البيان والتبيين
الناشر
دار ومكتبة الهلال
مكان النشر
بيروت
سليمان بن داود ﷺ العصا لخطبته وموعظته، ولمقاماته، وطول صلاته، ولطول التلاوة والانتصاب، فجعلها لتلك الخصال جامعة. قال الله ﷿ وقوله الحق: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
. والمنسأة هي العصا.
قال أبو طالب حين قام يذم الرجل الذي ضرب زميله بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل وتجاذبا:
أمن أجل حبل لا أباك علوته ... بمنسأة قد جاء حبل واحبل
وقال آخر
إذا دببت على المنسأة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
قال أبو عثمان: وإنما بدأنا بذكر سليمان ﷺ لأنه من أبناء العجم، والشعوبية إليهم أميل، وعلى فضائلهم أحرص، ولما أعطاهم الله أكثر وصفا وذكرا.
وقد جمع الله لموسى بن عمران ﵇ في عصاه من البرهانات العظام، والعلامات الجسام، ما عسى أن يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين وجماعة من النبيين. قال الله ﵎ فيما يذكر من عصاه: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما
، إلى قوله تعالى:
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى.
فلذلك قال الحسن بن هاني في شأن خصيب وأهل مصر حين اضطربوا عليه:
فإن تك من فرعون فيكم بقية ... فإن عصا موسى بكف خصيب
ألم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس والتمويه عليهم إلا بالعصي، ولا عارضهم موسى إلا بعصاه.
3 / 22