556

الإحكام في أصول الأحكام

الناشر

المكتب الإسلامي

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

(دمشق - بيروت)

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينِ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا مَا زَالُوا يَحْتَجُّونَ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَوْلَا عُمُومُ تِلْكَ الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لِمَنْ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَا كَانَ التَّمَسُّكُ بِهَا صَحِيحًا، وَكَانَ الِاسْتِرْوَاحُ إِلَيْهَا خَطَأً، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ التَّخْصِيصَ بِبَعْضِ الْأُمَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْوَاحِدِ هَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلْبَاقِينَ؟ وَلَوْلَا أَنَّ الْخِطَابَ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ يَكُونُ خِطَابًا لِلْكُلِّ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّخْصِيصِ.
وَالْجَوَابُ عَلَى النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً أَنَّهَا إِنَّمَا تَلْزَمُ أَنْ لَوْ تَوَقَّفَ مَفْهُومُ الرِّسَالَةِ وَالْبَعْثَةِ إِلَى كُلِّ النَّاسِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ لِلْكُلِّ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ شِفَاهًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِتَعْرِيفِ الْبَعْضِ بِالْمُشَافَهَةِ وَتَعْرِيفِ الْبَعْضِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ وَالْأَمَارَاتِ، وَقِيَاسِ بَعْضِ الْوَقَائِعِ عَلَى بَعْضٍ (١) .
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِالْخِطَابِ شِفَاهًا لِقِلَّةِ النُّصُوصِ وَنُدْرَتِهَا وَكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ (٢)، وَمَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ رَسُولًا وَلَا مُبَلِّغًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ بِالْخِطَابِ شِفَاهًا.
فَإِنْ قِيلَ: وَالدَّلَائِلُ الَّتِي يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ الْخِطَابِ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، إِنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا حُجَّةً بِالدَّلَائِلِ الْخِطَابِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ بَعْدَهُ فَقَدْ تَعَذَّرَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَيْهِ.

(١) لَمْ يَدَّعِ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ الْمَعْدُومَ مُشَافَهٌ بِالْخِطَابِ إِنَّمَا ادَّعَى أَنَّ الْخِطَابَ مُتَنَاوِلٌ لَهُ عِنْدَ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّكْلِيفِ وَانْطِبَاقِ اللَّقَبِ الْمُنَادَى بِهِ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي إِثْبَاتِهِ فَلَمْ يَكُنْ مَا أُجِيبَ بِهِ مُلَاقِيًا لِلدَّلِيلِ.
(٢) النُّصُوصُ وَإِنْ كَانَتْ مَحْصُورَةً، لَكِنَّهَا قَوَاعِدُ كُلِّيَّةٌ بِنَفْسِهَا تَارَةً وَبِالْقَرَائِنِ وَالْأَدِلَّةِ الْخَارِجِيَّةِ تَارَةً أُخْرَى، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْكَمَ بِهَا فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْيَانِ الْوَقَائِعِ وَالْقَضَايَا الْجُزْئِيَّةِ وَقْتَ الْخِطَابِ، وَبِذَلِكَ عَمَّتِ الشَّرِيعَةُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْدُومُ مُشَافَهًا بِهَا مِنْهُ ﷺ.

2 / 276