535

البيان والتبيين

الناشر

دار ومكتبة الهلال

مكان النشر

بيروت

أدباء الناس وعلمائهم، فما منا أحد فطن لخطأ الرسول. فأقبل عليه مبشّر الخادم، فقال: يا ابن اللخناء، تقف على رأس سيدك فتستفتح الكلام كما تستفتحه لرجل من عرض الناس. ألا تقول: يا سيدي يقول لك أخوك: ترى أن تصير إلينا بأخوانك فقد تهيأ أمرنا؟
وابتعت خادما كان قد خدم اهل الثروة واليسار وأشباه الملوك، فمر به خادم من معارفه ممن قد خدم الملوك فقال له: إن الأديب وإن لم يكن ملكا فقد يجب على الخادم أن يخدمه خدمة الملوك، فانظر أن تخدمه خدمة تامة. قلت له: وما الخدمة التامة؟ قال: الخدمة التامة أن تقوم في دارك لبعض الأمر وبينك وبين النعل ممشى خمس خطى فلا يدعك أن تمشي إليها، ولكن يأخذها ويدنيها منك. ومن كان يضع النعل اليسرى قدام الرجل اليمنى فلا ينبغي لمثل هذا أن يدخل على دار ملك ولا أديب. ومن الخدمة التامة أن يكون إذا رأى متكأ يحتاج إلى مخدة ألا ينتظر أمرك. ويتعاهد ليقة الدواة قبل أن تأمره أن يصب فيه ماء أو سوادا، وينفض عنها الغبار قبل أن يأتيك بها. وإن رأى بين يديك قرطاسا على طيّه قطع رأسه ووضعه بين يديك على كسره. وأشباه ذلك.
قال: ولما كلم عروة بن مسعود الثقفي، رسول الله ﷺ، كان في ذلك ربما مس لحية النبي ﷺ، فقال له المغيرة بن شعبة: نح يدك عن لحية رسول الله ﵇ قبل ألا ترجع إليك يدك. فقال عروة: يا غدر هل غسلت رأسك من غدرتك إلا بالأمس؟ أقال: ونادى رجال من وفد بني تميم النبي ﷺ باسمه من وراء الحجرات، فأنزل الله ﵎ في ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
. وقال الله جل ذكره: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا
«١» .

2 / 225