الجدول في إعراب القرآن
الناشر
دار الرشيد،دمشق - مؤسسة الإيمان
الإصدار
الثالثة
سنة النشر
١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
مكان النشر
بيروت
المقدمة
بسم الله الذي أقسم بالقلم رمز العلم - فقال جل شأنه ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾.
باسم الله الذي اختار لكتابه الكريم أن تكون لغته عربية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فجعل لغته لا أفصح منها ولا أبلغ ولا أسلم، بل جعل لغته لغة أعجزت العرب أمة الفصاحة والبلاغة أن تأتي بمثله أو بسورة واحدة مثله.
والحمد لله الذي منَّ على هذه الأمة بحفظ لغتها وصانها من كل تحريف أو تغيير، وذلك عندما تجلت إرادته ﷾ بحفظ هذا الكتاب العزيز ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وكان حفظ هذا الكتاب الكريم حفظًا لهذه اللغة العربية من أي تحريف أو تغيير.
والصلاة والسلام على رسول الهدى- أفصح من نطق الضاد- الذي بلّغ هذا الكتاب السماوي الكريم، وجهد نفسه بحفظه مما قد يطرأ عليه من آثار النسيان والسهو، فكان يسارع إلى تكراره رغبة في ترسيخ في نفسه، فأتعب بذلك نفسه، فأنزل الله ﷿ عليه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
وبعد:
رحم الله مؤلف هذا الكتاب الأستاذ محمود صافي الذي بذل السنوات الطوال جادًا مكافحًا، ساهرًا مغالبًا النوم، حتى استطاع أن يقدم لقراء اللغة العربية ما يخدم لغتهم، ولطلبة العلم الشريف ما يوطئ لهم سبل الطلب
1 / 7
ويسهلها عليهم، فقدم لهم هذا السفر الضخم من إعراب القرآن الكريم إعرابًا كاملًا، واختار له الأسلوب المدرسي الميس ر، فخدم بذلك العلم والعلماء، وسهل الدرس على طلبة العلم، وأضاف جديدًا على ما قدمه سلفنا الصالح من خدمات جلّى للقرآن الكريم.
ويكفي مؤلف هذا الكتاب فخرًا أن كتابه هذا هو أول كتاب كامل صدر في اعراب القرآن، بالإضافة الى ما تحلى به من دقة في البحث وتنسيق في السرد، ودرس في أبحاث الصرف.
ولئن كان بداية العمل على إصدار هذا المؤلف الضخم متوافقة مع ساعة انتقال المؤلف إلى العالم الآخر، ليتلقى هناك- في عالم الخلود- جزاء ما قدمت يداه من خير وفير... فإننا نعلم حقيقة العلم أن المؤلف ﵀ لو أمهله القدر حتى يخرج كتابه هذا في طبعتين متلاحقتين، ويسمع إلى ملاحظات القراء الذين رغبوا في أن يضاف إلى هذا السفر العظيم دراسة بلاغية وملاحظات تفيد القارئ في مجالها المناسب، لما تباطأ عن تلبية هذه الرغبة، ولسارع إلى امتشاق القلم، ومكابدة الليالي الطوال، تحقيقًا لهذه الرغبة وإتمامًا للفائدة المطلوبة لذلك.
وتمشيًا مع ما نتوقعه من رغبته -طيب الله ثراه- في تلبية طلب القراء، وتتميمًا للفائدة المتوخاة، عمدت دار الرشيد إلى تكليف بعض الأساتذة المتخصصين بتصنيف هذه الزيادات المطلوبة، رأينا أن دمجها مع الكتاب يحقق الفائدة للقارئ ويوافق ما نتوقعه من رغبة كل مؤلف في تكميل ما قدمه.
لذلك وتحقيقًا للأمانة العلمية لا بد من التأكيد في مطلع هذا الكتاب على أن كل ما ذكر فيه تحت عنوان (البلاغة) أو (الفوائد) إنما قد أضيف على ما كان خطه المؤلف ﵀.
آملين أن نكون بذلك العمل قد أتممنا الفائدة المرجوة من هذا الكتاب، وحققنا عملًا نرجو أن يكون في ميزان مؤلفه عند الله والله ولي التوفيق.
دمشق ٣/ ٦/ ١٩٩٠
الدكتور محمد حسن الحمصي
1 / 8
تقديم الطبعة السابقة والتي كانت بعنوان الجدول في إِعراب القران وصرفه
بقلم الأستاذ نور الدين شمس باشا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للُه الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على صفوته من خلقه محمد سيد الكائنات، وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين.. أما بعد..
فما عرفت الإنسانية في تاريخها العريق كتابًا كان له من التكريم والتعظيم ما كان لقرآن الله العظيم، فقد تنافس الناس في فهمه ودرسه وحفظه والعناية به، منذ أن نزل على قلب الهادي الأمين، وكانت لهم في خدمته صولات وجولات: شرحوا آياته، وفسروا كلماته، وكتبوا في إعجازه وبلاغته، وألّفوا في صرفه ونحوه، واستنبطوا أحكامه، وبوَّبُوا موضوعاته وأبانوا ناسخه ومنسوخه، وميَّزوا بين مكيّه ومدنيّه، وتحدثوا عما كان من أسباب نزوله، وأحصوا قراءاته، ووضعوا الأدلة والفهارس والمعاجم لألفاظه وآياته، وقعَّدوا القواعد لضبط قراءته وتجويد تلاوته.. وما تزال أقلام العلماء منهم تدفع إلى المطابع كل صباح بما ينمّي هذا الرصيد المبارك، وبما يكون له شرف الإسهام في جلاء المزيد من علوّ قدره ورفعة شأنه.. حتى لقد ازداد الذين آمنوا إيمانًا بأن منزّل الذكر، سبحانه، هو الموكّل بحفظه وصونه..
وما كتاب "إعراب القرآن الكريم" بأجزائه الثلاثين لمؤلفه الأستاذ المرحوم محمود عبد الرحيم صافي، طيب الله ثراه، إلا حلقة في هذه السلسلة الخالدة، وخيط نور باهر الألق في حزمة الضياء المنبعثة أبدًا من كتاب الله، والممتدة سرمدًا بين السماء والأرض، تهدي السالكين إلى
1 / 9
جادة الحق، ضالة الراشدين وبغية المهديين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
لقد بذل الأستاذ محمود صافي ﵀ في إعداد هذا الكتاب الكريم من الجهد ما يتناسب مع جلال المهمة التي استعد لها وندب نفسه للقيام بها. فكان لا يُرى إلا قارئًا أو كاتبًا.. نظر في أوثق التفاسير، واطلع على مختلف معاجم اللغة، وتناول أمهات كتب النحو بالدرس والمقارنة والتحليل وصبر نفسه الليالي ذوات العدد، حتى اختلطت عليه دلجة الليل بغسق الفجر، وهو مكبٌّ على آيات الله، موجِّهٌ عنايته إلى ناحية بعينها من كلماتها وجملها، وهي ناحية الإعراب والنحو، حتى كان له ما أراد فأنجز إعراب الكتاب الكريم في نحو سنواتٍ ست، وأسعد الله قلبه بأمل طالما تمنى تحقيقه، وبعمل طالما تاقت نفسه إلى النهوض به.
لم تكن الخطة التي انتهجها الأستاذ محمود صافي عملًا في الإعراب لقصد الإعراب وحده وإن كان الإعراب واحدًا من أبرز مقاصده، بل لقد كان المقصد الأساس في عمله كله - وإنما كانت، وقبل كل شيء، سعيًا وراء الملاءمة بين التفسير والقاعدة النحوية، فالإعراب لا يمكن أن يأتي دقيقًا صائبًا في منأى عن الفهم الصحيح للعبارة القرآنية الكريمة.. ومن هنا كانت الصعوبة، فمع كتابٍ ككتاب الله العظيم تشعبت فيه مذاهب المفسرين وتباينت مواقفهم من الكلمة ومدلولها وإيحائها، في كثير من الأحيان، كانت عملية الملاءمة هذه تبدو أمرًا في غاية الصعوبة.. إضافةً إلى أن الفهم البلاغي وتوجيه التعبير نحو هذا المقصد أو ذاك كان هو الآخر مصدر صعوبة لا يُستهان بها.. ومع ذلك فقد كان الأستاذ محمود، ﵀ وأجزل له الأجر، يتخير من الأوجه المتعددة ما يرى أنه أدناها إلى أصالة اللغة، مع حرص ظاهر في كثير من الأحيان
1 / 10
على إيراد الأوجه، الأخرى، محاولةً منه أن يترك لأولي البصر والتخصص مجالًا لقول أو مندوحة لرأي..
لقد أضاف الأستاذ محمود رحمه الله تعالى إلى المكتبة الإسلامية سفرًا سيكون لقارئيه نورًا يهديهم إلى مزيد من الفهم لكتاب الله العظيم، كما سيكون للأستاذ محمود نفسه نورًا على الصراط، وظلًا ظليلًا يوم لا ظل إلا ظل رحمته وعفوه..
وبعد.. فإنها ولا شك مشيئةٌ من الله تعالى أن يتوافق في هذا العمل مفارقتان اثنتان: ففي أصيل يوم بارد من أيام شباط عام ١٩٨٥ اختار الله إلى جواره مؤلف الكتاب الأستاذ محمود صافي بعد ساعةٍ واحدة من تسليم مسودته إلى دار الرشيد للطباعة والنشر لتتولى مشكورة طباعته وتوزيعه في العالم الِإسلامي.. لقد مات الرجل الكبير في ذات الساعة التي تمَّت فيها الولادة لعمل من أكثر الأعمال إرضاء لله تعالى!
رحم الله الأستاذ محمود صافي وأثابه على عمله المبرور رضوانًا منه وكرامة، وأجزل الله الأجر للأستاذ محمد حسن الحمصي الذي ما فتئ منذ أسس دار الرشيد للطباعة والنشر يتخيّر نفائس الكتب للنشر والتوزيع، مؤثرًا دائمًا ما يتعلق بكتاب اللُه الكريم وشرعه القويم شرحًا وتفسيرًا وفهرسة وطباعة، ومعطيًا عمله من العناية والإِتقان ما جعله موضع تقدير الجميع وإعجابهم وثنائهم..
أسأل الله أن يتقبل جهد العاملين المخلصين، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به أمة الأشلام إن ربنا سميع مجيب..
والحمد لله رب العالمين
٢١/ ١٢/ ١٤٠٥ هـ
٦/ ٩/ ١٩٨٥ م
نور الدين شمسي باشا
الموجه الفني للتربية الإسلامية، في دولة الكويت.
1 / 11
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المصنف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن عمل بسنته.
وبعد:
فهذا (الجدول في إعراب القرآن وصرفه) قد جعلته جدولًا في إعراب القرآن بعد أن أخرج محمد بن يوسف بن علي (أبو حيّان) الأندلسي كتابه الأشهر (البحر المحيط) في تفسير القرآن الكريم واعرابه، فهذا الكتاب جدول صغير في إعراب القرآن وصرفه، اقتصرت فيه على قراءة واحدة من القراءات السبع، وهي قراءة حفص بن سليمان الذي أخذ عن عاصم بن أبي النجود الأسدي.. فعلت ذلك حتى لا يضيع المبتدئ في متاهات الإعراب المتعلقة بالقراءات الأخرى، ولأن القارئ العادي لآيات القرآن الكريم لا يقرأ إلا هذه القراءة التي اُثرت عن حفص. ولكن قد يكون للكلمة المعربة بحسب هذه القراءة أكثر من وجه للإعراب فأختار، والحالة هذه، الإعراب المتعلق بالمعنى الأوضح والأظهر، ثم أحيل القارئ إلى أوجه الإعراب الأخرى في الحاشية إن كان ثمّة ضرورة لذلك.
1 / 13
وقد توخيت أن يكون الإعراب مدرسيًا من حيث الشكل، معتمدًا على الاصطلاحات الإعرابية الحديثة المألوفة في مدارسنا وجامعاتنا، لم أترك أيّة كلمة، اسمًا كانت أم فعلًا أم حرفًا من غير إعراب. ثم أعقب بعد إعراب الكلمة بإعراب الجمل، حتى ما كان منها خبرًا لمبتدأ أو لأحد النواسخ، وذلك كي أبتعد عن التكرار غير المفيد.. فإذا جاء خبر الكلمة جملة فليطلبه القارئ في إعراب الجمل آخر الآية.
كما أنني اقتصرت في الإِعراب على القواعد العامة حين يتقدم الجار والمجرور أو الظرف في الجملة، وقد اعتمدا على النفي أو الاستفهام... فهذا الجار والمجرور أو الظرف هو خبر مقدّم والاسم الذي يتلوه مبتدأ مؤخّر. ولم أعتمد الوجه الثاني الصحيح في الإعراب وهو أن يكون الاسم بعدهما معمولًا لهما أو لفعل الاستقرار المحذوف، بأن يكون هذا الاسم فاعلًا أو نائب فاعل للظرف أو الجار والمجرور.
وحين يتعارض الإعراب القرآنى مع القواعد النحوية أوثر تخاريج الإعراب على المعنى القرآني وإن خالف الصناعة النحوية لأننا كما يقول الدكتور صبحي الصالح (^١): "نجعل القرآن حكما على قواعد اللغة والنحو، ولا نجعل تلك القواعد حكمًا على القرآن، فما استمد النحاة قواعدهم إلا من القرآن بالدرجة الأولى... ".
وقد رأيت إتماما للفائدة أن أذيّل كل آية بدراسة صرفية اشتقاقية للكلمات الواردة فيها حتى تكون هذه الدراسة عونًا لكل طالب علم أو متعلم يبغي تعرف علم الصرف، وإدراك أساليبه في الإعلال والِإبدال والحذف والوزن، والإلمام بقواعده. ثم أحيل القارئ إلى الآية ورقمها حين يتكرر ورود الكلمات المدروسة مثنى وثلاث ورباع.
(^١) مباحث في علوم القرآن. ص ١٦٣.
1 / 14
وفي الختام أسال الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كلّ من قرأه واطّلع عليه، وأسأله تعالى أن يعفو عنِّي بكل خطأ غير متعمّد وقعت فيه، وبكل سهو غير مقصود فاتني استدراكه..
والله الموفق إلى كل خير، نعم المولى ونعم النصير.
حمص في ٨ شوال سنة ١٣٩٩
و٣٠ آب سنة ١٩٧٩
المصنف
محمود صافي
1 / 15
كلمة المراجع
بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
لقد كلفتني دار الرشيد بإلقاء نظرة تصحيحية أخيرة على كتاب (الجدول في اعراب القرآن وصرفه)، فتقبلت العمل بكل سرور، لما رأيت فيه من خدمة لكتاب الله ﷿.
غير أنني ما كدت أسير شوطًا في المراجعة، حتى تبدى لي وجود بعض ملاحظات تقتضي العودة الى المراجع، ذلك أن الأصل المخطوط لم يسلم من بعض هفوات وقع فيها المؤلف.
لذلك وبعد العودة الى الدار الناشرة (دار الرشيد) قمت بمراجعة كل ما قد يلاحظ على المخطوط، فوجدت أن معظم هذه الملاحظات أقرب الى أن تكون هفوات قلم، سها عنها المؤلف ﵀، لأنه- والحق يقال- كان مشغول الفكر دائمًا بالأمور التي قتلها بحثًا وتمحيصًا، فاختار الأفصح والأكثر تساوقًا مع المعنى.
ولئن كنت وقعت على بعض ملاحظات سها عنها القلم، مما لا يحتاج الى كد للذهن وغوص في المراجع، فإنني فيما عدا ذلك كنت - في كل مرة أميل فيها إلى رأي مخالف للرأي الذي تبناه المؤلف- أجد بعد البحث والتمحيص أن الرأي رأيه والموقف موقفه.
1 / 17
لذلك فقد اكتفيت من متابعة هذا المخطوط بتتبع الأخطاء التي يلحظها القارئ ويسهو عنها قلم المؤلف المشغول الفكر، ذلك أنه ﵀ أغنانا عن البحث والتنقيب.. ولم أشا أن أنوه بما قمت بتصحيحه، كلٍّ في مكانه، لاعتقادي الجازم بأن ما صوبته هو نفسه ما رمى اليه المؤلف حقيقة.
ختامًا لا يسعنى الا أن أقف وقفة إجلال وإكبار، أمام روح المؤلف، التي تبدت لنا من خلال هذا المؤلف الضخم، فأسفرت لنا عن عالم جليل خدم العلم، وقدم للمشتغلين في علوم القرآن واللغة العربية سفرًا يسهّل عليهم العمل ويغنيهم عن العودة إلى المراجع المطولة.
فإلى روح المؤلف الفقيد أبعث بأطيب دعاء.. مع رجاء أن ينزل الله عليه من عنده من شآبيب الرحمة ما يتناسب مع جلال العمل في هذا السفر الضخم.
وفق الله الجميع... وسدد الخطا الى ما فيه الخير والصلاح.
دمشق / ٢٢/ جمادى الثانية/ ١٤٠٦ هـ
الموافق ٣/ ٣/ ١٩٨٦ م
لينة الحمصي
أستاذة محاضرة في كلية الدعوة الإِسلامية بدمشق
1 / 18