رسالة في أحكام الطلاق الواحد بلفظ الثلاث لإبراهيم العبري
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله ، وصحبه وسلم .
جواب من فضيلة الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري ، إلى سائليه من علماء البحرين ، أصحاب الفضيلة العلماء / عبد الله بن محمد ، وجميل بن مبارك ، ونصر بن سيف ، فسألتومنا - تكريما وتشريفا - : عمن طلق امرأته ثلاثا بلفظة واحدة (¬1) ، قائلين : ما الأرجح المعمول عليه الآن عندكم ؟ وهل يكون هالكا من أخذ بغير المعمول عليه الآن ؟ حيث جعل ذلك كتطليقة واحدة ... الخ .
الجواب : إن هذه المسألة ، قد عظمت بها المحنة ، واشتدت إليها الحاجة ، ونحن مثلكم فيها ، نود أن نجد من يرشدنا ، إلى ما هو الحق فيها ، ممن هم فوقنا ، علما ودراية ، وأكثر منا حفظا ورواية ، لأنا وجدنا علماء السلف والخلف ، فيها مختلفين :
¬__________
(¬1) هكذا في النسخة ص 15 ، ولعله خطأ مطبعي يراد به ( على من طلق زوجته واحدا بلفظ الثلاث ) .
صفحة ٣
? فمنهم : من يرى الثلاث كالواحدة ، عملا بما كان عليه الأمر فيها ، زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزمان الخليفة الأول - رضي الله عنه - ، وصدرا من خلافة الفاروق - رضي الله عنه - .
? ومنهم : من يراها كالثلاث ، وأنها لا تحل له ، حتى تنكح زوجا غيره ، إن وقع ذلك بعد الدخول .
? ومنهم : من لا يرى ذلك البتة ، لأنه طلاق البدعة ، وقد كثرت عنها الأقوال ، وطال فيها الجدال ، وأفردت المؤلفات ، القصار والطوال .
فأما القول الأول ، وهو : أنها تطلق ثلاثا : فهو قول جمهور التابعين ، وكثير من الصحابة ، ومنهم : ابن عباس ، وعمر - رضي الله عنهم - ، وأكثر أصحابنا ، وأئمة المذاهب الأربعة ، وطائفة من أهل البيت ، منهم : علي بن أبي طالب ، والإمام يحيى ، والناصر ، وحكى - أيضا - عن بعض الإمامية (¬1) ، وقالوا : أن الطلاق يتبع الطلاق ، أي سواء كان بلفظة واحدة ، أو بألفاظ متفرقة .
¬__________
(¬1) الامامية ، هم : الإثناء عشر من فرق المسلمين ، الذين تمسكوا بحق علي ، وقالوا : بإثنى عشر إماما ، آخر هم محمد المهدي بن الحسن العسكري .
صفحة ٤
وأما القول الثاني : وهو : كونه طلاقا واحد فقط ، فقد حكاه صاحب البحر ، عن أبي موسى ، ورواه قوم عن علي ، وطاوس ، وعطاء ، وجابر بن زيد ، والهادي ، والقاسم ، والباقر ، و أحمد بن عيسى ، وعبد الله بن موسى ، ورواية عن زيد بن علي ، وابن عباس ، والناصر ، وإليه ذهب جماعة من المحققين ، منهم : ابن تيمية ، وابن القيم ، وابن القاسم ، وقد نقله ابن المغيث (¬1) في كتاب : " الوثائق " ، عن محمد بن وضاح ، ونقل الغنوي - كذلك - عن أصحاب ابن عباس ، كعطاء ، وطاوس ، وعمرو بن دينار ، وغيرهم ، من المتقدمين والمتأخرين .
وأما القول الثالث ، وهو : أنه لا يقع بذلك طلاق أصلا ، فقد ذهب إليه الكثير من الامامية ، وقد حكي عن بعض التابعين ، وروي عن ابن عليه ، وهشام بن الحكم ، وبه قال أبو عبيدة ، وهو غير أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، الضرير ، المحدث ، الأباضي ، شيخ الربيع بن حبيب ، وأصحابه ، وبه قال بعض أهل الظاهر ، وجميع من يقول : أن الطلاق البدعي لا يقع ، لأن الثلاث بلفظة واحدة ، أو بألفاظ متتابعة هو منه .
¬__________
(¬1) ابن المغيث ، هو : الإمام ، العلامة ، الحافظ ، المفتي الكبير ، أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث بن محمد بن الإمام المحدث يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث القرطبي المالكي الأندلسي ، ولد في رجب عام : 447ه ، وتوفي في جمادى الآخرة عام : 532ه .
صفحة ٥
فهذا حاصل ما في هذه المسألة ، من اختلاف علماء الإسلام ، ولكن المهم ما هو أرجحها وأصحها ، بواضح الأدلة ، وصحيح النظر ، وفي هذا معترك الأفكار والأنظار ، ومخافة الزلة والعثار ، فإذا نظرنا أولا إلى مدلول الآية - آية الطلاق من سورة البقرة - وهي قوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } (¬1) ، رأينا أنها تدل على تتابع الطلاق ، بمجرد اللفظ وحده ، ولكنه تتابع المرات ، فيما إذا طلقها ، ثم راجعها ، ثم طلقها ، ثم راجعها ، فهاتان الطلقتان ، هما اللتان يملك فيهما الرجعة ، فإن طلقها بعد ذلك ، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، وأما كون المرتين ، بقوله : أنت طالق مرتين ، أو الثلاث ،بقوله : أنت طالق ثلاثا ، فلا يدل عليه مفهوم لفظ الآية الكريمة البتة ، ولذلك قال بعض المفسرين : وإنما قال سبحانه : { مرتان } ، إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة ، لا طلقتان دفعة واحدة ، لأنه لو أراد ذلك ، لقال : الطلاق طلقتان ، وما كان مرة بعد مرة ، لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة واحدة كاللعان ، فإنه لو قال : أشهد بالله أربع شهادات ، أني لمن الصادقين ، كان مرة واحدة ، ولو حلف في القسامة ، وقال : أقسم بالله خمسين يمينا ، أن هذه قاتلة ، كان يمينا واحدة ، ولو قال المقر بالزنا : أنا أقر أربع مرات أني زنيت ، كان مرة واحدة .
فتلخص من ذلك ، أن الآية تدل على ما ذهب إليه الجمهور ، من تتابع الطلاق باللفظ ، وكذلك اللغة ، والعرف ، لا يقتضيان التكرار بمجرد الألفاظ ، فيما يكون فعله بالمرات المتتابعات ، فما بقي لنا إلا النظر فيما تعضده السنة المطهرة .
¬__________
(¬1) سورة البقرة : 229.
صفحة ٦
وقد علمتم ، أنه لم يكن طلاق الثلاث في عهده - صلى الله عليه وسلم - ، إلا واحدة على الصحيح ، ويؤيد ذلك ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - : أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فحزن عليها حزنا شديدا ، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف طلقتها ؟ قال : فقال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم ، قال : إن تلك الطلقة واحدة فأرجعها ، قال : فأرجعها " (¬1) ، رواه أحمد في مسنده ، وكذلك حديث الرجل الذي طلق امرأته ثلاثا ، فلما أخبر النبي بذلك ، غضب غضبا شديدا ، وقال : أيتلاعب بكتاب الله عز وجل وأنا بين أظهركم ، أو كما قال (¬2) ، فهذا يؤيد ما ذهب إليه القائلون بالواحدة ، فمن تشجع وعمل بذلك من المجتهدين ، فلا يخطأ ولا يعنف ، لأن ظاهر الكتاب والسنة يؤيدان : { ولكل درجات مما عملوا } (¬3) ، { ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكما وعلما } (¬4) ،
¬__________
(¬1) حديث ركانة ، وهو : ركانة بن عبد يزيد ، وامرأته سهيمة المزنية ، رواه : الشافعي ، والترمذي ، وأبو داوود ، وحسنه وصححه ابن حبان ، والحاكم ، في : " نيل الأوطار " ج 6 ، ص : 226 ، من : " شرح التقريب " ، لعبد الرحيم بن الحسين العراقي ( ت : 806ه) ، ج 7، ص : 81-93.
(¬2) والرجل المقصود به في الحديث ، هو : رفاعة ( بكسر الراء ) القرظي ، من بني قريظة ، وهو ابن سموال ، وهو أحد العشرة الذي نزل فيهم قوله تعالى : { ولقد وصلنا لهم القول } - سورة القصص : 51- وامرأته التي طلقها ثلاثا ، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واسمها : تميمة بنت وهب ، وقيل : اسمها : أميمة بنت الحارث ، وقيل : تميمة بنت أبي عبيد القرظي ، ذكرت في المبهمات ، رواه العراقي في : " التقريب " .
(¬3) سورة الأحقاف : 19 .
(¬4) سورة الأنبياء : 79 ..
صفحة ٧
ولا يزال اختلاف العلماء في الفروع رحمة ، وسعة للمجتهدين ، قال الشوكاني : وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة ، هل يقع ثلاثا ، أو واحدة فقط ؟ فذهب إلى الأول الجمهور ، وذهب إلى الثاني من عداهم ، وهو الحق ، قال : وقد قررته في مؤلفاتي تقريرا بالغا ، وأقررته برسالة مستقلة ، انتهى .
صفحة ٨
والأمر الذي دعى سيدنا عمر - رضي الله عنه - ، إلى مشاورة الصحابة ، في جعله ثلاثا ، هو ما صرح به في قوله : أن الناس قد تعجلوا أمرا كان لهم ، فيه أناءة ، كما قال العلامة ابن تيمية عن عمر في إيقاعه الثلاث : أنه جعله في إكثارهم منه ، فعاقبهم على الإكثار منه ، لما عصوا بجمع الثلاث ، فيكون عقوبة من لم يتق الله ، من التقرير الذي يرجع فيه اجتهاد الأئمة ، كالزيادة على الأربعين في حد الخمر ، لما أكثر الناس منها ، وأظهروها ، فساغت الزيادة عقوبة ، ولنا أن نقول : أنه ينبغي الآن ، أن يعكس هذا الأمر ، فيجعل الثلاث واحدة ، وذلك لما رآه عمر وأصحابه زجرا للناس ، لم يزجرهم عن بدعتهم ، فلا تجد اليوم أكثر من واحد في المائة ، يطلق زوجته طلاق السنة ، فإذا حملت الرجل سورة الغضب على امرأته ، طلقها ثلاثا ، ولا يريد أن يترك له سبيلا إليها ، ولربما زاد فوق ذلك من التغليظ لا حاجة إلى ذكره ، ولا يذكر عند ذلك قوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } (¬1) وقول بعض السلف : لم يندم من طلق طلاق السنة ، فعسى إذا علم الجهال ، أن هذا التغليظ والتأكيد ، في لفظ الطلاق ، لا يزيد المرأة غير طلاق واحد ، أن يتركوا بدعتهم ، ويقتصروا على السنة ، فيكون هذا راجعا إلى الاجتهاد ، يرجى فيه تخفيف البدعة ، وزجر الناس عنها ، وهذا فيمن يطلق ثلاثا بلفظ واحد ، وأما من قال لزوجته ، بعد الدخول بها : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، بتكرار ألفاظ الطلاق ، فإنها تطلق بذلك ثلاثا ، وقد أجمع على ذلك أصحابنا ، وذلك أن الطلاق يتبع الطلاق ، ما كانت في العدة الرجعية ، لإجماعهم : أن المعتدة الرجعية ، يلحقها طلاق الزوج ، وظهاره ، وإيلاؤه ، ما لم تخرج من عدتها ، لأن عصمتها لم تنقطع عنه ، حتى تخرج من عدتها ، بدليل : أنها ترثه ، ويرثها ، وتحل له الخلوة معها ، ويحرم عليه تزويج من لا تجتمع من قريباتها.
¬__________
(¬1) سورة الطلاق :1.
صفحة ٩
ومما يوضح ذلك ، ويدل على الفرق بين التكرار وعدمه ، فيما إذا حلف حالف ، أن يقول : سبحان الله وبحمده ثلاث مرات ، فقال سبحان الله ثلاثا ، لم يبر في يمينه ، حتى يقوله ثلاث مرات ، بإعادة الكلمتين ، وهذا لا يخفى على ذوي البصائر من أمثالكم .
فقد صرحنا لكم ، أن القول : بكون الطلاق الثلاث واحدة فقط ، سائغ ، والعمل به واسع ، ووجهه طاهر ، ودليله واضح ، وصوابه لائح ، وإليه يميل زميلنا - بل شيخنا - سعيد بن احمد بن سليمان الكندي (¬1)
¬__________
(¬1) عالم فقيه ، حافظ كبير ، توفي بتاريخ : 20/4/1964م ، بمسقط ، تولى رئاسة القضاء بالمحكمة الشرعية ، أيام السلطان سعيد بن تيمور - سلطان عمان - وتوفي عن عمر يناهز التسعين سنة ، ولد بنزوى ، وأدرك أشياخه الذين أخذ منهم العلم : الشيخ عامر بن خميس المالكي ، والشيخ عبد الله بن عامر العزري ، والشيخ أبو زيد عبد الله بن محمد الريامي ، وهم - يومئذ - قضاة للإمام محمد بن عبد الله الخليلي ، بنزوى ، والتحق بدرجة القضاء بعدهم بنزوى ، ثم بمسقط ، ونسبه من آل كندة ، من أولاد ، مهذب ، وله أسئلة وأجوبة ، نظما ونثرا ، وأشعاره نفيسة ، في الفقه ، والتاريخ ، وترك من الذرية ولده / أحمد ..
صفحة ١٠
السمدي النزوي - أحد قضاة هذه المحكمة - المسئولين من قبلكم ، ونحن يؤخرنا عن الجزم به ، ما نجده عن أئمتنا ، وقادتنا ، في ديننا ، من علمائنا المجتهدين ، وأشياخنا الفطاحل المحققين ، مع قصور باعنا ، وقلة متاعنا ، فها نحن ننقل لكم هنا ، جوابا من أحد أشياخنا ، وهو : نور الدين العلامة عبد الله بن حميد السالمي (¬1) - رضي الله عنه - ، لمن سأله من تلامذته المسترشدين ، عن خصوص مسألتكم العانية ، فنأتي بالجواب ، دون السؤال ، طلبا للاختصار :
سئل - رحمه الله - : عمن طلق زوجته سبع عشرة مرة ؟ فأجابه بما نصه :
¬__________
(¬1) ولد الشيخ السالمي ، عام : 1286ه ، وتوفي عام : 1332ه ، وترجم عنه الكثير في مؤلفاته ، المطبوعة ، والمنشورة ، وكفى بذلك بيانا وعلما ، عن مكانة الإمام المذكور ، ويعني به جوابه - رحمه الله - ، الوارد في أجوبته المعنونة : " بجوابات الإمام السالمي " ، ج 3 ، ص : 169 ، الواقع في ست مجلدات ، والسابع للفهارس ، الطبعة الأولى : 1417ه ، تنسيق ومراجعة الدكتور / عبد الستار أبو غدة .
صفحة ١١
الجواب : أقول فيها : بقول ابن عباس - رضي الله عنهما - : أنها تبين منه بثلاث ، والباقي عليه أوزار ، والأحاديث التي نقلتها في صدر سؤالكم ، كلها أدلة لهذا القول ، ولا معارض ، فأما ما احتج به البعض ، بأنها من البدع ، وأن البدع مردودة ، لحديث رسول الله : " من أتى في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (¬1) فليس بشيء ، لأن غاية ما فيه رد البدعة ، ونحن نقول : أنها مردودة على صاحبها ، وردها : أن لا تقبل منه ، فأما طلاق البدعة ، فقد نقل ابن حجر ، الإجماع على وقوعه ، وما علل به الشوكاني ، من قوله : أن الطلاق لا يتبع الطلاق ، فليس بشيء ، لأنه لا خلاف في إتباع الطلاق للطلاق ، فلو طلقها مرة ، ثم طلقها أخرى في العدة ، وقع الطلاق إجماعا ، يعني : إجماعنا معشر الأباضية ، ومن وافقنا من مشاهير علماء الأمة ، و إلا فعند ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، ومن وافقهما من المجتهدين ، كالعلامة الشوكاني ، ومحمد صديق حسن خان البخاري ، أن الطلاق لا يتبع الطلاق ، ولا يكون إلا بعد مراجعة ، عملا بما دل عليه ظاهر آية الطلاق التي قدمنا ذكرها ، وأشرنا إليه .
¬__________
(¬1) نص الحديث " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، ورد في كتاب " فيض القدير " ، رقم الحديث : 8333 ، ورمزه : ق د ه ، عن عائشة ، وصححه ، أي : رواه : مسلم ، والبخاري ، وأبو داوود ، وابن ماجه ، ومثله في : " كنز العمال " ، ج1 ، ورقم الحديث : 1101.
صفحة ١٢