الإحكام في أصول الأحكام
الناشر
المكتب الإسلامي
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٠٢ هجري
مكان النشر
(دمشق - بيروت)
•
مناطق
•سوريا
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ إِذَا حَكَمَ النَّبِيُّ بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ وَذَكَرَ عِلَّتَهُ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ، وَذَكَرَ عِلَّتَهُ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ.
وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ أَعْرَابِيٍّ مُحْرِمٍ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: " «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» " وَكَقَوْلِهِ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: " «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا» " وَكَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا، عَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ حُلْوٍ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنِ ادَّعَى عُمُومَ الْحُكْمِ نَظَرًا إِلَى الصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ، لَكَانَ لِلْوَكِيلِ إِذَا قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ: أَعْتِقْ عَبْدِي سَالِمًا لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ أَسْوَدَ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبِيدِي السُّودَانَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ (١) .
وَإِنْ قِيلَ بِالْعُمُومِ نَظَرًا إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّعْمِيمِ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ شَرْعًا مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدِي سَالِمًا لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ إِذِ الْوَكِيلُ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْعِلَّةِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ عَامًّا لِغَيْرِ مَحَلِّ التَّنْصِيصِ.
وَمَا يَقُولُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَّلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَعْرَابِيِّ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ مَوْتِهِ مُسْلِمًا مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ مَحْشُورًا مُلَبِّيًا وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا بِمُجَرَّدِ إِحْرَامِهِ، وَفِي قَتْلَى أُحُدٍ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَحَقُّقِ شَهَادَتِهِمْ، لَا بِمُجَرَّدِ الْجِهَادِ.
وَفِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ لِكَوْنِهِ حُلْوًا مُسْكِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مُنْقَدِحًا غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ مِنْ تَعْلِيلِهِ ﵇ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ وَالْجِهَادِ، وَتَرْكُ مَا ظَهَرَ مِنَ التَّعْلِيلِ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مُمْتَنِعٌ.
(١) انْظُرْ مَا قَالَهُ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ فِي الْمُعَارَضَةِ السَّادِسَةِ بِالْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ أَبْوَابِ الْقِيَاسِ، وَقَارِنْ بَيْنَ كَلَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
2 / 256