أحكام القرآن
محقق
محمد صادق القمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف
الناشر
دار إحياء التراث العربي
مكان النشر
بيروت
تصانيف
•التفسير الفقهي
مناطق
•إيران
الإمبراطوريات و العصور
البويهيون أو البوييون (شمال وغرب وجنوب فارس؛ العراق)، ٣٢٠-٤٥٤ / ٩٣٢-١٠٦٢
مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً إلَّا أَمَرَنَا فِيهَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ
وَهَذَا خَبَرٌ ثَابِتٌ قَدْ تَلَقَّاهُ الْفُقَهَاءُ بِالْقَبُولِ وَاسْتَعْمَلُوهُ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْمُثْلَةَ بِالْقَاتِلِ وَقَوْلُ مُخَالِفِينَا فِيهِ الْمُثْلَةُ بِهِ وَهُوَ يَثْنِي عَنْ مُرَادِ الْآيَةِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاءِ الْمِثْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ مَقْصُورًا عَلَى وجه لا يوجب الْمُثْلَةِ وَيَسْتَعْمِلُ الْآيَةَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخَالِفُ مَعْنَى الْخَبَرِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَّلَ بِالْعُرَنِيِّينَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا ثُمَّ نُسِخَ سَمْلُ الْأَعْيُنِ بِنَهْيِهِ عَنْ الْمُثْلَةِ فَوَجَبَ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى آيَةِ الْقِصَاصِ مَحْمُولًا عَلَى مَا لَا مُثْلَةَ فِيهِ وَاحْتَجَّ مُخَالِفُونَا فِي ذَلِكَ
بِحَدِيثِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ صَبِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْضَخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ ثَبَتَ كَانَ مَنْسُوخًا بِنَسْخِ الْمُثْلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُثْلَةِ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَالْقَوَدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَلَفٌ فيه ومتى ورد عنه ﷺ خَبَرَانِ وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِعْمَالِ الْآخَرِ كَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا قَاضِيًا عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا وَمَعَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَتْلُ الْيَهُودِيِّ عَلَى وَجْهِ الْحَدِّ كَمَا
رَوَى شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ عَدَا يَهُودِيٌّ عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا وَرَضَخَ رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ فِي آخر رمق فقال ﷺ مَنْ قَتَلَكِ فُلَانٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ لَا ثُمَّ قَالَ فُلَانٌ يَعْنِي الْيَهُودِيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ حَدًّا لَمَّا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ وقد كان ذلك جائز عَلَى وَجْهِ الْمُثْلَةِ كَمَا سَمَلَ الْعُرَنِيِّينَ ثُمَّ نُسِخَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى قُتِلَ
فَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الرَّجْمَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقِصَاصٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِقُرْبِ مَحَالِّ الْيَهُودِ كَانَتْ حِينَئِذٍ مِنْ الْمَدِينَةِ فَأُخِذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ عَلَى أَنَّهُ حَرْبِيٌّ نَاقِضٌ لِلْعَهْدِ مُتَّهَمٌ بِقَتْلِ صَبِيٍّ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِإِيمَاءِ الصَّبِيَّةِ وَإِشَارَتِهَا أَنَّهُ قَتَلَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَتْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فَلَا مَحَالَةَ قَدْ كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ آخَرُ اسْتَحَقَّ بِهِ الْقَتْلَ لَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي عَلَى جِهَتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِصَاصِ إتْلَافُ نَفْسِهِ بِأَيْسَرِ الْوُجُوهِ وَهُوَ السَّيْفُ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْجَرَهُ خَمْرًا حَتَّى مَاتَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوجِرَهُ خَمْرًا وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ فَإِنْ قِيلَ لِأَنَّ شُرْبَ
1 / 201