الجامع الكافي في فقه الزيدية

في

جامع آل محمد

مصنف السيد الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحسني

رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار

آمين اللهم آمين باب الشهادة في النكاح

صفحة ١

مسألة أقل العدة الذين ينعقد النكاح بشهادتهم

قال أحمد، والقاسم والحسن، ومحمد: لا نكاح إلا بولي وشاهدين، قال محمد: وإذا زوج رجل ابنة له صغيرة لم تبلغ أو كبيرة بإذنها من رجل غائب واشهد على ذلك شاهدين فبلغ الزوج ذلك فأجازه فالنكاح جائز ولو أن الأب فسخ النكاح قبل أن يبلغ الزوج جاز فسخه؛ لأن عقدة النكاح لم تتم، وإنما تتم بقبول الزوج وإجازته.

مسألة شهادة النساء في النكاح

قال القاسم عليه السلام: لا بد في كل نكاح من اشهاد رجلين عدلين.

وقال محمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والطلاق وهو قول أبي حنيفة، ولا تجوز شهادة أربع نسوة في الطلاق ولا في النكاح.

صفحة ٢

وروي عن علي عليه السلام أنه قال: تجوز شهادة النساء في كل شيء؛ إلا في الحدود.

قال محمد: تجوز شهادة الأب لابنته، وشهادة الابن لأبيه، وإذا شهد رجلان لأبيهما أنه تزوج امرأة، وأنكرت المرأة جازت شهادتهما إذا كانا عدلين.

مسألة قال القاسم عليه السلام: لا تجوز شهادة المملوك.

وقال محمد: شهادة المملوك جائزة إذا كان عدلا إلا شهادته لسيده، قد استشهد علي عليه السلام عند شريح عبدا أسود على درعه، وقد روى سعدان عن محمد أنه قال: لا تجوز شهادة العبد.

مسألة قال القسم عليه السلام فيما روى داود عنه: تجوز شهادة الأعمى فيما يعلم مثله من محسن أو سماع، وقال لا تجوز شهادة الأعمى إلا على النسب؛ فإن شهد الأعمى بشيء قد عرفه قبل عماه قبلت شهادته.

مسألة قال محمد: وإذا ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها من وليها برضى منها، وأن الشهود ماتوا أو غابوا، فانكرت المرأة ذلك كله، فللزوج أن يحلفها على ذلك؛ فإن حلفت منعه القاضي منها، وحال بينه وبينها، وإن نكلت عن اليمين قضى القاضي بأنها امرأته، وأثبت النكاح.

صفحة ٣

وروي عن حسن وشريك قالا: لا تستحلف وكذلك إن ادعى الولي أنه زوجها برضاها، وقالت: لم أرض فعليها اليمين، وكذلك لو ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها من وليها برضا منها، وأن الشهود ماتوا أو غابوا فأنكر الزوج ذلك فعليه اليمين؛ فإن حلف فلا نكاح بينهما، وإن نكل عن اليمين فهي امرأته، والنكاح ثابت.

وروى محمد بإسناده عن ثابت بن هرمز أن رجلا خطب امرأة فأبت أن تزوجه فقدمها إلى علي عليه السلام وجاء بشاهدين فشهدا أنها امرأته، فأمكنه منها، فقالت: يا أمير المؤمنين والله ما تزوجني فجدد نكاحي، فقال: اذهبي هما زوجاك.

قال محمد: بلغنا أن علي بن أبي طالب عليه السلام تقدم إليه عبد الله بن الحسن وعكرمة بن حنبص في امرأة ادعى كل واحد منهما أنها امرأته، وأقام كل واحد منهما البينة أنها امرأته، وأقام عبد الله أنه تزوجها أولا، وجاءت المرأة بولد فقضى علي عليه السلام بالمرأة لعبد الله، وقضى بالولد لعكرمة، وقال لعبد الله: لا تقربها حتى تستبرئ من عكرمة.

مسألة إذا ادعت المرأة الدخول وأنكر الرجل

وعلى قول محمد: إذا ادعت المرأة على زوجها أنه دخل بها وأنكر وأقامت بينة أنه قد خلى بها وأغلق بابا، وأرخى سترا فلها المهر كاملا.

صفحة ٤

باب المهور

مسألة أقل المهر

قال أحمد بن عيسى والقاسم بن محمد: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم.

بلغنا ذلك عن علي عليه السلام وابن عمر والشعبي والنخعي، وروى محمد بإسناده عن جابر قال قال النبي : ((لا مهر دون عشرة دراهم)).

وعن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أعطى في صداق مثل هذا برا، أو دقيقا أو سويقا فقد استحل)).

قال محمد: ووجه هذا عندنا أن الرجل إذا تزوج على صداق مسمى فعجل لها من صداقها ما قل أو كثر فقد حل له الدخول بها حللته مما بقى أو أخرته، وروى محمد عن حسن وسفيان وشريك قالوا: يجوز النكاح على درهم.

صفحة ٦

قال محمد : وإن تزوج امرأة على أقل من عشرة دراهم أو على عرض بعينه بقيمة أقل من عشرة دراهم فالنكاح ثابت ويكمل لها تمام عشرة دراهم ويعتبر قيمة العرض يوم وقع العقد.

مسألة فإن تزوجها على عرض قيمته خمسة دراهم، ثم طلقها قبل أن يدخل بها فلها نصف العرض أو درهما ونصف، وإن كان قد دفع إليها العرض أو الخمسة دراهم رجع عليها بنصف العرض وبدرهمين ونصف، بلغنا ذلك عن علي عليه السلام.

مسألة فإن تزوجها على عشرة دراهم فأعطاها بها عرضا قيمته عشرة دراهم، ثم طلقها قبل أن يدخل بها رجع عليها بخمسة دراهم.

مسألة إذا زوج الولي حرمته على دون مهر مثلها

قال محمد: وإذا زوج الأب ابنته البالغة من كفو على دون مهر مثلها فأجازت النكاح، فلها مهر مثلها؛ فإن طلقها قبل الدخول بها فلها نصف صداق مثلها، وهو قول أبي حنيقة، وقال في وقت آخر: وإذا زوج الأب ابنته قبل أن تبلغ على دون صداق مثلها بقدر ما يتغابن الناس بمثله جاز النكاح ولها ما سمي لها من المهر، وإن زوجها على دون صداق مثلها بما لا يتغابن الناس بمثله، فعلى ماروي عن زيد بن علي عليه السلام.

وعن أبي حنيفة وزفر أن النكاح لازم لها ولها ما سمى من المهر، وقال بعضهم: لها مهر مثلها.

صفحة ٧

قال محمد: وإذا زوج الصبي أبوه أو جده أبو أبيه امرأة على أكثر من مهر مثلها بما يتغابن الناس بمثله لزم الصبي ما سمي من المهر ، وإن زوجه امرأة على أكثر من صداق مثلها بما لا يتغابن الناس بمثله، فعلى ما روي عن زيد بن علي عليه السلام، وعن أبي حنيفة وزفر: أن النكاح جائز، ويلزم الصبي ما سمي من المهر بمنزلة البيع، وقال بعضهم: إذا كان مالا يتغابن الناس بمثله، وفيه احتياج لمال الصبي لم يجز.

مسألة فيمن دخل بزوجته قبل أن يعطيها مهرها

قال القاسم عليه السلام في رواية داود عنه والحسن فيما روى ابن صباح عنه وهو قول محمد : ولا بأس أن يدخل الرجل بالمرأة قبل أن يعطيها شيئا من مهرها إذا تراضيا على ذلك.

وقال الحسن عليه السلام(¬1): إذا تزوج رجل امرأة فلها أن تمنعه أن يدخل بها حتى يعطهيا صداقها، وكذلك إذا دفع إليها بعض صداقها فلها أن تمتنع عليه أن يدخل بها؛ حتى يوفيها جميع صداقها.

صفحة ٨

قال محمد: وإن اعطاها بعض صداقها ودخل بها فليس لها أن تمنع نفسها ولها أن تطالبه باقي صداقها، وإذا طلق امرأته تطليقة ثم راجعها فليس لها عليه مهر هي امرأته، وإذا وهبت المرأة لزوجها مهرها كله قبل أن تقبضه منه قبل دخوله بها أو بعد دخوله بها فهو جائز، ويستحب له أن يعطيها منه شيئا.

وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جهز امرأة إلى زوجها ولم ينفدها شيئا، قال محمد: آخر الصداق عليه.

مسألة إذا تزوجها على خنزير أو خمر أو مالا يجوز بيعه وشراؤه

قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة على خنزير، أو ميتة، أو على حر وهي تعلم أنه حر وميتة فلها مهر مثلها والنكاح ثابت وهو قول حسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه، وقال قوم: يبتدي النكاح في مثل هذا، وإذا تزوجها على عبد فوجدته حرا، أو على دن خل فوجدته خمرا، أو على شاة مذبوحة فإذا هي ميتة فلها قيمة الحر لو كان مملوكا، وقيمة الشاة لو كانت ذكية، وقيمة الخمر إذا كان خلا، إن كان قيمته عشرة دراهم فصاعدا وإلا فليتم لها عشرة دراهم، وكذلك لو تزوجها على مكاتب، أو مدبر، أو أم ولد، أو ابن مكاتبة، أو ابن مدبرة أو ابن أم ولد من غير سيدها وهي لا تعلم، وقال أبو حنيفة: لها مهر مثلها في ذلك.

صفحة ٩

قال محمد: والقول الأول عندنا أقوى، وهو قول حسن بن صالح، وهو عندي على قول علي عليه السلام في غير هذه المسألة، وهو قول أبي يوسف في الخمر، قال: له مثله خلا وسطا، هذا آخر قولي محمد، والقول الأول لها [ص280] مهر مثلها في هذا كله قاله في المجموع، وعلى قول محمد في هذه المسألة إذا تزوج الذمي ذمية على خنزير أو خمر غير معينين، ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل أن يعطيها المهر فلها مهر المثل في الخنزير، وقيمة الخمر، وهو قول أبي حنيفة.

وقال يعقوب: لها مهر المثل فيهما سواء كان بعينه أو بغير عينه، وقال محمد: لها القيمة فيهما جميعا، وعلى قول محمد أيضا في هذه المسألة إذا تزوجها على عبدين فوجدت أحدهما حرا فلها العبد وقيمة الحر لو كان عبدا.

وروى ابن خليد عن محمد أنه سمعه يقول: إذا سرق رجل مائة درهم، ثم قال لامرأة اتزوجك على هذه المائة درهم بعينها فالفرج عليه حرام-يعني أن عليه أن لا يقربها حتى يبرأ من صاحب الدراهم-.

قال محمد: وإذا تزوجها على مائة درهم فأعطاها من مال حرام فالإثم عليه في المال الحرام، والفرج له حلال.

مسألة إذا لم يذكر المهر، ثم طلقها قبل أن يدخل بها

صفحة ١٠

قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة بولي وشهود على غير مهر مسمى فالنكاح ثابت ولها مهر مثلها -يعني من أخواتها وعماتها ونسائها- إن كان دخل بها، وكذلك إن تزوجها على مهر ليس بمال مثل أن أن يتزوجها على طلاق أخرى، أو على أن يخرجها من دارها؛ فإن طلقها قبل أن يدخل بها فلها عليه المتعة سواء كانت المطلقة حرة أم مملوكة أو مدبرة، أو مكاتبة، أو أم ولد يهودية أو نصرانية فلها المتعة كما قال الله عز وجل: و{على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}[البقرة:236].

وروى محمد بإسناده عن ابن عباس قال: أرفع المتعة الخادم، ثم دونها الكسوة، ثم دونها النفقة.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس للمتعة حد غير أن الحسن بن علي عليه السلام كان يمتع الخادم، والوصيف.

وعن الحسن بن علي عليه السلام: أنه طلق عائشة بنت خليفة فوفاها صداقا كاملا، ومتعها عشرة آلف درهم، ومن طلق امرأته قبل أن يدخل بها وقد سمى لها صداقا فلها نصف ما سمي لها، وإذا كان لرجل على امرأته ألف درهم دينا فتزوجها على الألف الدرهم التي له عليها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإنه يرجع عليها بخمس مائة، وإذا تزوج رجل صبية لم تبلغ فوطئ أمها حرمت عليه امرأته ولها نصف الصداق؛ لأن تحريمها جاء من قبله هو حرمها على نفسه فكأنه طلقها ولا تحل له أبدا.

مسألة إذا تزوج امرأة على مملوك أو على متاع بيت

صفحة ١١