489

الإحكام في أصول الأحكام

الناشر

المكتب الإسلامي

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

(دمشق - بيروت)

بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ بِقَرِينَةٍ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ بِقَرِينَةٍ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ صِحَّةَ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ بِالْقَرِينَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَمْ لَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَلَا حُجَّةَ فِيهَا أَيْضًا، لِأَنَّ سُؤَالَهُ وَقَعَ فَاسِدًا حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ (مَا) عَامَّةٌ فِيمَنْ يَعْقِلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُنْكِرًا عَلَيْهِ: " «مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ» (١) وَهِيَ وَإِنْ أُطْلِقَتْ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا - وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا - وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ فَلَيْسَ حَقِيقَةً، بَلْ مَجَازًا.
وَيَجِبُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ: " «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ» " وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْمَنْقُولِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ فَجَوَابُهَا بِمَا سَبَقَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ (٢) .
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِقِصَّةِ عُمَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَهِمَ الْعِصْمَةَ مِنَ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهَا فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، وَهِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا مُنَاسِبَةٌ لِذَلِكَ، وَالْحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ ذَلِكَ إِيمَاءً إِلَيْهَا بِالتَّعْلِيلِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ عُمُومِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَا.
وَمُعَارَضَةُ أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا كَانَتْ لِمَا فَهِمَهُ عُمَرُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ لَا لِغَيْرِهِ (٣) .

(١) لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، انْظُرْ كَلَامَ ابْنِ حَجْرٍ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي الشَّافِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافِ
(٢) سَبْقَ أَيْضًا مُنَاقَشَتُهُ
(٣) الظَّاهِرُ أَنَّ الْعُمُومَ مَفْهُومٌ مِنْ إِضَافَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ لِلضَّمِيرِ لَا مِنَ التَّعْلِيلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءً وَأَمْوَالًا لَمْ يُفِدِ الْعُمُومَ مَعَ وُجُودِ التَّعْلِيلِ

2 / 209