مِنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ وَتَكْثِيرِ الْأَسَانِيدِ، وَتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الْأَحَادِيثِ، وَمَا دَلَّسَهُ الْمَجَانِينُ، وَتَبَلْبَلَ فِيهِ الْمُغَفَّلُونَ، وَاجْتَهِدُوا فِي أَنْ تُوفُوهُ حَقَّهُ مِنَ التَّهْذِيبِ وَالضَّبْطِ وَالتَّقْوِيمِ، لِتَشْرُفُوا بِهِ فِي الْمَشَاهِدِ، وَتَنْطَلِقُ أَلْسِنَتُكُمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِمَنْ يَعْتَرِضُ عَلَيْكُمْ حَسَدًا عَلَى مَا آتَاكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرٌ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا الذُّكْرَانُ، وَنَسَبٌ لَا يُجْهَلُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَكَفَى بِالْمُحَدِّثِ شَرَفًا أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مَقْرُونًا بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَذِكْرُهُ مُتَّصِلًا بِذِكْرِهِ وَذِكْرِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ: نَرَاكَ تَشْتَهِي أَنْ تُحَدِّثَ فَقَالَ: أَوَلَا أُحِبُّ أَنْ يَجْتَمِعَ اسْمِي وَاسْمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ وَحَسْبُكَ جَمَالًا عَصَبَةٌ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵈، وَمَنْ يَلِيهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَأَهْلِ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَالْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْخُلَفَاءِ، وَمَنْ لَا يُدْرِكُهُ الْإِحْصَاءُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالنُّبَلَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، وَالْأَشْرَافِ وَذَوِي الْأَخْطَارِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَمِّيهِمُ الْحَشْوِيَّةُ وَالرَّعَاعُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُمْ أَغْثَارٌ وَحَمَلَةُ أَسْفَارٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
بَابُ ⦗١٦٣⦘ فَضْلِ النَّاقِلِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

1 / 162

٢ - حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْوَادِعِيُّ قَاضِي الْكُوفَةِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو طَاهِرٍ، ثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خُلَفَاؤُكَ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَرْوُونَ أَحَادِيثِي، وَسُنَّتِي وَيُعَلِّمُونَهَا لِلنَّاسِ»

1 / 163

٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الشَّيْبَانِيُّ، ثَنَا عُمَرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ" يُقَالُ: يَغِلُّ وَيُغِلُّ، غَلَّ عَلَى قَلْبِهِ يَغِلُّ، إِذَا كَانَ ذَا غِشٍّ، وَأَغَلَّ يُغِلُّ إِذَا كَانَ ذَا غَدْرٍ، وَيُقَالُ: لَيْسَ عَلَى الْمُؤْتَمِنِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ بِمَعْنَى: غَيْرِ الْخَائِنِ، وَأَنْشَدَ:
[البحر الكامل]
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ ... بِالْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْأُصْبُعِ
فَمَنْ قَالَ: يَغِلُّ جَعَلَهُ مِنَ الْغِلِّ وَهُوَ الضَّغْنُ وَالْعَدَاوَةُ، وَمَنْ قَالَ: يُغِلُّ جَعَلَهُ مِنَ الْإِغْلَالِ مِنَ الْخِيَانَةِ
٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْدَانَ الْغزَّاءُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْأَنْطَاكِيُّ، ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ نِصْفَ النَّهَارِ، فَقُلْنَا: مَا خَرَجَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَهُ عَنْهُ قَالَ: أَجَلْ، سَأَلَنِي عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُ ⦗١٦٥⦘ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ» ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ

1 / 164

٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ»
٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخَثْعَمِيُّ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ»
حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَضَّرَ ⦗١٦٦⦘ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ»

1 / 165

٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى النَّرْسِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ رَجُلًا سَمِعَ مِنَّا كَلِمَةٍ فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، ثَنَا شَبَابٌ، ثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو خِدَاشٍ، ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، ثَنَا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ ⦗١٦٧⦘ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّعْوَةُ لِأَئِمَّتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ، مَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا نِيَّتُهُ وَأَكْبَرُ هَمِّهِ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ لَهُ، وَمَنْ تَكُنِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ وَأَكْبَرَ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ"
١٠ - قَالَ الْقَاضِي: قَوْلِهِ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» مُخَفَّفٌ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُهُ بِالتَّثْقِيلِ إِلَّا مَنْ ضَبَطَ مِنْهُمْ، وَالصَّوَابُ التَّخْفِيفُ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فِي مَعْنَى: أَلْبَسَهُ اللَّهُ النَّضْرَةَ، وَهِيَ الْحُسْنُ وَخَلُوصُ اللَّوْنِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: جَمَّلَهُ اللَّهُ وَزَيَّنَهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى: أَوْصَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَضْرَةِ الْجَنَّةِ، وَهِيَ نِعْمَتُهَا وَنَضَارَتُهَا؛ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وَقَالَ: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] وَفِيهِ لُغَتَانِ ⦗١٦٨⦘ تَقُولُ: «نَضِرَ وَجْهُ فُلَانٍ»، بِكَسْرِ الضَّادِ يَنْضَرُ نَضْرَةً، وَنَضَارَةً وَنُضُورًا وَنَضَرَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَأَنْضَرَهُ لُغَتَانِ، تَقُولُ: نَضَرَ اللَّهُ وَجْهَ فُلَانٍ، فَنَضِرَ، فَالْوَجْهُ نَضِيرٌ، وَنَاضِرٌ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَضِرَ وَجْهُهُ فَهُوَ نَاضِرٌ مِنْ فِعْلِهِ، قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الكامل]
طَرِبَ الْحَمَامُ بِذِي الْأَرَاكِ فَشَاقَنِي ... لَا زِلْتُ فِي فَنَنٍ وَأَيْكٍ نَاضِرٍ
يَعْنِي «بِالنَّاضِرِ»: الْمَوْرَقُ الْغَضُّ وَرَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَ عَبْدٍ»

1 / 166

١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، ثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى، ثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْخَيَّاطُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَقَالَ: " نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَ عَبْدٍ سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَمَلَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ ⦗١٦٩⦘ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ " فَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نَاقِلِ السُّنَّةِ وَوَاعِيهَا، وَدَلَّ عَلَى فَضْلِ الْوَاعِي بِقَوْلِهِ: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ» وَبِوُجُوبِ الْفَضْلِ لِأَحَدِهِمَا يَثْبُتُ الْفَضْلُ لِلْآخَرِ مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ تُمَثِّلَ بَيْنَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ ⦗١٧٠⦘ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَبَيْنَ أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، فَإِنَّ الْحَقَّ يَقُودُكَ إِلَى أَنْ تَقْضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْفَضْلِ، وَهَذَا طَرِيقُ الْإِنْصَافِ لِمَنْ سَلَكَهُ، وَعَلَّمَ الْحَقَّ لِمَنْ أَمَّهُ، وَلَمْ يَتَعَدَّهُ

1 / 168

١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ الْغَزَّاءُ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمِصِّيصِيُّ، ثنا رُوحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا حَبَّذَا كُلُّ عَالِمٍ نَاطِقٌ وَمُسْتَمِعٌ وَاعٍ»

1 / 170

١٣ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُفَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ قُتَيْبَةَ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ: مُسْتَمِعٌ وَاعٍ أَوْ عَالِمٌ نَاطِقٌ "
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عِيسَى بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْحِجِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ بِالْحَدِيثِ، فَلْيُحَدِّثِ الْحَاضِرُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ»
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، بِمَدِينَةِ كَازَرُونَ مِنْ فَارِسَ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الرَّسْعَنِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَرْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ وَدَاعَةَ الْغَافِقِيِّ قَالَ ⦗١٧٢⦘: كُنْتُ بِجَنْبِ مَالِكِ بْنِ عَتَاهِيَةَ الْغَافِقِيِّ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَى جَنْبِهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَغَافِلٌ أَوْ هَالِكٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى أَقْوَامٍ سَيُبَلِّغُونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ عَقِلَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأَ بَيْتًا، أَوْ مَقْعَدَهُ فِي جَهَنَّمَ»

1 / 171

١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَهْوَازِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الضَّيْفِ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا زِيَادُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَزَّةُ بِنْتُ عِيَاضٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ جَدَّهَا أَبَا قِرْصَافَةَ، وَاسْمُهُ جَنْدَرَةُ بْنُ خَيْشَنَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَدِّثُوا عَنِّي مَا تَسْمَعُونَ مِنِّي، وَلَا تَقُولُوا إِلَّا حَقًّا، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ بُنِيَ لَهُ فِي جَهَنَّمَ بَيْتٌ يُوقَعُ فِيهِ»
١٧ - حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ السُّلَمِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ⦗١٧٣⦘ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا عَالِمًا»

1 / 172