الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار

محقق

عبد المنعم خليل إبراهيم

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٣ هجري

مكان النشر

بيروت

الدر المختار
تأليف
محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن الحنفي الحصكفي
المتوفى سنة ١٠٨٨هـ
شرح
تنوير الأبصار وجامع البحار
للشيخ محمد بن عبد الله بن أحمد الغزي الحنفي التمرتاشي
المتوفى سنة ١٠٠٤هـ
في فروع الفقه الحنفي
حققه وضبطه
عبد المنعم خليل إبراهيم
دار الكتب العلمية
الطبعة الأولى (١٤٢٣هـ- ٢٠٠٢م)

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم
[خطبة الكتاب]
حمدا لك يا من شرحت صدورنا بأنواع الهداية سابقا، ونورت بصائرنا بتنوير الأبصار لاحقا، وأفضيت علينا من أشعة شريعتك المطهرة بحرا رائقا، وأغدقت لدينا من بحار منحك الموفرة نهرا فائقا، وأتممت نعمتك علينا حيث يسرت ابتداء تبييض هذا الشرح المختصر تجاه وجه منبع الشريعة والدرر، وضجيعيه الجليلين أبي بكر وعمر، بعد الاذن، بعد الإذن منه ﷺ وعلى آله وصحبه، الذين حازوا من منح فتح كشف فيض فضلك الواقي حقائق.
وبعد؛ فيقول الفقير راجي لطف ربه الخفي، محمد علاء الدين الحصكفي، ابن الشيخ علي الامام بجامع بني أمية، ثم المفتي بدمشق المحمية، الحنفي: لما بيضت الجزء الاول من (خزائن الاسرار، وبدائع الافكار، في شرح تنوير الابصار، وجامع البحار)، قدرته في عشر مجلدات كبار، فصرفت عنان العناية نحو الاختصار، وسميته بالدر المختار، في شرح تنوير الأبصار، الذي فاق كتب هذا الفن في الضبط والتصحيح والاختصار، ولعمري لقد أضحت روضة هذا العلم به مفتحة الازهار، مسلسلة الأنهار، من عجائبه ثمرات التحقيق تختار، ومن غرائبه ذخائر تدقيق تحير الأفكار، لشيخ شيخنا
شيخ الإسلام محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي الغزي، عمدة المتأخرين الأخيار، فإني أرويه عن شيخنا الشيخ عبد النبي الخليلي، عن المصنف عن ابن نجيم المصري، بسنده إلى صاحب المذهب أبي حنيفة، بسنده إلى النبي ﷺ المصطفى المختار، عن جبريل، عن الله الواحد القهار، كما هو مبسوط في إجازاتنا بطرق عديدة، عن المشايخ المتبحرين الكبار.
وما كان في الدرر والغرر لم أعزه إلا ما ندر، وما زاد وعز نقله عزوته لقائله، روما للاختصار، ومأمولي من الناظر فيه أن ينظر بعين الرضا والاستبصار، وأن يتلافى تلافه بقدر الإمكان، أو يصفح ليصفح عنه عالم الأسرار والإضمار، ولعمري إن السلامة من هذا الخطر لأمر يعز على البشر، ولا غرو فإن النسيان من خصائص الانسانية، والخطأ والزلل من شعائر الآدمية، وأستغفر الله مستعيذا به من حسد يسد باب الانصاف، ويرد عن جميع [جميل] الأوصاف.
ألا وإن الحسد حسك، من تعلق به هلك، وكفى للحاسد ذما [في] آخر سورة الفلق، في اضطرابه بالقلق، لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
وما أنا من كيد الحسود بآمن ... ولا جاهل يزري ولا يتدبر

1 / 7

ولله در القائل:
هم يحسدوني وشر الناس كلهم ... من عاش في الناس يوما غير محسود
إذ لا يسود سيد بدون ودود يمدح، وحسود يقدح، لأن من زرع الإحن حصد المحن، فاللئيم يفضح، والكريم يصلح، لكن يا أخي بعد الوقوف على حقيقة الحال، والاطلاع على ما حرره المتأخرون كصاحب البحر والنهر والفيض، والمصنف وجدّنا المرحوم وعزمي زاده وسعدي أفندي والزيلعي والأكمل والكمال وابن الكمال مع تحقيقات سنح بها البال، وتلقيتها عن فحول الرجال، ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، ومع هذا فمن أتقن كتابي هذا فهو الفقيه الماهر، ومن ظفر بما فيه، فسيقول بمل فيه: * كم ترك الأول للآخر *.
ومن حصله فقد حصل له الحظ الوافر، لأنه هو البحر لكن بلا ساحل، ووابل القطر، غير أنه متواصل، بحسن عبارات، ورمز إشارات، وتنقيح معاني، وتحرير مباني، وليس الخبر كالعيان،
وستقر به بعد التأمل العينان، فخذ ما نظرت من حسن روضه الأسمى، ودع ما سمعت عن الحسن وسلمى:
خذ ما نظرت ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
هذا، وقد أضحت أعراض المصنفين أغراض سهام ألسنة الحساد، ونفائس تصانيفهم معرضة بأيديهم تنتهب فوائدها ثم ترميها بالكساد:
أخا العلم لا تعجل بعيب مصنف ... ولم تتيقن زلة منه تعرف
فكم أفسد الراوي كلاما بعقله ... وكم حرف الاقوال قوم وصحفوا
وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيرا ... وجاء بشيء لم يرده المصنف
وما كان قصدي من هذا أن يدرج ذكري بين المحررين، من المصنفين والمؤلفين، بل، القصد رياضة القريحة وحفظ الفروع الصحيحة، مع رجاء الغفران، ودعاء الاخوان، وما علي من إعراض الحاسدين عنه حال حياتي فسيتلقونه بالقبول إن شاء الله تعالى بعد وفاتي، كما قيل:
ترى الفتى ينكر فضل الفتى ... لؤما وخبثا فإذا ما ذهب
لج به الحرص على نكتة ... يكتبها عنه بماء الذهب
فهاك مؤلفا مهذبا لمهمات هذا الفن، مظهرا لدقائق استعملت الفكر فيها إذا ما الليل جن، متحريا أرجح الاقوال وأوجز العبارة، معتمدا في دفع الايراد بألطف الاشارة، فربما خالفت في حكم أو دليل، فحسبه من لا اطلاع له ولا فهم عدولا عن السبيل، وربما غيرت تبعا لما شرح عليه المصنف كلمة أو حرفا، وما درى أن ذلك لنكته تدق عن نظره وتخفى.
وقد أنشدني شيخي الحبر السامي والبحر الطامي، واحد زمانه وحسنة أوانه، شيخ الاسلام الشيخ خير الدين الرملي أطال الله بقاءه:

1 / 8

قل لمن لم ير المعاصر شيئا ... ويرى للاوائل التقديما
إن ذلك القديم كان حديثا ... وسيبقى هذا الحديث قديما
على أن المقصود والمراد، ما أنشدنيه شيخي رأس المحققين النقاد، محمد أفندي المحاسني، وقد أجاد:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد ... وإن مرادي صحة وفراغ
لابلغ في علم الشريعة مبلغا ... يكون به لي في الجنان بلاغ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النهى ... وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ
فما الفوز الا في نعيم مؤبد ... به العيش رغد والشراب يساغ

1 / 9

مقدمة
حق على من حاول علما أن يتصوره بحده أو رسمه، ويعرف موضوعه وغايته واستمداده.
فالفقه لغة: العلم بالشيء، ثم خص بعلم الشريعة، وفقِه بالكسر فقها: علم، وفقُه بالضم فقاهة: صار فقيها. واصلاحا عند الأصوليين: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية [المكتسب] من أدلتها التفصيلية، وعند الفقهاء: حفظ الفروع وأقله ثلاث مسائل، وعند أهل الحقيقة: الجمع بين العلم والعمل لقول الحسن البصري: إنما الفقيه، المعرض عن الدنيا الزاهد في الاخرة، البصير بعيوب نفسه، وموضوعه: فعل المكلف ثبوتا أو سلبا، واستمداده من الكتاب والسنة والاجماع والقياس وغايته الفوز بسعادة الدارين.
وأما فضله فكثير شهير، ومنه ما في الخلاصة وغيرها: النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام الليل، وتعلم الفقه أفضل من تعلم باقي [ما في] القرآن، وجمع [وجميع] الفقه لا بد منه.
وفي الملتقط وغيره عن محمد: لا ينبغي للرجل أن يعرف بالشعر والنحو، لان آخر أمره الى المسألة وتعليم الصبيان، ولا بالحساب، لان آخر أمره الى مساحة الارضين، ولا بالتفسير، لان آخر أمره إلى التذكير والقصص، بل يكون علمه في الحلال والحرام وما لا بد منه من الاحكام، كما قيل:
إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز
فكم طيب يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كبازي
وقد مدحه الله تعالى بتسميته خيرا بقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وقد فسر الحكمة زمرة أرباب التفسير بعلم الفروع الذي هو علم الفقه، ومن هنا قيل:
وخير علومٍ علمُ فقه لانه ... يكون إلى كل العلوم توسلا
فإن فقيها واحدا متورعا ... على ألف ذي زهد تفضل واعتلى
وهما مأخوذان مما قيل للامام محمد الفقيه:
تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
وكن مستفيدا كل يوم زيادة ... من الفقه واسبح في بحور الفوائد
فإن فقيها واحدا متورعا ... أشد على الشيطان من ألف عابد

1 / 11

ومن كلام علي ﵁:
ما الفضل الا لاهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
ووزن كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لاهل العلم أعداء
ففز بعلم ولا تجهل به أبدا ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
وقد قيل: العلم وسيلة الى كل فضيلة، العلم يرفع المملوك الى مجالس الملوك، لولا العلماء لهلك الامراء. وإنما العلم لاربابه ولاية ليس لها عزل:
إن الامير هو الذي ... يضحي أميرا عند عزله
إن زال سلطان الولا ... ية كان في سلطان فضله
واعلم أن تعلم العلم يكون فرض عين، وهو بقدر ما يحتاج لدينه. وفرض كفاية، وهو ما زاد عليه لنفع غيره، ومندوبا، وهو التبحر في الفقه وعلم القلب. وحراما، وهو علم الفلسفة والشعبذة، والتنجيم
والرمل وعلوم الطبائعيين والسحر، والكهانة، ودخل في الفلسفة المنطق، ومن هذا القسم علم الحرف
وعلم الموسيقى. ومكروها وهو أشعار المولدين من الغزل والبطالة. ومباحا: كأشعارهم التي لا يستخف فيها، كذا في فوائد شتى من (الاشباه والنظائر).
ثم نقل مسأله الرباعيات، ومحصلها أن الفقه هو ثمرة الحديث وليس ثواب الفقيه أقل من ثواب المحدث، وفيها: كل إنسان غير الانبياء لا يعلم ما أراد الله تعالى له وبه، لان إرادته تعالى غيب، الا الفقهاء فإنهم علموا إرادته تعالى بهم بحديث الصادق المصدوق: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) وفيها: كل شيء يسأل عنه العبد يوم القيامة إلا العلم، لانه طلب من نبيه أن يطلب
الزيادة منه، فقال تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾، فكيف يسأل عنه؟ وفيها: إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا قلنا وجوبا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب، وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا قلنا وجوبا: الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه خصومنا وفيها: العلوم ثلاثة: علم نضج وما احترق، وهو علم النحو والاصول، وعلم لا نضج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير وعلم نضج واحترق، وهو علم الحديث والفقه.
وقد قالوا: الفقه زرعه عبد الله من مسعود ﵁، وسقاه علقمة، وحصده إبراهيم النخعي، وداسه حماد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف، وخبزه محمد، فسائر الناس يأكلون من خبزه، وقد نظمه بعضهم فقال:
الفقه زرع ابن مسعود، وعلقمةٌ ... حَصَّاده، ثم إبراهيم دَوَّاسُ
نعمان طاحنه، يعقوب عاجنه ... محمد خابز، والآكلُ الناسُ
وقد ظهر علمه بتصانيفه كالجامعين والمبسوط والزيادات والنوادر، حتى قيل: إنه

1 / 12

صنف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعة وتسعين كتابا.
ومن تلامذته الشافعي ﵁ وتزوج بأم الشافعي وفوض إليه كتبه وماله، فبسببه صار الشافعي فقيها.
ولقد أنصف الشافعي حيث قال: من أراد الفقه فليلزم أصحاب أبي حنيفة، فإن المعاني قد تيسرت لهم، والله ما صرت فقيها الا بكتب محمد بن الحسن.
وقال إسماعيل بن أبي رجاء: رأيت محمدا في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ثم قال: لو أردت أن أعذبك ما جعلت هذا العلم فيك، فقلت له: فأين أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجتين قلت: فأبو حنيفة؟ قال: هيهات، ذلك في أعلى عليين، كيف وقد صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وحج خمسا وخمسين حجة، ورأى ربه في المنام مائة مرة؟ ولها قصة مشهورة.
وفي حجته الاخيرة استأذن حجبة الكعبة بالدخول ليلا، فقام بين العمودين على رجله اليمنى ووضع اليسرى على ظهرها حتى ختم نصف القرآن، ثم ركع وسجد، ثم قام على رجله اليسرى ووضع اليمنى على ظهرها حتى ختم القرآن، فلما سلم بكى وناجى ربه وقال: إلهي ما عبدك هذا العبد الضعيف حق عبادتك، لكن عرفك حق معرفتك فهب نقصان خدمته لكمال معرفته، فهتف هاتف من جانب البيت: يا أبا حنيفة قد عرفتنا حق المعرفة وخدمتنا فأحسنت الخدمة، قد غفرنا لك ولمن اتبعك ممن كان على مذهبك الى يوم القيامة. وقيل لأبي حنيفة: بم بلغت ما بلغت؟ قال: ما بخلت بالإفادة، وما استنكفت عن الاستفادة. وقال مسافر بن كرام: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف وقال فيه:
حسبي من الخيرات ما أعددته ... يوم القيامة في رضا الرحمن
دين النبي محمد خير الورى ... ثم اعتقادي مذهب النعمان
وعنه ﵊ (إن آدم افتخر بي وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه نعمان وكنيته أبو حنيفة، هو سراج امتي) وعنه ﵊ (إن سائر الانبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني) كذا في التقدمة شرح مقدمة أبي الليث قال في الضياء المعنوي: وقول ابن الجوزي: إنه موضوع، تعصب، لانه روي بطرق مختلفة.
وروى الجرجاني في مناقبه بسنده لسهل بن عبد الله التستري أنه قال (لو كان في أمة موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهودوا ولما تنصرا).
ومناقبه أكثر من أن تحصى، وصنف فيها سبط ابن الجوزي مجلدين كبيرين، وسماه (الانتصار لامام أئمة الامصار). وصنف غيره أكثر من ذلك.
والحاصل أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى ﷺ بعد القرآن، وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال قولا الا أخذ به إمام من الائمة الاعلام، وقد جعل الله الحكم لاصحابه وأتباعه من زمنه الى هذه الايام، الى أن يحكم بمذهبه عيسى ﵇،
وهذا يدل على أمر عظيم اختص به من بين سائر العلماء العظام، كيف لا وهو كالصديق ﵁، له أجره من دوَّن الفقه وألَّفه وفرع أحكامه على أصوله

1 / 13

العظام، الى يوم الحشر والقيام. وقد تبعه على مذهبه كثير من الاولياء الكرام، ممن اتصف بثبات المجاهدة، وركض في ميدان المشاهدة، كابراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، ومعروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي، وفضيل بن عياض، وداود الطائي، وأبي حامد اللفاف، وخلف بن أيوب، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وأبي بكر الوراق، وغيرهم ممن لا يحصى لبعده أن يُستقصى، فلو وجدوا فيه شبهة ما اتبعوه، ولا اقتدوا به ولا وافقوه.
وقد قال الاستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته مع صلابته في مذهبه وتقدمه في هذه الطريقة: سمعت الاستاذ أبا علي الدقاق يقول: أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصراباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي.
وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله، فعجبا لك يا أخي:
ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متهمين في هذا الاقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة، وأرباب الشريعة والحقيقة، ومن بعدهم في هذا الامر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود ومبتدع.
وبالجملة، فليس أبو حنيفة في زهده وورعه وعبادته وعلمه وفهمه بمشارك.
ومما قال فيه ابن المبارك ﵁:
لقد زان البلاد ومن عليها ... إمام المسلمين أنو حنيفة
بأحكام وآثار وفقه ... كآيات الزبور على صحيفه
فما في المشرقين له نظير ... ولا في المغربين ولا بكوفه
يبيت مشمرا سهر الليالي ... وصام نهاره لله خيفه
فمن كأبي حنيفة في علاه ... إمام للخليقة والخليفة
رأيت العائبين له سفاها ... خلاف الحق مع حجج ضعيفة
وكيف يحل أن يؤذي فقيه ... له في الارض آثار شريفة
وقد قال ابن إدريس مقالا ... صحيح النقل في حكم لطيفة
بأن الناس في فقه عيال ... على فقه الامام أبي حنيفة
فلعنة ربنا أعداد رمل ... على من رد قول أبي حنيفة
وقد ثبت أن ثابتا والد الامام أدرك الامام علي بن أبي طالب فدعا له ولذريته بالبركة.
وصح أن أبا حنيفة سمع الحديث من سبعة من الصحابة كما بسط في أواخر منية المفتي، وأدرك بالسن نحو عشرين صحابيا كما بسط في أوائل الضياء. وقد ذكر العلامة شمس الدين محمد أبو النصر بن عرب شاه الانصاري الحنفي في منظومته الالفيه المسماة بجواهر العقائد ودرر القلائد ثمانية من الصحابة ممن روى عنهم الامام الاعظم أبو حنيفة ﵃ أجمعين حيث قال:

1 / 14

معتقدا مذهب عظيم الشان ... أبي حنيفة الفتى النعمان
التابعي سابق الائمة ... بالعلم والدين سراج الامة
جمعا من اصحاب النبي أدركا ... إثرهمُ قد اقتضى وسلكا
طريقة واضحة المنهاج ... سالمة من الضلال الداجي
وقد روى عن أنس وجابر ... وابن أبي أوفى كذا عن عامر
أعني أبا الطفيل ذا ابن واثله ... وابن أنيس الفتى وواثله
عن ابن جزء قد روى الامام ... وبنت عجرد هي التمام
رضي الله الكريم دائما ... عنهم وعن كل الصحاب العظما
وتوفي ببغداد، قيل: في السجن ليلي القضاء وله سبعون سنة بتاريخ خمسين ومائة، قيل ويوم توفي ولد الامام الشافعي ﵁، فعد من مناقبه وقد قيل: الحكمة في مخالفة تلامذته له أنه رأي صبيا يلعب في الطين فحذره من السقوط، فاجابه بأن: احذر أنت السقوط، فإن في سقوط العالم سقوط العالم، فحينئذ قال لاصحابه: إن توجه لكم دليل فقولوا به، فكان كل يأخذ برواية عنه ويرجحها، وهذا من غاية احتياطه وورعه، وعلم بأن الاختلاف من آثار الرحمة، فمهما كان [الاختلاف] أكثر كانت الرحمة أوفر، لما قالوا: رسم المفتي أن ما اتفق عليه أصحابنا في الروايات الظاهرة يفتى به قطعا.
واختلف فيما اختلفوا فيه، والاصح كما في السراجية وغيرها أنه يفتى بقول الامام على الاطلاق، ثم بقول الثاني، ثم بقول الثالث، ثم بقول زفر والحسن بن زياد، وصحح في الحاوي القدسي قوة المدرك.
وفي وقف البحر وغيره: متى كان في المسألة قولان مصححان جاز القضاء والافتاء بأحدهما.
وفي أول المضمرات: أما العلامات للافتاء فقوله: وعليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وعليه عمل الامة، وهو الصحيح، أو الاصح، أو الاظهر، أو الاشبه، أو الاوجه، أو المختار، ونحوها مما ذكر في حاشية البزدوي اه.
قال شيخنا الرملي في فتاويه: وبعض الالفاظ آكد من بعض، فلفظ الفتوى آكد من لفظ الصحيح، والاصح والاشبه وغيرها، ولفظ وبه يفتى آكد من الفتوى عليه، والاصح آكد من الصحيح، والاحوط آكد من الاحتياط انتهى.
قلت: لكن في شرح المنية للحلبي عند قوله: ولا يجوز مس مصحف الا بعلافه إذا
تعارض إمامان معتبران عبر أحدهما بالصحيح والاخر بالاصح، فالاخذ بالصحيح أولى لانهما اتفقا على أنه صحيح، والاخذ بالمتفق أوفق فليحفظ.
في رأيت في رساله آداب المفتي: أذا ذيلت رواية في كتاب معتمد بالاصح أو الاولى، أو الاوفق ونحوها، فله أن يفتي بها وبمخالفها أيضا أيا شاء، وإذا ذيلت بالصحيح أو المأخوذ به، أو وبه يفتى، أو عليه الفتوى لم يفت بمخالفه الا إذا كان في الهداية مثلا هو الصحيح، وفي الكافي بمخالفه هو الصحيح، فيخير فيختار

1 / 15

الاقوى عنده والاليق والاصح انتهى. فليحفظ.
وحاصل ما ذكره الشيخ قاسم في تصحيحه: أنه لا فرق بين المفتي والقاضي، الا أن المفتي مخبر عن الحكم، والقاضي ملزم به، وأن الحكم والفتيا بالقول المرجوح جهل وخرق للاجماع، وأن الحكم الملفق باطل بالاجماع، وأن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل اتفاقا،
وهو المختار في المذهب، وأن الخلاف خاص بالقاضي المجتهد، وأما المقلد فلا ينفذ قضاؤه، بخلاف مذهبه أصلا كما في القنية.
قلت: ولا سيما في زماننا، فإن السلطان ينص في منشوره على نهيه عن القضاء بالاقوال الضعيفة، فكيف بخلاف مذهبه فيكون معزولا بالنسبة لغير المعتمد من مذهبه، فلا ينفذ قضاؤه
فيه وينقض كما بسط في قضاء الفتح والبحر والنهر وغيرها.
قال في البرهان: وهذا صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ، نعم أمر الامير متى صادف فصلا مجتهدا فيه نفذ أمره، كما في (سير التاترخانية) و(شرح السير الكبير) فليحفظ.
وقد ذكروا أن المجتهد المطلق قد فقد.
وأما المقيد فعلى سبع مراتب مشهورة.
وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه كما لو أفتوا في حياتهم.
فإن قلت: قد يحكون أقوالا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح.
قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس، وما هو الاوفق وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه، ولا يخلو الوجود عمن يميز هذا حقيقة لا ظنا، وعلى من لم يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته، فنسأل الله تعالى التوفيق والقبول، بجاه الرسول، كيف لا وقد يسر الله تعالى ابتداء تبييضه في الروضة المحروسة، والبقعة المأنوسة، تجاه وجه صاحب الرسالة، وحائز الكمال والبسالة، وضجيعيه الجليلين الضرغامين الكاملين ﵄، وعن سائر الصحابة أجمعين، ووالدينا ومقلديهم بإحسان الى يوم الدين، ثم تجاه الكعبة الشريفة تحت الميزاب، وفي الحطيم والمقام، والله الميسر للتمام.

1 / 16