الإنصاف والاعتدال عند الحافظ الذهبي

الناشر

نادي المدينة المنورة الأدبي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م

محتويات البحث
بين يدي البحث.
لماذا اخترت الذهبي؟
الذهبي في سطور.
منهجي في البحث وصعوباته والدراسات السابقة.
الفصل الأول: إنصافه في تراجمه.
الفصل الثاني: تحذيره من سفك الدماء.
الفصل الثالث: ذمه الشديد للخوارج وإنصافه في الحكم عليهم.
الفصل الرابع: تحذيره من المسارعة إلى التكفير بغير برهان قطعي.
الفصل الخامس: تحذيره من التكفير بسبب الاختلاف في فروع العقائد.
الفصل السادس: تحذيره من التبديع والتضليل لأجل زلة أو هفوة.
الفصل السابع: دفاعه عن الأئمة والتماس الأعذار لهم.
الفصل الثامن: دعوته إلى وجوب المحافظة على الأخوة برغم الخلاف.
الفصل التاسع: تقريره بأن كلام الأقران يطوى ولا يروى.
الفصل العاشر: دعوته إلى ترك الإغراق في صراعات التاريخ وإشعال نار العداوات بسببها.

1 / 7

الفصل الحادي عشر: تمييزه بين مستويات البدعة وتفرقته بين الغلاة وغيرهم.
الفصل الثاني عشر: تقريره بأن العبرة في الرواة الصدق والإتقان وإن تلبسوا ببدعة.
الفصل الثالث عشر: نقده كثرة الخوض في مضائق العقائد وتفصيلاتها الدقيقة.
الفصل الرابع عشر: نهيه عن القول بالمسائل الشاذة والغريبة.
الفصل الخامس عشر: توسطه في مسألة الاجتهاد والتقليد.
الفصل السادس عشر: نقده لعلل وأدواء طلبة العلم.
الفصل السابع عشر: دعوته إلى ترك التحدث بمسائل العلم التي تضرّ العامة.
الفصل الثامن عشر: تحذيره من الغلو في العبادات.
الفصل التاسع عشر: توقيره للنبي ﷺ بين الغلو والجفاء.
الفصل العشرون: توسطه في مسألة الأسماء والصفات.

1 / 8

بين يدي البحث
لعل من أبرز القضايا التي تشغل المجتمعات الإسلامية اليوم، قضية نقد الفكر الديني المتطرف وتفكيك بنيته، بعد أن اكتوت كثيرٌ من أقطاره بنيرانه، وتسبب في مزيد من أزماته واختناقاته داخليًا وخارجيًا على مرّ العصور.
إن نقد الفكر الديني المتطرف وإضعافه له أدوات مختلفة ووسائل متنوعة، منها: مواجهته بما يقابله من الفكر الوسطي المعتدل لدي كبار علماء الأمة وأعلامها، ممن يحظون باحترام وثقة وثقل وتقدير بين المسلمين. وقد رأيت أن أسلط الضوء في بحثي هذا على أحد أبرز هؤلاء الأعلام ممن عرفوا بقصدهم واعتدالهم ووسطيتهم وسعيهم للم الشمل والتماس الأعذار ونقدهم لكثير من أفكار الغلو والتطرف البعيدة عن تعاليم الإسلام السمحة وقيمه النبيلة. هذا العالم هو: الإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ رحمه الله تعالى.

1 / 9

من الذهبي ولماذا اخترته؟
وربما تساءل البعض: لماذا اخترت الذهبي من بين سائر الأئمة؟
وجوابًا عن هذا السؤال أقول: إن منهج الاعتدال والوسطية هو السِّمة الغالبة على علماء الأمة منذ صدر الإسلام وعبر عصوره حتى يومنا هذا إلا من شذ وندر.
وإنما اخترت الذهبي لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: يعود إلى أن الذهبي قد ترك لنا في هذا الباب تقعيدات مهمة وتأصيلات قيّمة، تجدر دراستها وإدارة حديث جاد حولها للإفادة منها.
السبب الثاني: أن هذه التأصيلات والتقعيدات صادرةٌ عن إمام كبير، وحافظ ناقد قدير، قد عرف علمه العلماء ودان لمكانته المحدثون والفقهاء، فضلًا عمّا عُرف به من الديانة والورع، فكلامه له وزنه وقيمته وتأثيره، وإن كنّا لا ندعي العصمة له ولا لغيره من علماء المسلمين.

1 / 11

السبب الثالث: أن الذهبي ﵀ لم يترك لنا في موضوع الاعتدال والوسطية كتابًا مستقلًا أو فصلًا مفردًا، وإنما هي تعقيبات وتعليقات متفرقة كان يبثها وينثرها في مختلف كتبه كلّما عنّت لها حاجة أو طرأت لها مناسبة.
إن الإمام الحافظ الذهبي لم يكن مجرد مؤرخ ينقل أخبار من تَقَدّم فحسب، بل كان كثيرًا ما ينقد ما ينقل ويعقّب ويعلّق على كل ما لا يراه صحيحًا أو مخالفًا للشرع أو العقل أو خارجًا على حدّ الذوق العام أو ما فيه مبالغة ومجازفة ظاهرة، فضلًا عن نقده للكثير من الكتب والمصادر التي يطالعها وينقل عنها.
ولعل هذه الخصلة هي أهم ما تتجلى فيه قيمة كتب الحافظ الذهبي، أعني هذه التعليقات والتعقيبات والتصويبات التي كان يبثها بين الحين والآخر، وإلا فإن ما يذكره من معلومات وحوادث قد تكون متاحة في بقية كتب التراجم والتاريخ الأخرى.
ولأجل هذه الأسباب كلها جاءت هذه المحاولة المتواضعة من كاتب هذه السطور في جمع ما تفرق من كلام الذهبي ولم شتاته

1 / 12

وتبويبه وتوثيقه فيما يخص موضوع الإنصاف والاعتدال فحسب، وإن كنت لا أزعم الاستيعاب والتقصي، وقد تكون فاتتني بعض المواضع مما هو من طبع البشر.

1 / 13

الذهبي في سطور (^١):
ولعله من المفيد قبل أن نبحر مع الإمام الذهبي وأفكاره أن نعرّف به أولًا ولو بشكل مختصر جدًا، ونوضّح شيئًا من مكانته العلمية الرفيعة.
وإن شئتم الحق فالتعريف بالذهبي يطول جدًا، والكلام عن علمه وفضله قد يكون له بداية وليس له نهاية. وباختصار أقول: الذهبي هو:
١ ــ الإمام الحافظ الناقد المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي الدمشقي الشافعي.
٢ ــ كان مولده في مدينة دمشق سنة: ٦٧٣ هـ، وعلى ترابها نشأ وترعرع وطلب العلم.
٣ ــ طوَّف الإمام الذهبي في مختلف البلدان والأقطار، والتقى بأكثر شيوخ العالم الإسلامي في وقته وأخذ عنهم، وقد عرّف

(^١) ترجم للذهبي كل من عاصره أو جاء بعده من أصحاب التراجم والسير، وقد أفرد ترجمته في كتب مستقلة غير واحد من الباحثين المعاصرين، ولعل من أجمعها، كتاب: الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام، للدكتور بشار عواد معروف، وكتاب: الحافظ الذهبي مؤرخ الإسلام، لعبد الستار الشيخ.

1 / 15

بشيوخه هؤلاء في مؤلف ضخم مطبوع في مجلدين كبيرين، سماه: "معجم الشيوخ"، وله كتاب آخر اقتصر فيه على شيوخه في الحديث، سماه: "المعجم المختص بالمحدثين".
٤ ــ بَرَع الإمام الذهبي في العديد من العلوم، وتقلّد مناصب علمية رفيعة، وانصبّ اهتمامه الأكبر على فنون الحديث والتاريخ ونقد الرواة، وحول هذه الموضوعات الثلاثة أخرج أروع كتبه ومؤلفاته.
٥ ــ تجاوزت مؤلفات الذهبي الثلاثمائة مؤلف، ما بين مطول ومختصر ومتوسط الحجم، ومن أشهر مؤلفاته: مدونته الكبرى: "تاريخ الإسلام"، والتي تجاوزت الخمسين مجلدًا، وكتابه "سير أعلام النبلاء"، الذي طبع في خمس وعشرين مجلدًا ضخمًا، و"تذكرة الحفاظ"، و"ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وغيرها من المؤلفات.
٦ - تبوأ الذهبي منزلة رفيعة في علم الحديث والتاريخ، ويكفي أن الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، صاحب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، وهو من هو في العلم والحفظ والمعرفة، ذكر

1 / 16

أنه شرب من ماء زمزم سائلًا الله ﷿ أن ينال مرتبة الذهبي وبراعته في الرسوخ في العلم (^١).
٧ ــ وقد أثنى على الذهبي وأشاد بعلمه وفضله كلُّ من عاصره أو جاء بعده من أهل العلم والمؤرخين، كعَلَم الدين البرزالي (٧٣٩ هـ)،، وصلاح الدين الصَّفدي (٧٦٤ هـ)، والحُسيني (٧٦٥ هـ)، وابن السبكي (٧٧١ هـ)، وابن كثير (٧٧٤ هـ)، وابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، وبدر الدين العيني (٨٥٥ هـ)، والسخاوي (٩٠٢ هـ) وجلال الدين السيوطي (٩١١ هـ)، والعلامة الشوكاني (١٢٥٠ هـ)، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، ولا أرى حاجة لنقل كلامهم طلبًا للاختصار والإيجاز (^٢).
٨ ـــ ومع أن الذهبي عاش في عصر كثر فيه الجمود الفكري والتعصب المذهبي إلا أنه استطاع التخلص من كثير من ذلك بفضل سعة علمه وفطنته وبعد نظره وإنصافه.

(^١) نقل ذلك غير واحد، منهم: السيوطي في كتابه: طبقات الحفاظ، ص ٥٥٢، والكتاني في: فهرس الفهارس والأثبات ١/ ٣٢٢.
(^٢) انظر بعض هذا الثناء في التقدمة التي كتبها العلامة بشار عواد لكتاب: تاريخ الإسلام ١/ ٦٥، وسير أعلام النبلاء ١/ ٦٩ كلاهما للذهبي.

1 / 17

وقد أشار إلى هذه الخصلة الحميدة فيه تلميذُه المؤرخ الناقد صلاح الدين الصَّفدي (ت ٧٦٤ هـ) عندما قال عنه: "لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (^١) النقلة، بل هو فقيه النظر، له دُربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات" (^٢).

(^١) الكودنة: البطء والثقل كما في المعجم الوسيط، ٢/ ٧٨٠ مادة " كدن".
(^٢) الوافي بالوفيات للصفدي، ٢/ ١٦٣. وينظر أيضًا شعيب الأرنؤوط وآخرين، مقدمة سير أعلام النبلاء، ١/ ٥٣.

1 / 18