الداء والدواء

محقق

محمد أجمل الإصلاحي

الناشر

دار عطاءات العلم ودار ابن حزم

الإصدار

الرابعة

سنة النشر

١٤٤٠ هجري

مكان النشر

الرياض وبيروت

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٧)
الداء والدواء
تأليف: الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
حققه
محمد أجمل الإصلاحي
خرج أحاديثه
زائد بن أحمد النشيري
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

رَاجَعَ هَذا الجزء
سليمان بن عبد الله العمير
علي بن محمّد العمران

المقدمة / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد فإنّ هذا الكتاب الذي اشتهر بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وطبع مرّات باسم "الداء والدواء"، من أنفع الكتب في تهذيب النفوس، واستثارتها للكفّ عن المعاصي والتوبة النصوح.
وقد أُفرِد لمعالجة مرض من أخطر أمراض القلوب، "مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم عزّ على الأطبّاء دواؤه، وأعيا العليلَ داؤه". وهو مرض العشق الذي قال فيه
الشاعر:
الحبُّ داءٌ عُضالٌ لا دواءَ له ... يَحارُ فيه الأطبّاءُ النَّحاريرُ
قد كنتُ أحسَب أنّ العاشقين غَلَوا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصيرُ
ومؤلّفه ﵀ من أطبّاء القلوب البارعين الذين لا يرجعون في مداواتهم لأمراض القلوب إلى حكماء اليونان، وإنّما يصدرون عن كتاب الله الحكيم، الذي فيه هدى وموعظة وشفاء لما في الصدور، وسنّةِ
رسول الله الذي إنّما بُعِث لتعليم الناسِ الكتابَ والحكمةَ، وإصلاح عقيدتهم وسلوكهم، وتزكية نفوسهم، وهدايتهم لمراشد الأمور، فكانت الجماعة التي تخرّجت على يديه خير أمّة أخرجت للناس، لم يُعرف في التاريخ البشري لها نظير.

المقدمة / 5

وكان أصل الكتاب استفتاء ورد على المؤلف، فسئل عن رجل ابتلي ببلية إن استمرّت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلاّ توقدًا وشدّةً. ونظر المجيب إلى الحالة المستعصية، وعموم البلوى، فرأى أنّ التفصيل أولى في هذا المقام من الإيجاز، ومقتضى النصح للسائل والشفقة عليه وعلى أمثاله أن يستوعب القول في أسباب المرض وعواقبه الوخيمة، وأن يرشد إلى طرق الوقاية وسبل الخلاص. فكتب فصولًا نفيسة في الدعاء وشروط قبوله والأسباب المانعة من ترتّب أثره، وفي الفرق بين حسن الظنّ بالله والاغترار برحمته، وفي أضرار المعاصي وآثارها في حياة الأفراد والأمم وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وحقيقة التعبد لله والإشراك به، والسرّ في كون الشرك لا يغفر من سائر الذنوب، ومضادّة عشق الصور للتوحيد، ومفاسده الأخرى العاجلة والآجلة، وهكذا أصبح الجواب عن ذلك السؤال كتابًا مفصلًا.
ولئن كان المجتمع الذي عاش فيه المؤلف ﵀ بحاجة إلى هذا الكتاب، على ما فيه من تمسّك بالدين ومحافظة على الأخلاق والآداب = إن مجتمعاتنا إليه لأحوج، إذ صارت تمور بأسباب الفساد، بعد ما نجح الغواة في كثير من البلدان الإِسلامية في استدراج المرأة المسلمة تحت شعارات خادعة إلى نزع الحجاب والاختلاط بالرجال فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا. ثم تفنّن إخوان الشياطين في إيجاد وسائل جديدة لإثارة الغريزة الجنسية وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فقد علموا أنّ الانحلال الخلقي هو أقرب طريق إلى تدمير الأمّة، والله المستعان.
وقد صدر الكتاب قديمًا في الهند سنة ١٣٥٧ هـ، ثم طبع في مصر،

المقدمة / 6

وتوالت بعد ذلك طبعاته. وكان منها طبعة الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀، الذي اعتمد فيها على نسخة خطّية من القرن الثالث عشر. ثم صدرت طبعات أخر، اعتمد في كل منها -زعموا- على نسخة واحدة متأخرة أو غير صالحة للاعتماد عليها. وقد بذل أصحابها جهدًا مشكورًا في تصحيحها وتخريج أحاديثها وحسن إخراجها، غير أنّها جميعًا لم يتبع فيها المنهج العلمي المعروف في تحقيق النصوص.
أما هذه الطبعة التي بين أيديكم، فهي صادرة عن أربع نسخ خطيّة من القرن الثامن، وقد كتبت إحداها بعد وفاة المؤلف ﵀ بتسع عشرة سنة، مع الاستئناس بنسختين من القرن الثاني عشر. وقد عني فيها بتحرير متن الكتاب عناية بالغة، بالإضافة إلى التوثيق والتخريج والفهارس الوافية المتنوعة.
وقد أعددت دراسة للكتاب تشتمل على توثيق نسبة الكتاب، وتحقيق عنوانه، وتحليل مباحثه، وتفصيل موارده، ووصف النسخ المعتمدة في هذه الطبعة، والمنهج الذي أَتبع في إعدادها.
وبعد، فإني أحمد الله ﷿ على أن وفّق لإخراج هذه النشرة العلمية من الكتاب، وهو المسؤول أن يتقبل هذا العمل، وينفع به، ويبارك فيه. ورضي الله عن مؤلفه الإِمام ابن قيم الجوزية، وأعلى درجاته في جنّات النعيم. وصلى الله وسلّم على عبده ورسوله نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد أجمل أيوب الإصلاحي الرياض
٩ جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ

المقدمة / 7

توثيق نسبة الكتاب
ذكر المترجمون لابن القيم ﵀ هذا الكتاب ضمن مؤلفاته، وأولهم تلميذه الحافظ ابن رجب ﵀ (^١)، ثم شمس الدين الداوودي (^٢)، وحاجي خليفة (^٣)، وابن العماد (^٤)، والشوكاني (^٥)، وغيرهم (^٦). ولمّا كان الكتاب في أصله جوابًا عن استفتاء ورد على المؤلف، نُصّ على اسمه في بداية الكتاب في جميع النسخ الخطّية.
وقد وقفت على نسخة منه عليها ختم "الخزانة الحجازيّة" لفؤاد سليم الحجازي (^٧)، كتب بعضهم في صفحة عنوانها: "كتاب الداء والدواء لابن الجوزي"، ولكنه خلط ظاهر بلا شكّ بين مؤلف الكتاب "ابن قيم الجوزية"، و"ابن الجوزي" (^٨). وهو ناشئ هنا من جهل أو غفلة، فإنّ اسم المؤلف مع نعوته وألقابه ثابت في فاتحة هذه النسخة أيضًا مثل غيرها.
والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى الإِمام ابن القيم ﵀

(^١) الذيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥).
(^٢) طبقات المفسرين (٢/ ٩٣).
(^٣) كشف الظنون (٧٢٨، ١٤١٧).
(^٤) شذرات الذهب (٣/ ١٧٠).
(^٥) البدر الطالع (٢/ ١٤٤).
(^٦) انظر: ابن قيم الجوزية للشيخ بكر أبو زيد (٢٤٤).
(^٧) هي محفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإِسلامية (الرياض) برقم ١١٥٤٠.
(^٨) وقد أدّى هذا الخلط أحيانًا إلى نسبة بعض مؤلفات ابن الجوزي إلى ابن القيم.
انظر: ابن قيم الجوزية (٢٧).

المقدمة / 8

بادية في صفحاته: في مباحثه ومواقفه ومنهجه وأسلوبه وغير ذلك.
وأشير هنا إلى أظهرها:
١) أحال فيه المؤلف على بعض كتبه مصرّحًا باسمه أو مشيرًا إليه.
فأحال في موضعين على كتابه "أيمان القرآن"، وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن". قال في الموضع الأول (ص ٨٣):
"ولو تأمّل العبد حقّ التأمّل لكان كلّ ما يبصره وما لا يبصره دليلًا على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب (أيمان القرآن) عند قوله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. وذكرنا طرفًا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١] .... ".
وهذا المبحث موجود في كتاب التبيان (ص ١٠٩، ١٩٠).
وأورد في الموضع الآخر الآيات التي أقسم الله فيها بطوائف الملائكة المنفّذين لأمره في الخليقة، ثم قال: "وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب (أيمان القرآن) " (ص ٤٦٩). وهذا البحث أيضًا
موجود في الكتاب المطبوع (ص ٨٣، ٨٩، ٢٥٨).
وذكر في موضع آخر أن الشيخ أبا الحسن الأشعري ﵀ قد استدلّ في كتبه على المعطّلة بقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]، ثم قال: "قد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب" (ص ٣٣٠). وقد نقل ابن القيم لفظ الأشعري في كتابه "اجتماع الجيوش الإِسلامية" (ص ٢٩٥)، ثم في "الصواعق المرسلة" (١٢٤٤).
٢) نقل في عدّة مواضع كلام شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما

المقدمة / 9

سيأتي.
٣) كلام المؤلف على بعض المسائل في هذا الكتاب تراه بنصّه أو بلفظ قريب منه في مؤلفاته الأخرى. ومن ذلك قوله: "وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع" (ص ٣١). يعني ترتيب الله سبحانه في كتابه حصول الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، كترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلّة، والمسبّب على السبب. وإذا رجعت إلى كتابه مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٣) وجدته يقول: "ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسُقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة".
ومن ذلك أنه ذكر مسألة في التوبة، وهي أن التائب هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها أو لا يعود، ثم حكى قول شيخ الإِسلام بأن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته (ص ٢٠٧). وقد تكلم المؤلف على هذه المسألة في مدارج السالكين (١/ ٣٦٨)، وأفاض القول فيها في طريق الهجرتين (ص ٥٥٦ - ٥٤٥)، ونقل قول شيخ الإِسلام في الكتابين.
ومن ذلك أيضًا قوله: إنّ ما في قصة يوسف ﵇ من الفوائد والعبر والحكم يزيد على ألف فائدة (ص ٤٨٧)، وقال نحوه في شفاء العليل (ص ٢٢٤). ثم وجوه الابتلاء التي فصّلها هنا ذكر جملةً منها في مدارج السالكين (٢/ ١٥٦)، وطريق الهجرتين (٤٩٦)، وروضة المحبين (٤٤٩). وصرّح في المدارج أنها مما سمعه من شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.

المقدمة / 10

ومن ذلك كلام المصنّف على حديث "مَن عشِق فكتَمَ وعَفَّ وصَبَر فماتَ، فهو شهيدٌ" (ص ٥٦٨)، ونجد الكلام بعينه في زاد المعاد (٤/ ٢٧٥)، وروضة المحبين (ص ٢٨٧).
٤) حكى المؤلف عن نفسه أنّه مكث مرّةً بمكّة، تعتريه الأمراض، ولا يجد طبيبًا، فكان يعالج نفسه بسورة الفاتحة (ص ٨). وقد حكى مثله في زاد المعاد (٤/ ١٧٨)، ومدارج السالكين (١/ ٥٧ - ٥٨).

المقدمة / 11

عنوان الكتاب
أول ما طبع هذا الكتاب في الهند سنة ١٣٥٧ هـ بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، ثم طبع في القاهرة طبعتين مختلفتين بالعنوان نفسه، فاشتهر هذا العنوان. ولعل أول طبعة خالفته هي التي أخرجها الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀ سنة ١٣٧٧ هـ في القاهرة بعنوان "الداء والدواء". ولكن في العام نفسه صدرت في القاهرة أيضًا طبعة أخرى عني بها الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ﵀ بالعنوان الأول. وقد ألِفَ الناس هذا العنوان، ولعلّهم أعجبوا به لما فيه من السجع السهل، فوسمت به معظم الطبعات التي صدرت من هذا الكتاب. فهل كلا العنوانين صواب، أو أحدهما أرجح من الآخر؟
لم يسمّ المؤلف كتابه في مقدّمته، بل ليس فيه مقدّمة أصلًا، إذ أخذ المؤلف في الإجابة عن السؤال الذي ورد عليه رأسًا حسب طريقة المفتين؛ ولا أشار إليه في كتبه الأخرى (^١). ولكنّ أقدم من ذكره من مؤلفاته -وهو تلميذه الحافظ ابن رجب ﵀ سماه "الداء والدواء"، وكذا من اعتمد عليه كالداوودي وابن العماد وغيرهما.
والشوكاني أيضًا ذكره بهذا العنوان مع أنّه لم يصدر فيما يبدو عن ذيل طبقات الحنابلة.
وبين يديّ ثلاث نسخ من الكتاب، كلّها نسخت في حياة الحافظ ابن رجب (٧٣٦ - ٧٩٥)، وأقدمها نسخة الإسكوريال المكتوبة سنة

(^١) ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٤).

المقدمة / 12

الداء والدواء | أصول