الأشباه والنظائر
الناشر
دار الكتب العلمية
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٣ هجري
مكان النشر
بيروت
[مُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، نَحْمَدُكَ يَا مَنْ تَنَزَّهَ فِي كَمَالِهِ عَنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَتَقَدَّسَ فِي جَلَالِهِ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ، أَوْ تُحِيطَ بِهِ الْأَفْكَارُ، أَوْ تَعْزُبَ عَنْهُ الضَّمَائِرُ، وَتَأَزَّرَ بِالْكِبْرِيَاءِ وَتَرَدَّى بِالْعَظَمَةِ، فَمَنْ نَازَعَهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَهُوَ الْمَقْصُومُ الْبَائِرُ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ شَهَادَةً يَلُوحُ عَلَيْهَا لِلْإِخْلَاصِ أَمَايِرُ، وَتُبْهِجُ قَائِلَهَا بِأَعْظَمِ الْبَشَائِرِ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَفْضَلُ مَنْ نَسَلْتَهُ مِنْ ظُهُورِ الْأَمَاثِلِ وَبُطُونِ الْحَرَائِرِ، وَأَرْسَلْتَهُ لِخَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ; فَهَدَيْتَ بِهِ كُلَّ حَائِرِ، وَمَحَيْتَ بِهِ مَظَالِمَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَحْيَيْتَ بِهِ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَالشَّعَائِرِ. وَوَاعَدْتَهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ وَشَفَّعْتُهُ فِي الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، وَكَمْ بَيَّنَ شَرَائِعَ دِينِكَ الْقَوِيمِ، حَتَّى وَرِثَهَا مِنْ بَعْدِهِ أُولِي الْبَصَائِرِ، صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْفَضْلِ السَّائِرِ، صَلَاةً وَسَلَامًا نَعُدُّهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْظَمِ الذَّخَائِرِ، دَائِمَيْنِ مَا سَارَ الْفُلْكُ الْجَارِي وَدَارَ الْفَلَكُ الدَّائِرُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَعِلْمُ الْفِقْهِ بُحُورُهُ زَاخِرَةٌ، وَرِيَاضُهُ نَاضِرَةٌ، وَنُجُومُهُ زَاهِرَةٌ، وَأُصُولُهُ ثَابِتَةٌ مُقَرَّرَةٌ، وَفُرُوعُهُ ثَابِتَةٌ مُحَرَّرَةٌ. لَا يَفْنَى بِكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ كَنْزُهُ، وَلَا يَبْلَى عَلَى طُولِ الزَّمَانِ عِزُّهُ. أَهْلُهُ قِوَامُ الدِّينِ وَقُوَّامُهُ، وَبِهِمْ ائْتِلَافُهُ وَانْتِظَامُهُ، هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِهِمْ يُسْتَضَاءُ فِي الدَّهْمَاءِ، وَيُسْتَغَاثُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَيُهْتَدَى كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَإِلَيْهِمْ الْمَفْزَعُ فِي الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَالْمَرْجِعُ فِي التَّدْرِيسِ وَالْفُتْيَا، وَلَهُمْ الْمَقَامُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى الزَّهْرَةِ الْعُلْيَا، وَهُمْ الْمُلُوكُ، لَا بَلْ الْمُلُوكُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَفِي تَصَارِيفِ أَقْوَالِهِمْ وَأَقْلَامِهِمْ، وَهُمْ الَّذِينَ إذَا الْتَحَمَتْ الْحَرْبُ أَرَزَ الْإِيمَانُ إلَى أَعْلَامِهِمْ، وَهُمْ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ إذَا افْتَخَرَ كُلُّ قَبِيل بِأَقْوَامِهِمْ:
بِيضُ الْوُجُوهِ، كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ ... شُمُّ الْأُنُوفِ، مِنْ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ
1 / 3
وَلَقَدْ نَوَّعُوا هَذَا الْفِقْهَ فُنُونًا وَأَنْوَاعًا، وَتَطَاوَلُوا فِي اسْتِنْبَاطِهِ يَدًا وَبَاعًا، وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ أَنْوَاعِهِ: مَعْرِفَة نَظَائِرِ الْفُرُوعِ وَأَشْبَاهِهَا، وَضَمُّ الْمُفْرَدَاتِ إلَى أَخَوَاتِهَا وَأَشْكَالِهَا.
وَلَعَمْرِي، إنَّ هَذَا الْفَنَّ لَا يُدْرَكُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا يُنَالُ بِسَوْفَ وَلَعَلَّ وَلَوْ أَنِّي، وَلَا يَبْلُغهُ إلَّا مَنْ كَشَفَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ وَشَمَّرَ، وَاعْتَزَلَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ، وَخَاضَ الْبِحَارَ وَخَالَطَ الْعَجَاجَ، وَلَازَمَ التَّرْدَادَ إلَى الْأَبْوَابِ فِي اللَّيْلِ الدَّاجِّ، يَدْأَبُ فِي التَّكْرَارِ وَالْمُطَالَعَةِ بُكْرَةً وَأَصِيلَا، وَيُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِلتَّأْلِيفِ وَالتَّحْرِيرِ بَيَاتًا وَمَقِيلَا، لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلَّا مُعْضِلَةً يَحُلُّهَا، أَوْ مُسْتَصْعَبَةٌ عَزَّتْ عَلَى الْقَاصِرِينَ فَيَرْتَقِي إلَيْهَا وَيَحُلُّهَا، يُرَدُّ عَلَيْهِ وَيَرُدُّ، وَإِذَا عَذَلَهُ جَاهِلٌ لَا يَصُدُّ، قَدْ ضَرَبَ مَعَ الْأَقْدَمِينَ بِسَهْمٍ وَالْغُمْرُ يَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ، وَحَلَّقَ عَلَى الْفَضَائِلِ وَاقْتَنَصَ الشَّوَارِدَ:
وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ
يَقْتَحِمُ الْمَهَامِهَ الْمَهُولَةَ الشَّاقَّةَ، وَيَفْتَحُ الْأَبْوَابَ الْمُرْتَجَةَ، إذَا قَالَ الْغَبِيُّ لَا طَاقَةَ، إنْ بَدَتْ لَهُ شَارِدَةٌ رَدَّهَا إلَى جَوْفِ الْفَرَا، أَوْ شَرَدَتْ عَنْهُ نَادَّةً اقْتَنَصَهَا وَلَوْ أَنَّهَا فِي جَوْفِ السَّمَاءِ. لَهُ نَقْدٌ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْن الْهَبَابِ وَالْهَبَاءِ، وَنَظَرٌ يَحْكُمُ إذَا اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَفِكْر لَا يَأْتِي عَلَيْهِ تَمْوِيهُ الْأَغْبِيَاءِ، وَفَهْمٌ ثَاقِبٌ لَوْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ خَلْفِ جَبَلٍ قَافٍ لَخَرَقَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهَا مِنْ وَرَاء، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْد، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
هَذَا، وَطَالَمَا جَمَعْت مِنْ هَذَا النَّوْعِ جُمُوعًا، وَتَتَبَّعْت نَظَائِرَ الْمَسَائِل أُصُولًا وَفُرُوعًا حَتَّى أَوْعَيْتُ مِنْ ذَلِكَ مَجْمُوعًا جَمُوعًا، وَأَبْدَيْت فِيهِ تَأْلِيفًا لَطِيفًا، لَا مَقْطُوعًا فَضْلُهُ وَلَا مَمْنُوعًا. وَرَتَّبْتُهُ عَلَى كُتُبٍ سَبْعَةٍ:
الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: فِي شَرْحِ الْقَوَاعِدِ الْخَمْسِ الَّتِي ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِ الْفِقْهِ تَرْجِعُ إلَيْهَا.
الْكِتَابِ الثَّانِي: فِي قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ قَاعِدَةً:
الْكِتَابِ الثَّالِثِ: فِي الْقَوَاعِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَلَا يُطْلَقُ التَّرْجِيحُ لِظُهُورِ دَلِيلِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بَعْضِهَا وَمُقَابِلِهِ فِي بَعْضٍ، وَهِيَ عِشْرُونَ قَاعِدَةً.
الْكِتَابُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامٍ يَكْثُرُ دَوْرُهَا، وَيَقْبُحُ بِالْفَقِيهِ جَهْلُهَا: كَأَحْكَامِ النَّاسِي، وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُون وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمُبَعَّضِ، وَالْأُنْثَى، وَالْخُنْثَى، وَالْمُتَحَيِّرَةِ، وَالْأَعْمَى، وَالْكَافِرِ، وَالْجَانِّ، وَالْمَحَارِمِ وَالْوَلَدِ، وَالْوَطْءِ، وَالْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، وَالصَّرِيحِ، وَالْكِنَايَةِ، وَالتَّعْرِيضِ، وَالْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ، وَالْمِلْكِ، وَالدَّيْنِ، وَثَمَنِ الْمِثْلِ، وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
1 / 4
وَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ، وَكُتُبِ الْفَقِيهِ وَسِلَاحِ الْجُنْدِيِّ، وَالرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ، وَالشَّرْطِ، وَالتَّعْلِيقِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالدَّوْرِ، وَالْحَصْرِ، وَالْإِشَاعَةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَالْأَدَاءِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْإِعَادَةِ، وَالْإِدْرَاكِ، وَالتَّحَمُّلِ، وَالتَّعَبُّدِيَّةِ، وَالْمُوَالَاةِ ; وَفُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَسُنَنِهَا وَالسَّفَرِ، وَالْحَرَمِ، وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ قَوَاعِدُ وَفَوَائِدُ، وَتَتِمَّاتٌ وَزَوَائِدُ، تُبْهِجُ النَّاظِرَ، وَتَسُرُّ الْخَاطِرَ.
الْكِتَابِ الْخَامِسِ: فِي نَظَائِرِ الْأَبْوَابِ، أَعْنِي الَّتِي هِيَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، مُرَتَّبَةً عَلَى، أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَالْمُخَاطَبُ بِهَذَا الْبَابِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ الْمُبْتَدِئُونَ.
الْكِتَابِ السَّادِسِ: فِيمَا افْتَرَقَتْ فِيهِ الْأَبْوَابُ الْمُتَشَابِهَةُ.
الْكِتَابِ السَّابِعِ: فِي نَظَائِرَ شَتَّى.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ لَوْ أُفْرِدَ بِالتَّصْنِيفِ لَكَانَ كِتَابًا كَامِلًا، بَلْ كُلُّ تَرْجَمَةٍ مِنْ تَرَاجِمِهِ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُؤَلَّفًا حَافِلًا.
وَقَدْ صَدَّرْتُ كُلَّ قَاعِدَة بِأَصْلِهَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ، وَحَيْثُ كَانَ فِي إسْنَادِ الْحَدِيثِ ضَعْفٌ أَعْمَلْتُ جَهْدِي فِي تَتَبُّعِ الطُّرُقِ وَالشَّوَاهِدِ لِتَقْوِيَتِهِ عَلَى وَجْهٍ مُخْتَصَرٍ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا تَرَى عَيْنَكَ الْآنَ فَقِيهًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْتَ كِتَابِي هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ نُخْبَةُ عُمْرٍ، وَزُبْدَةُ دَهْرٍ، حَوَى مِنْ الْمَبَاحِثِ الْمُهِمَّاتِ، وَأَعَانَ عِنْدَ نُزُولِ الْمُلِمَّاتِ، وَأَنَارَ مُشْكِلَاتِ الْمَسَائِلِ الْمُدْلَهِمَّاتِ، فَإِنِّي عَمَدْتُ فِيهِ إلَى مُقْفَلَاتٍ فَفَتَحْتُهَا، وَمُعْضِلَاتٍ فَنَقَّحْتُهَا، وَمُطَوَّلَاتٍ فَلَخَّصْتُهَا، وَغَرَائِبَ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ مَنْصُوصَةً فَنَصَصْتُهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَامِلَ لِي عَلَى إبْدَاءِ هَذَا الْكِتَابِ أَنِّي كُنْتُ كَتَبْتُ مِنْ ذَلِكَ أُنْمُوذَجًا لَطِيفًا فِي كِتَابٍ سَمَّيْتُهُ (شَوَارِدَ الْفَوَائِدِ: فِي الضَّوَابِطِ وَالْقَوَاعِدِ) فَرَأَيْته وَقَعَ مَوْقِعًا حَسَنًا مِنْ الطُّلَّاب، وَابْتَهَجَ بِهِ كَثِير مَنْ أُولَى الْأَلْبَاب، وَهَذَا الْكِتَاب هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا كَقَطْرَةِ مِنْ قَطَرَات بَحْر، وَشَذْرَة مِنْ شَذَرَات نَحْر.
وَكَأَنِّي بِالنَّاسِ وَقَدْ افْتَرَقُوا فِيهِ فَرْقًا: فِرْقَة قَدْ انْطَوَى عَلَى الْحَسَد جُنُوبُهُمْ، وَرَامَتْ إطْفَاء نُوره بِأَفْوَاهِهِمْ، وَمَا هُمْ بِبَالِغِيهِ إلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ; وَكَيْف يُقَاس مَنْ نَشَأ فِي حِجْر الْعِلْم مُنْذُ كَانَ فِي مَهْده، وَدَأَبَ فِيهِ غُلَامًا وَشَابًّا وَكَهْلًا، حَتَّى وَصَلَ إلَى قَصْده، بِدَخِيلٍ أَقَامَ سَنَوَات فِي لَهْو وَلَعِب، وَقَطَعَ أَوْقَاتًا يَحْتَرِف فِيهَا أَوْ يَكْتَسِب، ثُمَّ لَاحَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَة إلَى الْعِلْم، فَنَظَرَ فِيهِ وَمَا احْتَكَمَ، وَقَنِعَ مِنْهُ بِتَحِلَّةِ الْقَسَمِ، وَرَضِيَ بِأَنْ يُقَالَ: عَالِمٌ وَمَا اتَّسَمَ؟
أَنَا ابْن دَارَة مَعْرُوفًا بِهَا نَسَبِي ... وَهَلْ بِدَارَةَ يَا لَلنَّاسِ مَنْ عَارِ
عَلَى أَنَّا لَا نَتَّكِلُ عَلَى الْأَحْسَابِ وَالْأَنْسَابِ ... وَلَا نَكَلُّ عَنْ طَلَبِ الْمَعَالِي بِالِاكْتِسَابِ
لَسْنَا وَإِنْ كُنَّا ذَوِي حَسَبٍ ... يَوْمًا عَلَى الْأَحْسَابِ نَتَّكِلُ
1 / 5
نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلنَا ... تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا
وَأَكْثَر مَا عِنْد هَذِهِ الْفِرْقَة: أَنْ تَزْدَرِي بِالشَّبَابِ، وَبِالشَّيْخُوخَةِ افْتِخَارهَا، وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا، وَلَوْ أَنْصَفَتْ لَعَرَفَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سِمَات الْمَدْح، لَا مِنْ وَصَمَات الْقَدْح، وَكَفَى بِالرَّدِّ عَلَيْهَا عِنْد أُولِي الْأَلْبَاب مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا «مَا أُوتِيَ عَالِمٌ عِلْمًا إلَّا وَهُوَ شَابٌّ» .
وَفِرْقَة: غَلَبَ عَلَيْهَا الْجَهْل الْمُرَكَّب، وَبَعُدَ عَنْهَا طَرِيق الْخَيْر وَتَنَكَّبَ، لَا تَبْرَح جِدَالًا وَلَا تَعِي مَقَالًا، وَلَا تُحْسِن جَوَابًا وَلَا سُؤَالًا، لَيْسَ لَهَا دَأْب إلَّا أَكْل الْحَرَام، وَالْخَوْض فِي أَعْرَاض الْأَنَام، وَغَمْص النَّاس نَهَارَا، وَبِاللَّيْلِ نِيَام، فَهَذِهِ لَا تَصْلُح لِخِطَابٍ وَلَا تَأَهَّلَ إذَا غَابَتْ لَأَنْ تُعَاب وَالسَّلَام.
وَفِرْقَة آتَاهَا اللَّه هُدَاهَا، وَأَلْهَمهَا تَقْوَاهَا، وَزَكَّاهَا مَوْلَاهَا، فَرَأَتْ مَحَاسِنه وَسَنَاهَا، وَفَوَائِده الَّتِي لَا تَتَنَاهَى، فَاعْتَرَفَتْ بِشُكْرِهَا وَثَنَاهَا، وَاغْتَرَفَتْ مَنْ بَحْرهَا وَلَمْ يَلْوِهَا عَذْلُ عَاذِلٍ وَلَا ثَنَاهَا، وَارْتَشَفَتْ مِنْ كُؤُوس حُمَّيَاهَا، وَانْتَشَقَتْ مِنْ، شَذَا عَرْفِ رَيَّاهَا، وَهَذِهِ طَائِفَة لَا تَكَاد تَرَاهَا، وَلَا نَسْمَع بِخَبَرِهَا فَوْق الْأَرْض وَثَرَاهَا، فَحَيَّاهَا اللَّه وَبَيَّاهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيْنَا سَحَائِب فَضْله وَإِيَّاهَا.
فَصْل اعْلَمْ أَنَّ فَنّ الْأَشْبَاه وَالنَّظَائِر فَنّ عَظِيم، بِهِ يُطَّلَع عَلَى حَقَائِق الْفِقْه وَمَدَارِكه، وَمَآخِذه وَأَسْرَاره، وَيُتَمَهَّر فِي فَهْمه وَاسْتِحْضَاره، وَيُقْتَدَر عَلَى الْإِلْحَاق وَالتَّخْرِيج، وَمَعْرِفَة أَحْكَام الْمَسَائِل الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْطُورَةٍ، وَالْحَوَادِث وَالْوَقَائِع الَّتِي لَا تَنْقَضِي عَلَى مَمَرّ الزَّمَان، وَلِهَذَا قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: الْفِقْه مَعْرِفَة النَّظَائِر.
وَقَدْ وَجَدْت لِذَلِكَ أَصْلًا مِنْ كَلَام عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَنَا شَيْخنَا الْإِمَام تَقِيُّ الدِّينِ الشُّمُنِّيُّ، أَخْبَرْنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، أَخْبَرْنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ (ح) وَكَتَبَ إلَيَّ عَالِيًا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقْبِلٍ الْحَلَبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحِرَّاوِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّدٍ الدِّمْيَاطِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ (ح) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ:
وَأَنْبَأَنَا عَالِيًا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُقَيِّرِ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ إجَازَة، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنُ بْنُ الْمُهْتَدِي بِاَللَّهِ قَالَا: أَنْبَأَنَا الْإِمَام أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّعْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا، عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ
1 / 6
فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ، لَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ، رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اعْرِفْ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ ثُمَّ قِسْ الْأُمُورَ عِنْدَكَ، فَاعْمِدْ إلَى أَحَبِّهَا إلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ، فِيمَا تَرَى ".
هَذِهِ قِطْعَة مِنْ كِتَابه، وَهِيَ صَرِيحَة فِي الْأَمْر بِتَتَبُّعِ النَّظَائِر وَحِفْظهَا، لِيُقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَيْسَ بِمَنْقُولٍ.
وَفِي قَوْله: " فَاعْمِدْ إلَى أَحَبِّهَا إلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ " إشَارَة إلَى أَنَّ مِنْ النَّظَائِر مَا يُخَالِف نَظَائِره فِي الْحُكْم لِمُدْرَكٍ خَاصٍّ بِهِ وَهُوَ الْفَنّ الْمُسَمَّى بِالْفُرُوقِ، الَّذِي يُذْكَر فِيهِ الْفَرْق بَيْن النَّظَائِر الْمُتَّحِدَة تَصْوِيرًا وَمَعْنًى، الْمُخْتَلِفَة حُكْمًا وَعِلَّة.
وَفِي قَوْله: " فِيمَا تَرَى " إشَارَة إلَى أَنَّ الْمُجْتَهِد إنَّمَا يُكَلَّف بِمَا ظَنَّهُ صَوَابًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْرِك الْحَقّ فِي نَفْس الْأَمْر، وَلَا أَنْ يَصِلَ إلَى الْيَقِين، وَإِلَى أَنَّ الْمُجْتَهِد لَا يُقَلِّد غَيْره.
[الْكِتَاب الْأَوَّل: فِي شَرْح الْقَوَاعِد الْخَمْس الَّتِي تَرْجِع إلَيْهَا جَمِيع مَسَائِل الْفِقْه]
الْكِتَاب الْأَوَّل
فِي شَرْح الْقَوَاعِد الْخَمْس الَّتِي ذَكَرَ الْأَصْحَاب أَنَّ جَمِيع مَسَائِل الْفِقْه تَرْجِع إلَيْهَا حَكَى الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ: أَنَّ بَعْض أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة بِهَرَاةَ بَلَغَهُ أَنَّ الْإِمَام أَبَا طَاهِرٍ الدَّبَّاسَ إمَام الْحَنَفِيَّة بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، رَدَّ جَمِيع مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة إلَى سَبْع عَشْرَة قَاعِدَة، فَسَافَرَ إلَيْهِ. وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ، ضَرِيرًا وَكَانَ يُكَرِّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ بِمَسْجِدِهِ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ مِنْهُ فَالْتَفَّ الْهَرَوِيُّ بِحَصِيرٍ، وَخَرَجَ النَّاسُ، وَأَغْلَقَ أَبُو طَاهِرٍ الْمَسْجِدَ وَسَرَدَ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ سَبْعًا، فَحَصَلَتْ لِلْهَرَوِيِّ سَعْلَةٌ فَأَحَسَّ بِهِ أَبُو طَاهِرٍ فَضَرَبَهُ وَأَخْرَجَهُ مَنْ الْمَسْجِد، ثُمَّ لَمْ يُكَرِّرْهَا فِيهِ بَعْد ذَلِكَ، فَرَجَعَ الْهَرَوِيُّ إلَى أَصْحَابه، وَتَلَا عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَّبْع. قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا بَلَغَ الْقَاضِي حُسَيْنًا ذَلِكَ رَدَّ جَمِيع مَذْهَب الشَّافِعِيِّ إلَى أَرْبَع قَوَاعِد:
الْأُولَى: الْيَقِين لَا يُزَال بِالشَّكِّ. وَأَصْل ذَلِكَ قَوْله ﷺ «إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلَاته، فَيَقُولُ لَهُ: أَحْدَثْتَ فَلَا يَنْصَرِفْ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» .
وَالثَّانِيَة: الْمَشَقَّة تَجْلِب التَّيْسِير قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَالَ ﷺ «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
الثَّالِثَة: الضَّرَر يُزَال. وَأَصْلُهَا قَوْله ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
الرَّابِعَة: الْعَادَة مُحَكَّمَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» انْتَهَى.
1 / 7
قَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ: فِي كَوْن هَذِهِ الْأَرْبَع دَعَائِم الْفِقْه كُلّه نَظَر، فَإِنَّ غَالِبه لَا يَرْجِع إلَيْهَا إلَّا بِوَاسِطَةِ وَتَكَلُّف، وَضَمّ بَعْض الْفُضَلَاء إلَى هَذِهِ قَاعِدَة خَامِسَة وَهِيَ: الْأُمُور بِمَقَاصِدِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَقَالَ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَالْفِقْه عَلَى خَمْس.
قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَهُوَ حَسَن جِدًّا، فَقَدْ قَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيُّ يَدْخُل فِي هَذَا الْحَدِيث ثُلُث الْعِلْم وَقَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ رُجُوعُ الْفِقْهِ إلَى خَمْسٍ بِتَعَسُّفٍ وَتَكَلُّف وَقَوْلٍ جملي، فَالْخَامِسَة دَاخِلَة فِي الْأُولَى، بَلْ رَجَّعَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفِقْه كُلّه إلَى اعْتِبَار الْمَصَالِح وَدَرْء الْمَفَاسِد، بَلْ قَدْ يَرْجِع الْكُلّ إلَى اعْتِبَار الْمَصَالِح، فَإِنَّ دَرْء الْمَفَاسِد مِنْ جُمْلَتهَا. وَيُقَال عَلَى هَذَا: وَاحِدَة مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْس كَافِيَة، وَالْأَشْبَه أَنَّهَا الثَّالِثَة، وَإِنْ أُرِيد الرُّجُوع بِوُضُوحِ، فَإِنَّهَا تَرْبُو عَلَى الْخَمْسِينَ، بَلْ عَلَى الْمِئِينَ اهـ.
وَهَا أَنَا أَشْرَح هَذِهِ الْقَوَاعِد، وَأُبَيِّن مَا فِيهَا مِنْ النَّظَائِر.
[الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا]
[الْمَبْحَث الْأَوَّلُ: الْأَصْل فِي قَاعِدَةِ الْأُمُورِ بِمَقَاصِدِهَا]
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا
فِيهَا مَبَاحِث: (الْأَوَّلُ)
الْأَصْل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَة قَوْله ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَهَذَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالْعَجَب أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُخْرِجهُ فِي الْمُوَطَّإِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِك، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنِ عَسَاكِرَ فِي أَمَالِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، كُلُّهُمْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيث أَنَسٍ «لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ» وَفِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ مِنْ حَدِيثه «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ لِلدَّيْلَمِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ فِيهَا حَتَّى مَا تَجْعَلَ فِي فِي امْرَأَتِكَ،» وَمِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ «رُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ» .
وَعِنْد ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»، وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ، وَفِيهِ: وَصَانِعُهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْأَجْرَ»، وَعِنْد النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ، «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى» .
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث صُهَيْبٍ
1 / 8
«أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَنَوَى أَنْ لَا يُعْطِيَهَا مِنْ صَدَاقِهَا شَيْئًا مَاتَ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا فَنَوَى أَنْ لَا يُعْطِيَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا مَاتَ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ خَائِنٌ»، وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ «مَنْ ادَّانَ دَيْنًا وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يُؤَدِّيَهُ أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ ادَّانَ دَيْنًا وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يُؤَدِّيَهُ فَمَاتَ قَالَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ظَنَنْتَ أَنِّي لَا آخُذُ لِعَبْدِي بِحَقِّهِ؟ فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَتُجْعَلُ فِي حَسَنَاتِ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْآخَرِ، فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ» .
[الْمَبْحَث الثَّانِي: فِيمَا يَرْجِع إلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة مِنْ أَبْوَاب الْفِقْه]
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ النَّقْل عَنْ الْأَئِمَّة فِي تَعْظِيم قَدْر حَدِيث النِّيَّة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَيْسَ فِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْء أَجْمَعَ وَأَغْنَى وَأَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْهُ، وَاتَّفَقَ الْإِمَام الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ ثُلُث الْعِلْم، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رُبْعه، وَوَجَّهَ الْبَيْهَقِيُّ كَوْنه ثُلُث الْعِلْم: بِأَنَّ كَسْب الْعَبْد يَقَع بِقَلْبِهِ وَلِسَانه وَجَوَارِحه، فَالنِّيَّة أَحَد أَقْسَامهَا الثَّلَاثَة وَأَرْجَحُهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُون عِبَادَة مُسْتَقِلَّة، وَغَيْرهَا يَحْتَاج إلَيْهَا وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ.»
وَكَلَام الْإِمَام أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِكَوْنِهِ ثُلُث الْعِلْم، أَنَّهُ أَحَد الْقَوَاعِد الثَّلَاث الَّتِي تُرَدّ إلَيْهَا جَمِيع الْأَحْكَام عِنْده فَإِنَّهُ قَالَ: أُصُول الْإِسْلَام عَلَى ثَلَاثَة أَحَادِيث: حَدِيث «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ»
وَحَدِيث «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»
وَحَدِيث «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: مَدَار السُّنَّة عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث: حَدِيث «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَحَدِيث «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»، وَحَدِيث " «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ»، وَحَدِيث «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا»، وَفِي لَفْظ عَنْهُ: يَكْفِي الْإِنْسَان لِدِينِهِ أَرْبَعَة أَحَادِيث، فَذَكَرهَا، وَذَكَرَ بَدَل الْأَخِير: حَدِيث «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ» .
وَعَنْهُ أَيْضًا: الْفِقْه يَدُور عَلَى خَمْسَة أَحَادِيث: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، «وَالْحَلَالَ بَيِّنٌ»، «وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، «وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أُصُولُ الْأَحَادِيثِ أَرْبَعَةٌ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، «وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»، «وَالْحَلَالُ بَيِّنٌ»، «وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّك اللَّهُ» .
وَحَكَى الْخَفَّافُ مِنْ أَصْحَابنَا فِي كِتَاب الْخِصَالِ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ: أَنَّ مَدَار الْأَحَادِيث عَلَى أَرْبَعَة: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَ«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ»، وَ«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وَ«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ أَيْضًا: حَدِيث النِّيَّة يَدْخُل فِي ثَلَاثِينَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَدْخُل فِي سَبْعِينَ بَابَا.
قُلْت: وَهَذَا ذِكْر مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ الْأَبْوَاب إجْمَالًا:
مِنْ ذَلِكَ: رُبْع الْعِبَادَات بِكَمَالِهِ، كَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْل فَرْضًا وَنَفْلًا، وَمَسْح الْخُفّ فِي مَسْأَلَةِ
1 / 9
الْجُرْمُوقِ إذَا مَسَحَ الْأَعْلَى، وَهُوَ ضَعِيف، فَيَنْزِل الْبَلَل إلَى الْأَسْفَل، وَالتَّيَمُّم، وَإِزَالَة النَّجَاسَة عَلَى رَأْيٍ، وَغُسْل الْمَيِّت عَلَى رَأْي، وَالْأَوَانِي فِي مَسْأَلَة الضَّبَّة بِقَصْدِ الزِّينَة أَوْ غَيْرهَا، وَالصَّلَاة بِأَنْوَاعِهَا: فَرْض عَيْن وَكِفَايَة، وَرَاتِبَة وَسُنَّة، وَنَفْلًا مُطْلَقًا، وَالْقَصْر، وَالْجَمْع، وَالْإِمَامَة وَالِاقْتِدَاء وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر، وَخُطْبَة الْجُمُعَةِ عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَذَان، عَلَى رَأْي، وَأَدَاء الزَّكَاة، وَاسْتِعْمَال الْحُلِيِّ أَوْ كَنْزه، وَالتِّجَارَة، وَالْقِنْيَة، وَالْخِلْطَة عَلَى رَأْي، وَبَيْع الْمَال الزَّكَوِيِّ، وَصَدَقَة التَّطَوُّع، وَالصَّوْم فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالِاعْتِكَاف، وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة كَذَلِكَ، وَالطَّوَاف فَرْضًا وَاجِبًا وَسُنَّةً، وَالتَّحَلُّل لِلْمُحْصَرِ، وَالتَّمَتُّعِ عَلَى رَأْي، وَمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، وَالسَّعْيِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى رَأْي، وَالْفِدَاء، وَالْهَدَايَا، وَالضَّحَايَا فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالنُّذُور، وَالْكَفَّارَات، وَالْجِهَاد وَالْعِتْق وَالتَّدْبِير، وَالْكِتَابَة، وَالْوَصِيَّة، وَالنِّكَاح، وَالْوَقْف، وَسَائِر الْقُرَب، بِمَعْنَى تَوَقُّف حُصُول الثَّوَاب عَلَى قَصْد التَّقَرُّب بِهَا إلَى اللَّه تَعَالَى، وَكَذَلِكَ نَشْر الْعِلْم تَعْلِيمًا وَإِفْتَاءً وَتَصْنِيفًا، وَالْحُكْم بَيْن النَّاس وَإِقَامَة الْحُدُود، وَكُلّ مَا يَتَعَاطَاهُ الْحُكَّام وَالْوُلَاة، وَتَحَمُّل الشَّهَادَات وَأَدَاؤُهَا.
بَلْ يَسْرِي ذَلِكَ إلَى سَائِر الْمُبَاحَات إذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَة أَوْ التَّوَصُّل إلَيْهَا، كَالْأَكْلِ، وَالنَّوْم، وَاكْتِسَاب الْمَال وَغَيْر ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ النِّكَاح وَالْوَطْء إذَا قُصِدَ بِهِ إقَامَة السُّنَّةِ أَوْ الْإِعْفَاف أَوْ تَحْصِيل الْوَلَد الصَّالِح، وَتَكْثِير الْأُمَّة، وَيَنْدَرِج فِي ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْمَسَائِل.
وَمِمَّا تَدْخُل فِيهِ مِنْ الْعُقُود وَنَحْوهَا: كِنَايَات الْبَيْع وَالْهِبَة، وَالْوَقْف، وَالْقَرْض، وَالضَّمَان، وَالْإِبْرَاء، وَالْحَوَالَة، وَالْإِقَالَة، وَالْوَكَالَة، وَتَفْوِيض الْقَضَاء، وَالْإِقْرَار، وَالْإِجَارَة وَالْوَصِيَّة، وَالْعِتْق، وَالتَّدْبِير، وَالْكِتَابَة، وَالطَّلَاق، وَالْخُلْع، وَالرَّجْعَة، وَالْإِيلَاء، وَالظِّهَار، وَالْأَيْمَان، وَالْقَذْف، وَالْأَمَان.
وَيَدْخُل أَيْضًا فِيهَا فِي غَيْر الْكِنَايَات فِي مَسَائِل شَتَّى: كَقَصْدِ لَفْظ الصَّرِيح لِمَعْنَاهُ، وَنِيَّة الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الْمَبِيع وَالثَّمَن، وَعِوَض الْخُلْع، وَالْمَنْكُوحَة، وَيَدْخُل فِي بَيْع الْمَال الرِّبَوِيّ وَنَحْوه وَفِي النِّكَاحِ إذَا نَوَى مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ بَطَلَ.
وَفِي الْقِصَاص فِي مَسَائِل كَثِيرَة مِنْهَا تَمْيِيز الْعَمْد وَشِبْهِهِ مِنْ الْخَطَأ، وَمِنْهَا إذَا قَتَلَ الْوَكِيل فِي الْقِصَاص، إنْ قَصَدَ قَتْله عَنْ الْمُوَكِّل، أَوْ قَتَلَهُ بِشَهْوَةِ نَفْسه. وَفِي الرِّدَّة، وَفِي السَّرِقَة فِيمَا إذَا أَخَذَ آلَات الْمَلَاهِي بِقَصْدِ كَسْرهَا وَإِشْهَارهَا أَوْ بِقَصْدِ سَرِقَتهَا، وَفِيمَا إذَا أَخَذَ الدَّائِن مَال الْمَدِينِ بِقَصْدِ الِاسْتِيفَاء، أَوْ السَّرِقَة، فَلَا يُقْطَع فِي الْأَوَّل، وَيُقْطَع فِي الثَّانِي وَفِي أَدَاء الدَّيْن، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ لِرَجُلٍ، بِأَحَدِهِمَا رَهْن، فَأَدَّى أَحَدهمَا وَنَوَى بِهِ دَيْن الرَّهْن، انْصَرَفَ إلَيْهِ وَالْقَوْل قَوْله فِي نِيَّته.
وَفِي اللُّقَطَة بِقَصْدِ الْحِفْظ أَوْ التَّمْلِيك، وَفِيمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَر مِنْ أَرْبَع، فَقَالَ: فَسَخْت نِكَاح هَذِهِ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاق كَانَ تَعْيِينًا لِاخْتِيَارِ النِّكَاح، وَإِنْ نَوَى الْفِرَاق أَوْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى اخْتِيَار الْفِرَاق، وَفِيمَا لَوْ وَطِئَ أَمَة بِشُبْهَةٍ، وَهُوَ يَظُنّهَا زَوْجَته الْحُرَّة، فَإِنَّ الْوَلَد يَنْعَقِد حُرَّا وَفِيمَا لَوْ تَعَاطَى فِعْل شَيْء مُبَاح لَهُ، وَهُوَ يَعْتَقِد عَدَم حِلّه، كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَة يَعْتَقِد أَنَّهَا
1 / 10
أَجْنَبِيَّة، وَأَنَّهُ زَانٍ بِهَا، فَإِذَا هِيَ حَلِيلَته أَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدهُ مَعْصُومَا، فَبَانَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ دَمَهُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ، فَبَانَ مِلْكَهُ.
قَالَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّينِ: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْم الْفَاسِق لِجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّه ; لِأَنَّ الْعَدَالَة إنَّمَا شُرِطَتْ لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِصِدْقِهِ، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وَقَدْ انْخَرَمَتْ الثِّقَةُ بِذَلِكَ، لِجُرْأَتِهِ بِارْتِكَابِ مَا يَعْتَقِدُهُ كَبِيرَة.
قَالَ: وَأَمَّا مَفَاسِد الْآخِرَة فَلَا يُعَذَّبُ تَعْذِيب زَانٍ وَلَا قَاتِل، وَلَا آكِلٍ مَالًا حَرَامًا لِأَنَّ عَذَاب الْآخِرَة مُرَتَّب عَلَى تَرَتُّب الْمَفَاسِد فِي الْغَالِب، كَمَا أَنَّ ثَوَابهَا مُرَتَّب عَلَى تَرَتُّب الْمَصَالِح فِي الْغَالِب.
قَالَ: وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يُعَذَّب تَعْذِيبَ مَنْ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً ; لِأَجْلِ جُرْأَته وَانْتِهَاك الْحُرْمَة ; بَلْ عَذَابَا مُتَوَسِّطًا بَيْن الصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة.
وَعَكْس هَذَا: مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّة وَهُوَ يَظُنّهَا حَلِيلَة لَهُ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء مِنْ الْعُقُوبَات الْمُؤَاخَذَات الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الزَّانِي اعْتِبَارًا بِنِيَّتِهِ وَمَقْصِده.
وَتَدْخُل النِّيَّة أَيْضًا: فِي عَصِير الْعِنَب بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ وَالْخَمْرِيَّة، وَفِي الْهَجْر فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنَّهُ حَرَام، إنْ قَصَدَ الْهَجْر وَإِلَّا فَلَا.
وَنَظِيره أَيْضًا: تَرْك الطِّيب وَالزِّينَة فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام لِمَوْتِ غَيْر الزَّوْج، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ بِقَصْدِ الْإِحْدَاد حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا وَتَدْخُل أَيْضًا فِي نِيَّة قَطْع السَّفَر، وَقَطْع الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة، وَقِرَاءَة الْقُرْآن جُنُبَا بِقَصْدِهِ، أَوْ بِقَصْدِ الذِّكْر. وَفِي الصَّلَاة بِقَصْدِ الْإِفْهَام، وَفِي غَيْر ذَلِكَ وَفِي الْجَعَالَةِ إذَا الْتَزَمَ جُعْلًا لِمُعَيَّنٍ، فَشَارَكَهُ غَيْره فِي الْعَمَل إنْ قَصَدَ إعَانَته، فَلَهُ كُلّ الْجُعْل، وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَل لِلْمَالِكِ فَلَهُ قِسْطه، وَلَا شَيْء لِلْمُشَارِكِ، وَفِي الذَّبَائِح.
فَهَذِهِ سَبْعُونَ بَابًا، أَوْ أَكْثَر، دَخَلَتْ فِيهَا النِّيَّة كَمَا تَرَى.
فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ " تَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْعِلْم " الْمُبَالَغَة وَإِذَا عَدَدْت مَسَائِل هَذِهِ الْأَبْوَاب الَّتِي لِلنِّيَّةِ فِيهَا مَدْخَل لَمْ تَقْصُر عَنْ أَنْ تَكُون ثُلُث الْفِقْه أَوْ رُبْعه.
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله ﷺ: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»: أَنَّ الْمُؤْمِن يُخَلَّد فِي الْجَنَّة وَإِنْ أَطَاعَ اللَّه مُدَّة حَيَاته فَقَطْ ; لِأَنَّ نِيَّته أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَبَد الْآبَاد لَاسْتَمَرَّ عَلَى الْإِيمَانِ، فَجُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة، كَمَا أَنَّ الْكَافِر يُخَلَّد فِي النَّار، وَإِنْ لَمْ يَعْصِ اللَّه إلَّا مُدَّة حَيَاته فَقَطْ ; لِأَنَّ نِيَّته الْكُفْر مَا عَاشَ.
1 / 11
[الْمَبْحَث الثَّالِث: فِيمَا شرعت النِّيَّة لِأَجْلِهِ] [الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: عَدَم اشْتِرَاط النِّيَّة فِي عِبَادَة لَا تَكُون عَادَة]
الْمَقْصُودُ الْأَهَمّ مِنْهَا: تَمْيِيز الْعِبَادَات مِنْ الْعَادَات، وَتَمْيِيز رُتَب الْعِبَادَات بَعْضهَا مِنْ بَعْض، كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل، يَتَرَدَّد بَيْن التَّنَظُّف وَالتَّبَرُّد، وَالْعِبَادَة، وَالْإِمْسَاك عَنْ الْمُفْطِرَات قَدْ يَكُون لِلْحُمِّيَّةِ وَالتَّدَاوِي، أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَة إلَيْهِ، وَالْجُلُوس فِي الْمَسْجِد، قَدْ يَكُون لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَدَفْعُ الْمَال لِلْغَيْرِ، قَدْ يَكُون هِبَة أَوْ وَصْلَة لِغَرَضٍ دُنْيَوِيّ، وَقَدْ يَكُون قُرْبَة كَالزَّكَاةِ، وَالصَّدَقَة، وَالْكَفَّارَة، وَالذَّبْح قَدْ يَكُون بِقَصْدِ الْأَكْل، وَقَدْ يَكُون لِلتَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاء، فَشُرِعَتْ النِّيَّة لِتَمْيِيزِ الْقُرَبِ مِنْ غَيْرهَا، وَكُلٌّ مِنْ الْوُضُوء وَالْغُسْل وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَنَحْوهَا قَدْ يَكُون فَرْضَا وَنَذْرًا وَنَفْلًا، وَالتَّيَمُّم قَدْ يَكُون عَنْ الْحَدَث أَوْ الْجَنَابَة وَصُورَته وَاحِدَة، فَشُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ رُتَب الْعِبَادَات بَعْضهَا مِنْ بَعْض.
وَمِنْ ثَمَّ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدهَا: عَدَم اشْتِرَاط النِّيَّة فِي عِبَادَة لَا تَكُون عَادَة أَوْ لَا تَلْتَبِس بِغَيْرِهَا، كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَعْرِفَة وَالْخَوْف وَالرَّجَاء، وَالنِّيَّة، وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَالْأَذْكَار ; لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَة بِصُورَتِهَا، نَعَمْ يَجِب فِي الْقِرَاءَة إذَا كَانَتْ مَنْذُورَة، لِتَمْيِيزِ الْفَرْض مِنْ غَيْره، نَقَلَهُ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الرُّويَانِيِّ، وَأَقَرَّهُ.
وَقِيَاسه: إنْ نَذَرَ الذِّكْر وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ ﷺ كَذَلِكَ، نَعَمْ إنْ نَذَرَ الصَّلَاة عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ، فَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَاج إلَى نِيَّة لِتَمَيُّزِهِ بِسَبَبِهِ، وَأَمَّا الْأَذَان: فَالْمَشْهُور أَنَّهُ لَا يَحْتَاج إلَى نِيَّة. وَفِيهِ وَجْه فِي الْبَحْرِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ الصَّلَاة، كَمَا سَيَأْتِي، فَأَوْجَبَ فِيهِ النِّيَّة لِلتَّمْيِيزِ.
وَأَمَّا خُطْبَة الْجُمُعَة: فَفِي اشْتِرَاط نِيَّتهَا وَالتَّعَرُّض لِلْفَرْضِيَّةِ فِيهَا خِلَاف فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ بِلَا تَرْجِيح، وَفِي الْكِفَايَةِ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا بِمَثَابَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَمُقْتَضَاهُ تَرْجِيح أَنَّهَا شَرْط، وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي التَّوَسُّطِ، وَعِنْدِي خِلَافه، بَلْ يَجِب أَنْ لَا يَقْصِد غَيْرهَا.
وَأَمَّا التُّرُوكُ: كَتَرْكِ الزِّنَا وَغَيْره، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُود مِنْهَا وَهُوَ اجْتِنَاب الْمَنْهِيِّ بِكَوْنِهِ لَمْ يُوجَد، وَإِنْ يَكُنْ نِيَّة، نَعَمْ يُحْتَاج إلَيْهَا فِي حُصُول الثَّوَاب الْمُتَرَتِّب عَلَى التَّرْك. وَلَمَّا تَرَدَّدَتْ إزَالَة النَّجَاسَة بَيْن أَصْلَيْنِ: الْأَفْعَال مِنْ حَيْثُ إنَّهَا فِعْل، وَالتُّرُوكُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْهَا جَرَى فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ خِلَافٌ، وَرَجَّحَ الْأَكْثَرُونَ عَدَمَهُ تَغْلِيبًا لِمُشَابَهَةِ التُّرُوكِ.
وَنَظِير ذَلِكَ أَيْضًا: غُسْل الْمَيِّت، وَالْأَصَحُّ فِيهِ أَيْضًا عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ ; لِأَنَّ الْقَصْد مِنْهُ التَّنْظِيف كَإِزَالَةِ النَّجَاسَة.
وَنَظِيره أَيْضًا نِيَّةِ الْخُرُوج مِنْ الصَّلَاة ; هَلْ تُشْتَرَط؟ وَالْأَصَحّ لَا قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ النِّيَّة إنَّمَا تَلِيق بِالْإِقْدَامِ، لَا بِالتَّرْكِ.
1 / 12